الندم ليس عدوك.. كيف تستفيد من أكثر مشاعرك إيلاما؟

قد يظهر الندم في صورة سؤال يلح على الذهن مرارا: ماذا لو اخترت هذا الطريق بدلا من ذاك؟ ماذا لو تحدثت عندما سنحت لي الفرصة؟ لماذا لم أبذل مزيدا من الجهد؟

ورغم الألم الذي تثيره هذه الأسئلة، فإن كثيرين يجهلون أن الندم، في حقيقته، شعور صحي قد يحمل فوائد مهمة. فهو ليس خللا ينبغي التخلص منه، بل تجربة إنسانية ترتبط بقدرتنا على تخيل نتيجة أفضل مما حدث، ومراجعة الدور الذي لعبته اختياراتنا في تشكيل حياتنا. وتكمن قيمته في أنه يكشف لنا ما نحتاج إليه، ويعكس القيم التي نتمسك بها، ويساعدنا على اتخاذ قرارات أفضل وتجنب تكرار الأخطاء في المستقبل

اقرأ أيضا

list of 4 items

  • list 1 of 4كيف تتصرف عندما يبدأ أحدهم في البكاء أمامك؟
  • list 2 of 4العلاج بالقراءة.. كيف يمكن للكتب أن تشفي القلوب المتعبة؟
  • list 3 of 4للذين أحبوا العمل أكثر من الراحة.. هكذا تتأقلم مع الحياة بعد التقاعد
  • list 4 of 4اكتئاب يناير.. لماذا نقع في فخ العروض السياحية الوهمية مع بداية العام؟

end of list

لماذا الندم مهم؟

بحسب الكاتب والباحث الأمريكي دانيال بينك، مؤلف كتاب “قوة الندم”، فإن الدعوة إلى العيش بدون ندم هي خدعة تضر أكثر مما تنفع، لأنها تتجاهل وظيفة نفسية مهمة لهذا الشعور.

عندما لا يتحول الندم إلى جلد للذات أو اجترار للماضي، يمكنه أن يكشف ما نعده مهما، وينبهنا إلى قرارات تحتاج إلى التصحيح، ويساعدنا على اتخاذ خيارات أكثر وعيا في المستقبل.

ومن هنا، اقترح بينك تصنيفا تحليليا لأنواع الندم الأربعة، وذلك في إطار تفسيري للسلوك الإنساني، لا كتشخيص نفسي أو تقسيم طبي معتمد، بعد أن أجرى مشروعين بحثيين واسعي النطاق، أحدهما مسح عالمي جمع أكثر من 26 ألف تجربة من أشخاص في 134 دولة، وانتهى إلى أن معظمها يدور حول 4 حاجات إنسانية أساسية هي:

  • بناء حياة مستقرة.
  • السعي إلى النمو والتطور.
  • الالتزام بالقيم الأخلاقية.
  • حفظ الروابط مع الآخرين.

تكمن أهمية الندم، وفق هذا الطرح، في المعلومات التي يحملها عن أولوياتنا ونقاط ضعفنا والفرص التي أهملناها؛ وهي المعلومات التي يمكن استخدامها لإصلاح ما يمكن إصلاحه، وتجنب تكرار الاختيارات نفسها، وتحسين جودة القرارات والحياة.

Business woman, depression and stress in an office at night working late on deadline. Tired African entrepreneur person with hands on head for pain, burnout or regret for mistake or fail at work
يتمثل الندم بالحزن على تفويت الفرص التي لم  نقتنصها خوفا من الفشل (شترستوك)

النوع الأول: الندم الأساسي

يرتبط “ندم الأساس” (Foundation Regret) بالأركان التي تمنح الحياة قدرا من الأمان والاستقرار والوضوح، مثل الندم تجاه أعمدة محورية في الحياة مثل الصحة والتعليم والادخار والانضباط.

إعلان

ولا ينشأ هذا النوع من الندم عادة بسبب قرار كارثي واحد، بل نتيجة سلسلة من الاختيارات الصغيرة التي تتراكم عبر السنوات، مثل الإنفاق المتهور، وتأجيل الفحوصات الطبية، وإهمال الدراسة أو تطوير المهارات، أو الاستمرار في عادات مضرة بالصحة.

وهنا قد يبدو أثر كل اختيار محدودا في لحظتها، ثم تتجمع نتائج هذه السلوكيات بعد سنوات، ويظهر الندم في شكل عبارات لوم الذات التي تقول “ماذا لو كنت فعلت أفضل من ذلك؟”.

الدرس العملي هنا لا يتطلب إعادة بناء الحياة دفعة واحدة. تشير الأدبيات في علم النفس السلوكي، مثل أبحاث الكاتب والخبير في تطوير الذات صاحب كتاب “العادات الذرية” جيمس كلير، حول تكوين العادات، إلى أن التغيير الفعال يبدأ بخطوات صغيرة قابلة للقياس.

لذلك يُنصح بتحديد المجال الذي يحتاج إلى تحسين، ثم اختيار سلوك محدد يمكن تتبعه، مثل تحويل مبلغ شهري للادخار، أو حجز موعد طبي مؤجل، أو الالتزام بموعد نوم منتظم، أو تخصيص وقت ثابت لتعلم مهارة جديدة. هكذا، يبدأ الفرد في إدراك الفجوة بين وضعه الحالي وأهدافه المستقبلية، ويطوّر مهارة اتخاذ قرارات أكثر وعيا.

النوع الثاني: ندم عدم الجرأة وتفويت الفرص

يرتبط “ندم عدم الجرأة” (Boldness Regret) بالحزن على الفرص التي لم نستغلها خوفا من الفشل أو الرفض أو من أحكام الآخرين. ويظهر في مواقف مثل عدم التقدم إلى وظيفة، أو التراجع عن إطلاق مشروع، أو عدم الانتقال إلى مدينة جديدة، أو الامتناع عن التعبير عن مشاعر صادقة تجاه شخص مهم.

وهو بالفعل ما أثبتته العديد من الدراسات في علم النفس السلوكي، أن الإنسان يميل للندم على ما لم يفعله أكثر من ندمه على المحاولات التي قام بها، حتى وإن باءت بالفشل؛ لأن نتائج الفعل يمكن تفسيرها أو التعلم منها، في حين تظل الفرصة المهملة مفتوحة على احتمالات لا يمكن اختبارها.

ويمكن تحويل هذا النوع من الندم إلى أداة لاتخاذ قرارات أفضل من خلال طرح سؤال بسيط على النفس: كيف سينظر الشخص الذي سأكونه بعد عشر سنوات إلى هذا القرار؟ ولا يعني ذلك الإقدام على كل مخاطرة، بل التمييز بين المخاطر الحقيقية والخوف من الإحراج أو من عدم تحقيق الكمال.

كما قد يكون الفعل المناسب هو جرأة محدودة، مثل إرسال طلب، إجراء مكالمة، تجربة مشروع على نطاق صغير أو جمع المعلومات اللازمة بدلا من البقاء في دائرة التفكير في “ماذا لو؟”.

النوع الثالث: الندم الأخلاقي

يظهر الندم الأخلاقي (Moral Regret) حين يختار الإنسان ما يراه أسهل أو أكثر نفعا على حساب ما يؤمن بأنه صواب؛ كالكذب أو الغش أو خيانة الثقة أو الصمت عن ظلم يمكنه الاعتراض عليه.

ووفقا لعرض أبحاث بينك، كان هذا النوع أقل شيوعا بين الأنواع الأخرى، لكنه من أكثرها إيلاما، لأنه لا يتعلق بنتيجة سيئة فحسب، بل يصطدم باعتقاد الإنسان أنه شخص صالح وجدير بالثقة والاحترام.

ووفقا لموقع “سيكولوجي توداي” المتخصص في علم النفس، يبدأ تحويل هذا الندم إلى حافز بفصل السلوك عن الهوية، فارتكاب فعل خاطئ لا يعني أن الخطأ هو التعريف الكامل لصاحبه.

يلي ذلك تحمل المسؤولية، والاعتذار، ورد الحقوق أو تعويض الضرر عندما يكون ذلك ممكنا. أما إذا تعذر إصلاح الواقعة، فيمكن تحويلها إلى قاعدة واضحة للقرارات المقبلة، أو مشاركة الدرس مع من قد يواجه موقفا مشابها.

Sad old woman. Depressed lonely senior lady with alzheimer, dementia, memory loss or loneliness. Elder person looking out the home window. Sick patient with disorder. Pensive grandma. Widow with grief المصدر: أدوبي ستوك
يتعلق ندم التواصل بالعلاقات التي تضعف بسبب الانشغال أو الكبرياء أو الخوف من الإحراج (أدوبي ستوك)

النوع الرابع.. ندم التواصل

يرتبط “ندم التواصل” (Connection Regret) بالعلاقات التي تضعف أو تنقطع بسبب الانشغال، أو الكبرياء، أو الخوف من الإحراج أو المواجهة. فقد يبدأ الأمر بخلاف بسيط أو مكالمة مؤجلة، ثم تتسع المسافة تدريجيا حتى يصبح استئناف العلاقة أكثر صعوبة.

إعلان

ويشير دانيال بينك إلى أن العلاقات التي تلاشت، أو تلك التي لم تُبنَ من الأساس، تشكل جانبا كبيرا من تجارب الندم لدى كثير من الناس، وهو ما يعكس الدور المحوري الذي تؤديه العلاقات الإنسانية في شعور الإنسان بالانتماء والمعنى. وتدعم الأبحاث هذه الفكرة؛ إذ خلصت مراجعة تحليلية شاملة نُشرت في دورية Frontiers in Psychology إلى أن الوحدة والعزلة الاجتماعية ترتبطان بتراجع الرضا عن الحياة وزيادة مخاطر الوفاة.

كما أن الندم على فقدان العلاقات أو عدم الحفاظ عليها غالبا ما يترافق مع شعور أكبر بالوحدة وانخفاض جودة الحياة. ويقسم بينك هذا النوع من الندم إلى حالتين: “باب مفتوح” لا تزال فيه فرصة لإصلاح العلاقة، و”باب مغلق” أصبحت فيه العودة مستحيلة.

ففي الحالة الأولى، تكون المبادرة هي الخطوة الأهم، حتى وإن اقتصرت على رسالة قصيرة لا تحاول حل سنوات من الخلاف دفعة واحدة. ويؤكد بينك أن الناس غالبا ما يبالغون في تقدير انزعاج الطرف الآخر من التواصل، ويقللون في المقابل من احتمال ترحيبه بهذه المبادرة. أما إذا كان “الباب مغلقا”، فإن أفضل طريقة للتعامل مع الندم لا تكون بمحاولة تغيير الماضي، بل بتكريم تلك العلاقة من خلال تحسين طريقة تعاملنا مع الأشخاص الذين ما زالوا جزءا من حياتنا اليوم.

عندما يتحول الندم إلى بداية جديدة

تظهر فائدة الندم عندما يساعدنا على فهم ما يحتاج إلى التغيير حقا في حياتنا. فقد يكشف عادة أضرّت بنا، أو فرصة تراجعنا عنها، أو علاقة أهملناها، أو قلقا تركناه يلتهم شجاعتنا على التجربة.

ويبدأ التعامل الصحي مع الندم حين ننظر إلى الخطأ باعتباره تجربة يمكن التعلم منها، ثم نحدد ما يزال قابلا للإصلاح ونتخذ خطوة واضحة تمنع تكراره.

أما استعادة الموقف مرارا من دون الوصول إلى درس أو قرار جديد، فقد تحول الندم إلى اجترار يستنزف صاحبه. لذلك يصبح السؤال الأكثر فائدة هو ما الذي يمكن فعله الآن، بدلا من البقاء عالقا في أسباب ما حدث.

 

المصدر: الجزيرة