هل يمكن أن يكون التخلص من الوسادة هو السر وراء الاستيقاظ من دون آلام في الرقبة أو الظهر؟ سؤال يتكرر على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر نصائح تدعو إلى النوم بلا وسادة باعتباره وسيلة “طبيعية” لتحسين وضعية العمود الفقري وتخفيف التشنجات، في مقابل تحذيرات تؤكد أن هذه العادة قد تزيد الألم بدلا من علاجه.
ورغم أن الفكرة تبدو بسيطة، فإن الإجابة ليست كذلك. فبحسب مختصين في طب النوم والعلاج الطبيعي، لا توجد قاعدة واحدة تناسب الجميع، لأن تأثير النوم من دون وسادة يتوقف على عوامل عدة، أبرزها وضعية النوم، وطبيعة الجسم، وحالة الرقبة والظهر، وحتى نوع المرتبة المستخدمة. لذلك، فإن ما يمنح شخصا نوما أكثر راحة قد يجعل آخر يستيقظ برقبة متيبسة أو آلام في الكتفين والظهر.
دور الوسادة الحقيقي
الوظيفة الأساسية للوسادة ليست توفير الراحة للرأس فقط، وإنما الحفاظ على محاذاة الرأس والرقبة مع العمود الفقري أثناء النوم. فعندما تكون الرقبة في وضعية مناسبة، تقل الضغوط الواقعة على العضلات والأربطة والمفاصل، ويستيقظ الشخص وهو أقل عرضة للشعور بالتصلب أو الألم.
لكنّ المشكلة تظهر عندما تكون الوسادة مرتفعة أكثر من اللازم أو منخفضة جدا، إذ يؤدي ذلك إلى انحناء الرقبة لساعات طويلة في اتجاه غير طبيعي، مما قد يسبب إجهادا عضليا أو يزيد آلام الرقبة الموجودة بالفعل.
متى يكون النوم بلا وسادة مفيدا؟
أما بالنسبة لمن يفضلون النوم على البطن، فقد تكون الوسادة التقليدية جزءا من المشكلة أكثر من كونها حلا. فهذه الوضعية تفرض أصلا انثناء غير طبيعي للرقبة، وإضافة وسادة مرتفعة تحت الرأس تزيد هذا الانثناء وتضاعف الضغط على الفقرات العلوية، مما قد يؤدي إلى تيبس الرقبة أو الشعور بالألم عند الاستيقاظ. لذلك، قد يساعد الاستغناء عن الوسادة، أو استبدالها بأخرى رقيقة جدا، على تقليل الشد في الرقبة وتحسين الراحة أثناء النوم.
ويشير بعض المتخصصين أيضا إلى أن خفض ارتفاع الرأس في هذه الحالة قد يخفف جزءا من الضغط الواقع على أسفل الظهر، لأن النوم على البطن يدفع العمود الفقري إلى اتخاذ وضعية أقل توازنا. ومع ذلك، لا يعني ذلك أن النوم بلا وسادة يمثل حلا كاملا، إذ تظل هذه الوضعية من أقل أوضاع النوم ملاءمة لصحة العمود الفقري، سواء استخدمت وسادة أم لا.
يوضح الدكتور أندرو بانغ، اختصاصي تقويم العمود الفقري في كليفلاند كلينك، أن النوم على البطن في حد ذاته يضع الرقبة والعمود الفقري في وضعية غير طبيعية، وأن الهدف يجب أن يكون تقليل الضغط على المفاصل والعضلات قدر الإمكان. ويشير إلى أن من يضطرون للنوم على البطن قد يستفيدون من استخدام وسادة رقيقة جدا أو الاستغناء عنها لتقليل انثناء الرقبة، لكنه يؤكد أن تغيير وضعية النوم إلى الجنب أو الظهر يظل الخيار الأفضل لصحة العمود الفقري.
متى يزيد النوم بلا وسادة الألم؟
في المقابل، قد يؤدي التخلي عن الوسادة إلى نتيجة عكسية لدى معظم من ينامون على الظهر أو الجنب، لأن الرقبة في هاتين الوضعيتين تحتاج إلى دعم يحافظ على محاذاتها الطبيعية مع بقية العمود الفقري.
فعند النوم على الظهر، تساعد الوسادة المناسبة على دعم الانحناء الطبيعي للرقبة. أما الاستغناء عنها تماما، فقد يجعل الرأس يميل إلى الخلف بصورة غير مريحة، ما يزيد الضغط على عضلات الرقبة وقد يؤدي إلى التيبس أو الألم عند الاستيقاظ.
وتزداد أهمية الوسادة عند النوم على الجنب، بسبب المسافة التي تفصل الرأس عن المرتبة نتيجة عرض الكتف. ومن دون وسادة تملأ هذه المسافة، يميل الرأس إلى أسفل لساعات، فتخرج الرقبة عن محاذاتها الطبيعية ويتزايد الضغط على العضلات والمفاصل.
لذلك، يفضَّل اختيار وسادة يتناسب ارتفاعها مع عرض الكتف عند النوم على الجانب، بحيث يبقى الرأس والرقبة والعمود الفقري في وضعية متوازنة قدر الإمكان.
هل تجب تجربة النوم بلا وسادة؟
إذا كنت تنام على بطنك وتشعر بأن الوسادة ترفع رأسك أكثر من اللازم أو تزيد آلام رقبتك، فقد يكون من المفيد تجربة النوم من دونها، أو استخدام وسادة رقيقة جدا، لبضعة أيام، مع مراقبة تأثير ذلك في الألم والراحة عند الاستيقاظ.
أما إذا كنت تنام على الظهر أو الجنب، فلا يُنصح عادة بالتخلي عن الوسادة تماما، لأن الحفاظ على محاذاة الرقبة مع العمود الفقري في هاتين الوضعيتين يتطلب دعما مناسبا للرأس والرقبة. وفي حال المعاناة من آلام مزمنة في الرقبة أو الظهر، أو انزلاق غضروفي، أو مشكلات معروفة في العمود الفقري، فمن الأفضل استشارة الطبيب أو اختصاصي العلاج الطبيعي قبل تغيير طريقة النوم.
وفي النهاية، لا يمثل النوم بلا وسادة علاجا سحريا لآلام الرقبة أو الظهر، فالراحة أثناء النوم تعتمد على عوامل متعددة، من بينها وضعية الجسم وجودة المرتبة، فضلا عن وجود مشكلات عضلية أو في العمود الفقري قد تحتاج إلى تقييم وعلاج.
وفي بعض الحالات، قد يكون تعديل وضعية الجسم أكثر فاعلية من التخلي عن الوسادة نفسها؛ إذ يمكن وضع وسادة صغيرة أسفل الحوض أو البطن عند النوم على البطن لتخفيف الضغط على أسفل الظهر، أو بين الركبتين عند النوم على الجنب للمساعدة في الحفاظ على استقامة الحوض والعمود الفقري، أو أسفل الركبتين عند النوم على الظهر لتقليل الضغط على المنطقة القطنية.
الألم رسالة تستدعي الانتباه
الاستيقاظ أحيانا برقبة متيبسة بعد ليلة نوم سيئة أمر شائع، لكنّ تكرار الألم بصورة يومية قد يشير إلى أن المشكلة أعمق من مجرد الوسادة.
فإذا استمر الألم عدة أسابيع، أو امتد إلى الذراعين، أو صاحبه تنميل أو ضعف في العضلات، أو أصبح يوقظك من النوم، فمن الأفضل طلب تقييم طبي لمعرفة السبب الحقيقي، لأن المشكلة قد تكون مرتبطة بالفقرات أو الأعصاب أو العضلات، وليس بطريقة النوم فقط.
لا توجد قاعدة واحدة تناسب الجميع. فالنوم بلا وسادة قد يكون خيارا مناسبا لفئة محدودة من الأشخاص الذين ينامون على البطن، لكنه قد يزيد آلام الرقبة والظهر لدى آخرين، خاصة من ينامون على الظهر أو الجنب. والأهم من وجود الوسادة أو غيابها هو أن يحافظ الجسم أثناء النوم على وضعية طبيعية تقلل الضغط على العمود الفقري، لأن ليلة نوم مريحة تبدأ غالبا من محاذاة صحيحة للجسم، لا من التخلص من الوسادة.
المصدر: الجزيرة