اليوغا: كيف تعيد لنساء عربيات حريتهن وأجسادهن؟

“شعرتُ بحرية عظيمة رغم أني كنت في ورشة تدريبية داخل مركز تأمُّل مغلق لا يُسمح لي بالخروج منه. سألتُ نفسي: ماذا لو شاركت هذا الشعور مع نساء يعشن قرب الجدار الفاصل (في الضفة الغربية)، أو في مخيمات اللجوء، حيث العالم الخارجي مليئ بالقيود والضغوط، لكن داخل الفرد واسع بلا حدود؟”.

بهذه الكلمات تصف شدن نصّار، مدربة اليوغا الفلسطينية، واحدة من اللحظات المؤسسة في مسيرتها مع اليوغا.

بدأت نصّار ممارسة التأمُّل عندما كانت تتابع دراستها الجامعية في بريطانيا، لكنها سرعان ما وجدت نفسها تغوص في عالم رياضة اليوغا الرحب، بحثاً عن الاتزان الداخلي والحرية، في عالم خارجي يفتقر إلى الشعور بالأمان.

هذا الشعور بالاتساع الداخلي وسط تضييق خارجي أصبح لاحقاً جزءاً من فلسفتها في تعليم اليوغا، خصوصاً للفتيات والنساء في الضفة الغربية.

وتتابع: “جاءتني امرأة قُتل ابنها أمام عينيها، ووجدت في اليوغا ملاذاً. إحدى النساء كانت تخشى إغلاق عينيها أثناء التأمل. كانت تقول لي: ‘كلما أغمضت عينيَّ، أرى سواداً ويتملكني الخوف’. وبعد أشهر من ممارسة اليوغا، جاءتني يوماً لتقول: ‘أصبحت الآن أستطيع الجلوس وحدي في البيت وأغمض عينيَّ دون خوف'”.

تأخذ حركات اليوغا أسماء مستقاة من الطبيعة والحيوانات؛ مثل وضعية الثعبان، المستوحاة من ثعبان الكوبرا، والتي تقوي العمود الفقري وتمنحه الليونة، ووضعية الشجرة، التي ترمز إلى المرونة، واستقرار العقل.

اليوغا ليست مجرد استعراض حركي. المنطق وراء الحركات أنّ الجسم والعقل مترابطان؛ أي أن حركات الجسد يستتبعها تخفيف التوتر والضغوط. والممارسون لا يحتاجون إلى سنوات لتجربتها: يمكن للمرء، رجلا كان أم امرأة، أن تبدأ بأي مستوى جسماني، وبالممارسة واستمرارية التمرين تزداد المرونة والقوة تدريجياً.

هل يمكن أن يكون التنفس فعل مقاومة؟ وهل التأمل أداة لمراجعة علاقة الفرد بالعالم وبالظروف الضاغطة والقاهرة؟

هذا ما تجيبنا عليه شدن، حيث تقول: “لست أعلم ما إذا كنت أُدرِّس اليوغا في مكان آخر بخلاف رام الله، هل كانت علاقتي مع اليوغا ستكون بهذا العمق”.

ومنذ العام 2002، بنت إسرائيل جداراً طوله يزيد عن 700 كيلومتر على طول حدود الضفة الغربية المحتلة لعزلها.

وتقول شدن إنّ ممارسة اليوغا “تقويني من الداخل. عندما يحدث موقف مثل هذا، وأرى الناس في حالة ذعر ورعب، توصلني اليوغا إلى أن أجد في داخلي مكاناً هادئاً وساكناً ومتزناً”.

وتضيف “الاحتلال قد يحتل أرضك، لكنه لا يستطيع أن يحتلك من الداخل أو يحتل عقلك إذا كان لديك الأدوات اللازمة للتصدي لذلك، وهذا ما علمتني إياه اليوغا، وما أعلمه بدوري للنساء في الضفة ومخيمات اللجوء”.

إعادة امتلاك الجسد

لجسد المرأة في السياقات العربية تصوُّرات مختلفة، ويراه البعض عورة أو عيباً.

قد يُختزل الجسد الأنثوي إلى مساحة تخضع للرقابة والتقييم من خلال نظرة ذكورية تُرسّخ أدواراً تقليدية وتفرض معايير صارمة للظهور والجمال والسلوك.

لكنّ اليوغا مكّنت العديد من النساء من إعادة امتلاك أجسادهنّ، وتجمع المدربات الثلاث اللواتي قابلناهنّ على أنّ اليوغا غيّرت نظرة النساء، اللواتي قمن بتدريبهنّ، لأجسادهنّ تماماً.

فيما تقول نوف المروعي، وهي من أوائل النساء اللواتي مارسن اليوغا ودرّسنها وتخصصن في تدريبها في السعودية، أنّ “من أكبر المكاسب التي تمنحها اليوغا للنساء هو الإحساس بالسيادة على أجسادهنّ”.

مضيفة أنه “من خلال الممارسة المستمرة، تتعلّم المرأة أن تنظر إلى جسدها كمساحة آمنة، وليس كموضوع لإطلاق الأحكام”.

وتقول آية قرطام، وهي مدربة يوغا مصرية، إنّ “اليوغا منحت النساء مساحة للإصغاء لأجسادهنّ، بدلاً من مراقبتها بهدف توجيه النقد لها”.

أمّا بالنسبة لها شخصياً، فتقول “اليوغا ساعدتني على تخفيف القسوة التي كنت أعامل بها نفسي، وأعادت بناء علاقتي بجسدي على أساس الرفق وليس السيطرة”.

من جهة أخرى، تقول المنصوري إنّ اليوغا ساعدتها أيضاً على استعادة جسدها في لحظات صعبة في حياتها.

وتقول: “بدأ مشواري مع اليوغا بعد تشخيصي بمرض الفيبروميالجيا والإرهاق المزمن، وهو مرض مزمن عطّلني تماماً عن مواصلة حياتي المعتادة وعملي”.

وتضيف: “في تلك المرحلة، لم أكن أبحث عن اليوغا تحديداً، بل كنت أبحث عن وسيلة أستعيد بها جسدي وأساعد بها نفسي على التعامل مع مرض مزمن لم يكن له علاج واضح. وكانت اليوغا هي الملاذ والعلاج”.

وعلى الرغم من أنّ اليوغا ممارسة تأملية تُركز على التنفس والتأمل والوعي الجسدي، ويعني أن يصغي من يمارسها لجسده، ولما يشعر به، لما يحتاجه، بدلاً من مجرد مراقبته أو الحكم عليه، إلا أنّ الحضور القوي للجسد الأنثوي في ممارسة اليوغا، بملابس رياضية قد تُظهر تفاصيله، وبحركات توصف أحياناً بأنها “متحررة”، يصطدم في حالات كثيرة، بنظرة مجتمعية تُحمل النساء مسؤولية الشكل الذي يظهرن به وأثره المفترض على “الآخر”.

تقول المنصوري: “في البداية كنت أُسأل كثيراً عن اللباس. لماذا ترتدين ملابس ضيقة؟ لماذا هذه الوضعية؟ كأن الجسد الأنثوي خطر يجب إخفاؤه، حتى وهو يمارس شيئاً نافعاً وآمناً”.

من تابو إلى اعتراف رسمي

لم تكن ممارسة اليوغا سهلة في كل السياقات العربية. العديد من مدربات اليوغا اللواتي تحدثت إليهن بي بي سي عربي وصفن شكوكاً مجتمعية، وأحياناً شبهات دينية، رافقت بداياتهنّ.

من الكويت، حدثتنا الشيخة شيخة الصباح، الحائزة عام 2025 على وسام “بادما شري”، أحد أرفع الأوسمة المدنية في الهند، لدورها في نشر ثقافة اليوغا في بلدها.

وهي أيضاً أول كويتية تحصل على شهادة مدرّبة يوغا معتمدة.

وتقول الصباح: “كنت أشعر أنني أُمارس شيئاً لا يُفهم جيداً. لم يكن هناك وعي بأن اليوغا يمكن أن تكون تمريناً للجسد والعقل، لا ممارسة دينية”.

لكنّ الوضع الآن تغير كثيراً، بحسب الصباح، بعد الاعتراف الرسمي بدور اليوغا، وازدياد الوعي المجتمعي بها.

تروي لنا المنصوري، تجربة مشابهة. إذ قالت: “في البداية، كان هناك التباس كبير لدى الناس حول ما تعنيه اليوغا. البعض ربطها بالبوذية أو الهندوسية، لكن مع الوقت، بدأت تتضح الصورة، خصوصاً مع ازدياد عدد المدربين المعتمدين”.

من جهتها، تقول المروعي: “واجهت في البداية نظرات ريبة، وكانت الصورة النمطية تربط اليوغا بمعتقدات معينة. لكني كرّست جهدي في التوعية، وفي تدريب آلاف المدربات”.

 

المصدر: BBC