بالصور.. موائد رمضان الجماعية تعود للخرطوم بعد 3 سنوات من الحرب

افترش سكان حي الحتانة -في أم درمان على ضفة النيل المقابلة لمدينة الخرطوم– بساطا طويلا عند غروب الشمس ليتشاركوا أول إفطار جماعي في شهر رمضان المبارك، في مشهد يعكس عودة الحياة تدريجيا إلى العاصمة السودانية بعد مرور نحو 3 سنوات على اندلاع الحرب.

وعاد حسن بشير (53 عاما) إلى السودان -قبل بضعة أشهر- بعد أن نزح منها هربا من المعارك التي اندلعت في أبريل/نيسان 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. ويقول بشير “لم أكن هنا في رمضان الماضي، ولكنني كنت موجودا خلال رمضان الذي سبقه حين كانت الحرب مشتعلة”.

وأضاف بشير: “اليوم ذهبت إلى سوق أم درمان لشراء مستلزمات الإفطار. بعد ما شاهدته أثناء الحرب، لم أكن أتوقع أن تعود الأمور إلى طبيعتها بهذه الصورة”.

Sudanese people gather for to have their fast-breaking Iftar meal on the first day of Muslim holy fasting month of Ramadan, at a street in Al-Hattana neighbourhood in Omdurman, the twin city of Khartoum on February 18, 2026.
سودانيون يتجمعون لتناول وجبة الإفطار في أحد شوارع حي الحتانة في أم درمان بالخرطوم (الفرنسية)

تقاليد سودانية في رمضان

وفي أول أيام الصيام، جلس رجال من أكثر من 10 أسر وهم يرتدون الجلاليب السودانية التقليدية، وتوزعت بينهم أطباق الطعام وأباريق المشروبات الرمضانية، أبرزها “الحلو مرّ” المصنوع من دقيق الذرة، في تقليد سوداني راسخ يقوم على مشاركة الطعام في الشارع أمام المنازل.

ويُعد الإفطار الجماعي في الشوارع أمام المنازل تقليدا راسخا في مختلف مناطق السودان، حيث تخرج كل أسرة بما أعدّته من طعام، ويجلس الجيران على بساط واحد يتقاسمون اللقمة والشراب في مشهد يعكس قيم التكافل والتراحم.

وكانت الخرطوم -التي تضم أم درمان وبحري- مركزا للمعارك لمدة عامين، قبل أن يستعيد الجيش السيطرة عليها في مارس/آذار الماضي، مما أتاح عودة تدريجية للسكان رغم الدمار الواسع الذي طال الأحياء والأسواق والبنية التحتية.

Sudanese people gather for to have their fast-breaking Iftar meal on the first day of Muslim holy fasting month of Ramadan, at a street in Al-Hattana neighbourhood in Omdurman, the twin city of Khartoum on February 18, 2026.
سودانيون يرتدون الجلاليب التقليدية ويتجمعون لتناول وجبة الإفطار الجماعي مع غروب الشمس (الفرنسية)

اقتصاد مثقل وأعباء معيشية

ورغم عودة الأجواء الرمضانية إلى العاصمة السودانية، فإن ذلك لا يعني انقضاء الأزمة الاقتصادية التي تثقل كاهل السكان. فقد عمّقت الحرب أزمة كانت قائمة بالفعل، إذ تجاوزت معدلات التضخم حاجز 100%، بالتوازي مع انهيار حاد في قيمة العملة المحلية، التي تراجعت من نحو 570 جنيها سودانيا مقابل الدولار قبل اندلاع الحرب إلى ما يقارب 3500 جنيه في السوق الموازية عام 2026، الأمر الذي ضاعف الأعباء المعيشية على الأسر العائدة إلى منازلها.

إعلان

وفي السوق المركزي بالخرطوم، يلاحَظ أن الخضروات والفواكه تُباع في أكياس صغيرة تناسب القدرة الشرائية المحدودة للأسر. ونقلت الصحافة الفرنسية عن أحد الباعة قوله إن “الناس تشتكي من الغلاء. يمكنك أن تجد كل شيء، لكن التكاليف في ارتفاع مستمر، سواء المؤن أو العمالة أو النقل”.

ورغم ذلك، أشار بشير إلى أن روح التكافل لا تزال حاضرة، موضحا أن “السودانيين يساعدون بعضهم بعضا عبر التكايا (المطابخ العامة المجانية) وغيرها”.

Sudanese people gather for to have their fast-breaking Iftar meal on the first day of Muslim holy fasting month of Ramadan, at a street in Al-Hattana neighbourhood in Omdurman, the twin city of Khartoum on February 18, 2026.
الإفطار الجماعي في الشوارع أمام المنازل خلال شهر رمضان يعد تقليدا راسخا في مختلف مناطق السودان (الفرنسية)

هدوء العاصمة واستمرار القتال بالأقاليم

بدوره، قال الصحفي عثمان الجندي -الذي بقي في أم درمان طوال فترة الحرب- لوكالة الأنباء الفرنسية إن الفارق بين رمضان هذا العام ورمضان الماضي “شاسع”، مضيفا: “كان في شارعنا أسرتان فقط، أما الآن فهناك 16 عائلة”.

لكن المشهد يختلف خارج العاصمة؛ ففي مدينة الأبيِّض -عاصمة ولاية شمال كردفان- لا تزال المعارك بين الجيش وقوات الدعم السريع دائرة، مع تصاعد هجمات الطائرات المسيّرة.

وتشهد مناطق من ولايتي شمال وجنوب كردفان معارك ضارية للسيطرة على طرق إمداد إستراتيجية، فيما أعلن “التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي” وجود المجاعة في كادوقلي بولاية جنوب كردفان، مع تحذيرات من أوضاع مماثلة في مدن أخرى.

وبحسب الأمم المتحدة، يواجه أكثر من 21 مليون سوداني -أي نحو نصف السكان- مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد.

وعلى الرغم من استمرار النزاع في مناطق عدة من البلاد، يحرص السودانيون -في الأحياء التي استعادت قدرا من الاستقرار- على إحياء تقاليدهم الرمضانية، وكأنهم يؤكدون أن مظاهر الحياة مهما تراجعت تحت وطأة الحرب تظل قادرة على النهوض من جديد.

 

المصدر: الجزيرة