بدأ سرا في غرفة دوقة.. كيف أصبح شاي بعد الظهيرة تقليدا بريطانيا؟

في منتصف القرن التاسع عشر، اعتادت الطبقة الأرستقراطية في بريطانيا تناول وجبتين رئيسيتين فقط: فطور في الصباح الباكر، وعشاء فاخر يُقدَّم في وقت متأخر، عند الثامنة مساء. لكنّ الساعات الطويلة الممتدة ما بين الوجبتين دفعت واحدة من النساء النبيلات إلى ابتكار طقس أصبح فيما بعد واحدا من أشهر التقاليد الاجتماعية في بريطانيا.

نتحدث هنا عن “شاي بعد الظهيرة” (Afternoon Tea)، الذي تحول إلى تقليد ارتبط بقصور النبلاء، قبل أن ينتشر تدريجيا خارج الأوساط الأرستقراطية ويصبح جزءا من الثقافة البريطانية.

“سر جوع الساعة الرابعة”.. كيف بدأت الحكاية؟

تعود جذور القصة إلى عام 1840، وتحديدا إلى قصر بيلفوار في مقاطعة ليسترشاير، حيث كانت “أنا ماريا راسل”، دوقة بيدفورد السابعة والصديقة المقربة للملكة فيكتوريا، تشعر بالتعب والجوع في فترة ما بعد الظهيرة نتيجة طول الفاصل بين وجبتي الفطور والعشاء.

وفقا لتأريخ الممارسات الثقافية في موقع “هيستوريك يوكيه” (Historic UK)، ابتكرت الدوقة حيلة ذكية للتغلب على هذا الإرهاق، إذ طلبت من خادمتها سرا أن تحضر إلى غرفتها صينية تحتوي على إبريق شاي أسود، مع القليل من الحليب، وشرائح خبز مدهونة بالزبادي، وقطع كعك صغيرة.

ولم يمض وقت طويل حتى بدأت بدعوة صديقاتها الأرستقراطيات لمشاركتها هذا الطقس في غرفتها الخاصة. وعندما انتقلت الدوقة إلى لندن، نقلت معها هذا الطقس إلى الصالونات المفتوحة، ليتسرب الشغف به إلى الملكة فيكتوريا نفسها، ومنها إلى الطبقة العليا بأكملها، حيث تحول إلى عادة اجتماعية ملكية تُمارس يوميا في تمام الساعة الرابعة.

HARROGATE, ENGLAND - FEBRUARY 12: Afternoon tea for two at Bettys Tea Room, Harlow Carr on February 12, 2009 in Harrogate, England. The family owned company Taylors of Harrogate have been producing it's blends of teas and coffee since 1886 and serving it's products at the famous and traditional Bettys Tea Shops. Despite recent increases in the price of tea and the surge of coffee shops, the 'cuppa' is proving to be as popular as ever with bookings in Britain's discerning tea rooms being made weeks in advance. Consumption also increases during a recession as tea lovers take solace drinking tea. (Photo by Christopher Furlong/Getty Images)
إلى جانب الشاي تُقدم الحلويات في صينية من 3 طبقات (غيتي)

عندما غيّر الشاي “دولاب الملابس” وإتيكيت المجتمع

تشير أبحاث نشرها المتحف البريطاني حول تاريخ الشاي في العصر الفيكتوري إلى أن هذه العادة وفرت للنساء مساحة اجتماعية جديدة؛ ففي الوقت الذي كانت فيه الصالونات مخصصة للرجال والنقاشات السياسية، أصبحت جلسات الشاي مجالا تقوده النساء وتدور فيه اللقاءات والأحاديث الاجتماعية.

إعلان

وامتد هذا التأثير ليُحدث ثورة في عالم الموضة، إذ فرضت القواعد الاجتماعية الصارمة على النساء ارتداء “فساتين الشاي”.

كانت هذه الفساتين تمتاز بكونها خفيفة، وأنيقة، ومصنوعة من أقمشة الحرير والدانتيل المنساب، والأهم من ذلك أنها سمحت للمرأة بالتخلي لأول مرة عن المشدات الضيقة “كورست” المؤلمة أثناء الجلوس في المنزل مع صديقاتها.

مع مرور الوقت، وضعت مؤسسات الإتيكيت البريطانية، وعلى رأسها مؤسسة “ديبريتس”، قواعد للتعامل مع صينية الطبقات الثلاث التي تُقدم مع شاي بعد الظهيرة:

في الطبقة السفلى: تُقدم شطائر صغيرة بدون حواف (مع حشوات كلاسيكية مثل الخيار مع اللبن أو الدجاج). وفي الطبقة الوسطى: كعك الـ”سكونز” الشهير الدافئ، الذي يُقدم مع القشطة والمربى. أما في الطبقة العليا: فيتناولون المعجنات والحلويات الفاخرة مع الشاي.

كما ضبط الإتيكيت طريقة تحريك الملعقة داخل الفنجان من دون إحداث صوت، وطريقة إمساك الفنجان بالسبابة والإبهام، دون إبراز الخنصر.

من لندن إلى العالم.. الشاي بلغات ونكهات متعددة

رغم بريطانية الطقس، فإن “الأفترنون تي” أثبت مرونة فائقة كشفت عن قدرته على عبور الحدود والثقافات. حيث وثقت تقارير “بي بي ترافيل” (BB Travel)، كيف تحولت هذه التجربة من تقليد بريطاني محافظ، إلى لغة عالمية للرفاهية والأناقة المبتكرة.

ففي وسط العاصمة البريطانية لندن، تتنافس الفنادق العريقة، مثل “ريتز” و”كلاريدجز”، على تقديم تجربة الشاي الإنجليزي التقليدية. ومع انتقال هذا الطقس إلى عواصم أخرى حول العالم، اكتسب في كل مدينة طابعا خاصا يتناسب مع ثقافتها:

  • دبي: امتزج التقليد برائحة الشرق، حيث تُقدم الفنادق الفاخرة شاي بعد الظهيرة مدعما بنكهات الزعفران والهيل، مع شطائر الشاورما المصغرة وكعك السكونز بنكهة التمر.
  • باريس: أعاد الطهاة الفرنسيون تشكيل الطبقة العليا من الصينية، ليستبدلوا الكعك التقليدي بقطع المكارون و”الميل فاي” الفاخر.
  • نيويورك: تحول الطقس إلى تجربة أزياء تشارك فيها دور أزياء شهيرة مثل “ديور”، لتقديم أطقم شاي مستوحاة من أحدث مجموعاتها.
من بريطانيا انتقل طقس شاي الظهيرة إلى كافة أنحاء العالم
من بريطانيا انتقل طقس شاي الظهيرة إلى كافة أنحاء العالم (أدوبي)

“العيش البطيء” والصحة النفسية

في عصر السرعة والإشعارات الرقمية المتواصلة، أصبح “شاي بعد الظهيرة” لدى كثيرين وسيلة للتوقف مؤقتا عن إيقاع الحياة اليومية، وتخصيص وقت للراحة والتواصل.

ويشير تقرير نشرته “بي بي سي” إلى أن تحضير الشاي وتناوله أصبح في بعض أنحاء العالم جزءا من مفهوم “العيش البطيء”، الذي يقوم على تخصيص وقت للأنشطة اليومية بعيدا عن الاستعجال والانشغال المستمر. فحجز طاولة لشاي بعد الظهيرة قد يعني تخصيص نحو ساعتين للجلوس بعيدا عن الهاتف، والاستماع إلى الموسيقى، وتناول الطعام والشراب بوتيرة هادئة.

ولدى بعض الشباب، تحولت هذه العادة أيضا إلى شكل من أشكال “مكافأة الذات” والعناية بالصحة النفسية، إذ توفر جلسات الشاي مساحة للاسترخاء وقضاء وقت مع الآخرين، بعيدا عن ضغوط وإيقاع الحياة اليومية.

 

المصدر: الجزيرة