بعد بدء تدريسها.. الجدل يتصاعد في مصر بشأن المناهج المطورة بالتعاون مع اليابان

تجلس لارا علي (7 أعوام)، التلميذة بالصف الثاني الابتدائي في إحدى المدارس الخاصة بالقاهرة الجديدة، أمام كتبها وواجباتها المدرسية في محاولة لملاحقة دروس الرياضيات التي تقول والدتها إنها تتوالى بوتيرة أسرع من قدرة ابنتها على الفهم والاستيعاب.

وبين شرح الدروس وأداء الواجبات والتقييمات المتكررة، تجد لارا نفسها أمام كم كبير من المحتوى الدراسي في وقت محدود، بينما تحاول أسرتها مساعدتها على تجاوز ما تصفه بأنه “منهج غير مفهوم “.

قصص مقترحة

list of 2 items

  • list 1 of 2كوابيس الآباء والمعلمين في إيران بعد فاجعة ميناب
  • list 2 of 2طالبان فقط.. هكذا تعكس مدرسة يونانية الأزمة السكانية في البلاد

end of list

وتقول والدتها رحاب السيد للجزيرة نت إن الأمر لا يتعلق بصعوبة درس واحد، وإنما بحجم المنهج وسرعة تقديمه، موضحة أن الوقت المتاح للشرح لا يكفي، خاصة مع كثرة التقييمات والواجبات.

حكاية لارا ليست الوحيدة، لكنها تأتي ضمن شكاوى متكررة هذا العام لأولياء أمور ومدرسين وتلاميذ بشأن المناهج الجديدة التي تم تطويرها بالتعاون مع اليابان وتطبقها وزارة التربية والتعليم في المدارس. إذ يرى بعضهم أن كثافة المحتوى وسرعة الانتقال بين الدروس، إلى جانب تعدد التقييمات والتكليفات، تضع التلميذ والمعلم والأسرة أمام ضغوط تتجاوز مجرد صعوبة مادة دراسية بعينها.

يقول أولياء أمور إن المناهج الجديدة تفوق قدرة الأطفال على الفهم والاستيعاب
يقول أولياء أمور إن المناهج الجديدة تفوق قدرة الأطفال على الفهم والاستيعاب (وزارة التربية والتعليم المصرية- فيسبوك)

وتتكرر الشكوى مع نانسي عادل، وهي ولية أمر لتلميذ بالصف الثالث الابتدائي، وقالت للجزيرة نت إن مدرس نجلها شرح جدول الضرب كاملا خلال أسبوع واحد، ثم خضع التلاميذ لاختبار فيه، من دون وقت كاف – من وجهة نظرها – للتأكد من أن التلاميذ حفظوا الجدول وفهموه، خاصة أن طبيعة الأسئلة الجديدة تتطلب إتقان الجدول كاملا.

وزارة التعليم المصرية أعلنت في سبتمبر/أيلول الماضي تطوير 160 منهجا دراسيا لعام 2026-2027، من بينها مناهج الرياضيات والعلوم لصفوف المرحلة الابتدائية بالتعاون مع الجانب الياباني. وذكرت الوزارة وقتها أن التطوير يستهدف الانتقال من الحفظ والتلقين إلى الفهم والتحليل وحل المشكلات، موضحة أن تطوير المناهج يشمل أيضا أساليب التدريس والتدرج في اكتساب المهارات.

تدرج مفقود

ولا تقتصر شكاوى أولياء الأمور على كثافة المحتوى أو سرعة شرح الدروس، بل تمتد إلى طبيعة الأسئلة نفسها، ومدى ملاءمتها لما يتلقاه التلاميذ داخل الفصول. وتؤكد داليا معروف، وهي ولية أمر لتوأم بالصف الثالث الابتدائي، أن ما تقوله الوزارة عن عدم ضرورة حفظ جدول الضرب للإجابة عن الأسئلة الجديدة لا يتفق مع ما يواجهه الأطفال في الاختبارات، بحسب رأيها، مشيرة إلى أن بعض الأسئلة تتطلب من التلميذ معرفة جدول الضرب بشكل مباشر.

إعلان

وترى داليا أن المشكلة لا تتوقف عند جدول الضرب، وإنما تشمل طريقة بناء الأسئلة، التي تصفها بأنها “مركبة ” بالنسبة إلى الأطفال، إذ تجمع أكثر من فكرة في الدرس الواحد، مما يزيد صعوبة التعامل معها، خاصة في المراحل الدراسية الأولى.

ومن زاوية أخرى، يربط علي حسن، وهو ولي أمر لتلميذين بالصفين الثالث والخامس الابتدائي، نجاح تطبيق المنهج الياباني بضرورة تطبيق المنظومة التعليمية المرتبطة به بصورة متكاملة، وليس الاكتفاء بتغيير المناهج فقط.

ويقول حسن إن ذلك يتطلب تجهيز المدارس وتدريب المعلمين بشكل جيد، حتى لا يتحول تطوير المناهج إلى “عبء وإرهاق ” على الطلاب والمعلمين وأولياء الأمور.

فيما تقول داليا معروف إن شكاوى صعوبة المناهج أصبحت تتكرر كل عام، لكن الجديد هذا العام أن الشكاوى لم تعد مقتصرة على أولياء الأمور والتلاميذ، وإنما امتدت إلى المدرسين أنفسهم، الذين يواجهون بدورهم صعوبة في شرح محتوى كثيف خلال الوقت المتاح.

الوزارة أكدت أنها تهدف إلى الانتقال من الحفظ إلى الفهم والتحليل
الوزارة أكدت أنها تهدف إلى الانتقال من الحفظ إلى الفهم والتحليل (وزارة التربية والتعليم المصرية- فيسبوك)

تباين بين المعلمين

ولا تقتصر الانتقادات على أولياء الأمور، إذ يرى  معلمون أن كثافة المناهج وتعدد التقييمات يستنزفان وقت المعلم على حساب الشرح والتدريب. وتقول شيماء محمد معلمة الرياضيات بالمرحلة الابتدائية بإحدى المدارس الحكومية للجزيرة نت إن حجم المحتوى يفوق قدرة التلميذ على الاستيعاب، حيث تعد المناهج من وجهة نظرها أكبر بكثير من العمر العقلي للتلاميذ، فيما تستهلك التقييمات والواجبات وقتا كبيرا من المعلم على حساب الوقت المخصص للشرح.

ويشير علي مسعود معلم الرياضيات بإحدى المدارس الحكومية بمحافظة الجيزة إلى أن طريقة ضرب الأعداد الموجودة في المنهج لا تفيد الطالب فيما بعد، معتبرا خلال حديث مع الجزيرة نت أن الطرق اليابانية التي تستخدم أكثر من إستراتيجية غير مطلوبة وغير مفيدة للطالب أيضا.

فيما ترى حورية محمد معلمة الرياضيات بإحدى المدارس الخاصة أن ترتيب المحتوى يمثل مشكلة، إذ يفترض منهج الصف الثالث الابتدائي أن التلميذ أتقن جدول الضرب في الصف الثاني، وهو ما لم يتحقق لدى كثير من التلاميذ.

وفي المقابل، يصف عبد العزيز علي، معلم الرياضيات، منهج الرياضيات الجديد في الصفين الثاني والثالث الابتدائي بأنه “رائع “، لكنه في الوقت ذاته يشير للجزيرة نت إلى أنه يتطلب العمل بنظام اليوم الكامل على أن يتم تخصيص فترة كافية لشرح الكتاب المدرسي وأخرى مخصصة لكتاب التقييمات، لأن المسائل عن نفس الدرس مكررة في الكتابين، معتبرا أن المشكلة الوحيدة غير متعلقة بطبيعة المناهج بقدر ما تتعلق بعدم وجود وقت كاف للشرح والحل.

أما المسؤول الأول بوزارة التعليم عن المناهج فيرى أن الصعوبة التي يواجهها التلاميذ حاليا ترتبط بالانتقال من أسلوب التعلم القائم على الحفظ إلى منهج يعتمد على الفهم والتفكير. ويقول الدكتور أكرم حسن مساعد وزير التعليم لشؤون المناهج للجزيرة نت إن “صعوبة المنهج ظاهرية “.

وأعرب حسن عن توقعه أن تتراجع الشكاوى مع مرور الوقت واعتياد الطلاب على طريقة التعلم الجديدة. ويوضح أن الهدف من درس جدول الضرب مثلا، بحسب مناهج الرياضيات الجديدة التي أُعدت بالتعاون مع الجانب الياباني، فهمه بصورة جيدة والوصول إلى الناتج من خلال العد المتكرر، وليس حفظ الأرقام أو جدول الضرب.

إعلان

وأكد أن الوزارة تستمع إلى شكاوى أولياء الأمور والمعلمين وآرائهم بشأن المناهج الجديدة، وتضعها في الاعتبار، مع العمل على إيجاد الحلول المناسبة إذا استدعى الأمر ذلك.

An Egyptian teacher instructs students on the first day of the academic year at Giza Preparatory School for Boys, in Giza, Egypt, September 21, 2025. REUTERS/Mohamed Abd El Ghany
تباينت مواقف المدرسين من المناهج الجديدة المطورة (رويترز)

مطالب سابقة لأوانها

وبينما ترى الوزارة أن صعوبة المناهج الجديدة ترتبط بالانتقال من أسلوب الحفظ إلى الفهم، يرى خبراء  أن هناك الكثير من الزوايا لفهم الشكاوى. ويقول الدكتور تامر شوقي أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس للجزيرة نت إن الإحساس بصعوبة الرياضيات يرتبط باختلاف طريقة تقديم المنهج وصعوبة بعض المفاهيم، وحداثة أسلوب التدريس على المعلمين وأولياء الأمور، إلى جانب ضيق وقت الشرح واستمرار التقييمات.

ويشير شوقي إلى أن الرياضيات تعتمد أساسا على الفهم وتطبيق المعرفة في مسائل جديدة، وأن استيعاب الدروس الجديدة يتوقف على إتقان المهارات السابقة. لذلك لا يعني أن يواجه الطفل صعوبة في مادة الرياضيات بالضرورة ضعفا في قدراته، بل قد ترتبط بطبيعة المادة وتراكم مهاراتها، إضافة إلى القلق والخوف من الخطأ.

وفيما يتعلق بمطالب تعديل المنهج، يرى شوقي أن الحكم على صعوبته بعد أسابيع قليلة من بدء تدريسه سابق لأوانه، وأن أي حذف أو تعديل ينبغي أن يستند إلى تقييمات واختبارات علمية بعد دراسة المنهج بصورة متكاملة، خشية التأثير في الأجزاء اللاحقة المرتبطة به.

منهج أجنبي بلا تمهيد

في المقابل، يذهب الدكتور عاصم حجازي أستاذ علم النفس التربوي بجامعة القاهرة إلى أن جانبا من المشكلة يعود إلى نقل مناهج صُممت لبيئات تعليمية مختلفة، دون إعداد التلميذ المصري مسبقا بالمهارات الذهنية اللازمة، مثل التفكير المنطقي والتحليلي وحل المشكلات.

كما يرى أن عدم كفاية تدريب المعلمين، إلى جانب الجمع بين أساليب يابانية في بعض المواد وطرق تقليدية في مواد أخرى، يخلق ازدواجية داخل البيئة المدرسية قد تقلل من فاعلية تطبيق المنهج.

 

المصدر: الجزيرة