في تحول لافت في العقيدة الأمنية الأمريكية، أقرّت وزارة الحرب الأمريكية سياسة جديدة تسمح للعسكريين بحمل أسلحتهم الشخصية داخل القواعد خارج أوقات الخدمة، في خطوة تعكس إعادة تقييم عميقة لطبيعة التهديدات التي تواجهها هذه المنشآت.
القرار، الذي أعلنه وزير الحرب بيت هيغسيث، يقوم على مبدأ “افتراض الموافقة” على طلبات حمل السلاح، بعدما كان ذلك خاضعا لقيود صارمة جعلت الموافقات نادرة.
اقرأ أيضا
list of 2 items
end of list
وأوضح هيغسيث في رسالته أن “بعض التهديدات أقرب مما نود”، مؤكدا أن العسكريين يجب أن يكونوا قادرين على حماية أنفسهم في اللحظات الحرجة.
قلق متصاعد من الذئب المنفرد إلى الذئب الموجه
لا يمكن فصل القرار عن سياق أمني أوسع، تتعامل فيه واشنطن مع تصاعد نمط “المهاجم المنفرد”، أي فرد ينفذ هجوما سريعا ومفاجئا يصعب التنبؤ به أو منعه مسبقا.
لكن القلق لا يتوقف عند هذا الحد، فمع تصاعد التوتر مع إيران منذ عام 2020، برزت مخاوف أمنية من سيناريو أكثر تعقيدا؛ أفراد يتحركون بشكل منفرد ظاهريا، لكن بدوافع أو توجيه غير مباشر من جهات خارجية.
هذا النمط – الذي يمكن وصفه بـ”الذئب الموجه”- يجمع بين صعوبة الاكتشاف التي يتمتع بها المهاجم الفردي، وخطورة الدوافع المرتبطة بصراعات دولية.
وفي هذا السياق، تصبح القواعد العسكرية أهدافا محتملة لهجمات منخفضة الكلفة وعالية التأثير.
التحول في السياسة لم يأت من فراغ، بل استند إلى سلسلة حوادث داخل قواعد عسكرية أمريكية أعادت طرح سؤال الأمن من الداخل.
حوادث الداخل.. حين يأتي الخطر من القاعدة نفسها
في أغسطس/آب 2025، شهدت قاعدة “فورت ستيوارت” في جورجيا حادث إطلاق نار نفذه جندي ضد زملائه داخل مبنى إداري، ما أسفر عن إصابة خمسة عسكريين، بينما حاول من كانوا في الموقع السيطرة عليه دون أسلحة في انتظار تدخل الأمن.
وفي مارس / آذار 2026، تكرر المشهد في قاعدة “هولومان” الجوية في نيو مكسيكو، حيث أدى إطلاق نار إلى مقتل شخص وإصابة آخر، مع إغلاق القاعدة لساعات.
أما حادثة “بينساكولا” البحرية عام 2019، فبقيت حاضرة في الذاكرة الأمنية الأمريكية، بعد أن نفذها متدرب داخل القاعدة، موقعا قتلى وجرحى، في واحدة من أبرز الهجمات التي استهدفت منشأة عسكرية من الداخل.
تجمع هذه الحوادث بين قاسم مشترك؛ أنها لم تكن هجمات تقليدية من الخارج، بل وقائع عنف مفاجئة، نفذها أفراد داخل بيئات يفترض أنها محصنة.
تحول في العقيدة.. من الحماية إلى الاستجابة الذاتية
يعكس القرار اقتناعا متزايدا داخل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ووزير دفاعه هيغسيث بأن القواعد العسكرية لم تعد مهددة فقط من الخارج، بل من تهديدات داخلية مفاجئة، قد ينفذها فرد واحد خلال دقائق.

في ظل هذا التصور، لم يعد الاعتماد على الأمن المركزي كافيا، بل باتت الأولوية لتقليص زمن الاستجابة. ومن هنا، يتحول الجندي من عنصر داخل منظومة الحماية إلى جزء من آلية الرد نفسها.
وبينما كانت السياسات السابقة تقوم على تقييد السلاح داخل القواعد، يقوم التوجه الجديد على تمكين الأفراد من استخدامه للدفاع عن أنفسهم، انطلاقا من فرضية أن الخطر قد يكون حاضرا في أي لحظة.
بين الردع والمخاطر
غير أن هذا التحول يفتح بابا لنقاش أوسع، ففي الوقت الذي قد يسهم فيه تسليح الجنود في تعزيز القدرة على الرد السريع أمام تهديدات مفاجئة، فإنه قد يزيد أيضا من احتمالات الحوادث العرضية أو تصاعد النزاعات داخل بيئة مغلقة.
والمفارقة أن بعض الحوادث التي استُخدمت لتبرير القرار جاءت من داخل القاعدة نفسها، لا من هجمات خارجية، ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كان الحل يعالج المشكلة أم يعيد توزيعها.
المصدر: الجزيرة