بعد صدمة سبتة.. هل تسير أوروبا نحو عسكرة الحدود؟

في الوقت الذي هيأت فيه السلطات المحلية في مدينة سبتة الخاضعة للحكم الإسباني مشرحة لاستقبال 200 جثة لضحايا العبور الكبير، يستعد وزراء داخلية الاتحاد الأوروبي لاجتماع طارئ يوم الثلاثاء لمناقشة ما حدث في المدينة وسط دعوات لمنح صلاحيات أكبر للوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل (فرونتكس)، من أجل إدارة الحدود تحسبا لتدفقات مماثلة للمهاجرين غير النظاميين.

فما الذي يعنيه مثل هذا القرار المحتمل؟ وهل يمكن أن يفضي إلى عسكرة الحدود بعد ترسانة القوانين والقيود ضد تدفقات المهاجرين غير النظاميين وطلبات اللجوء؟

رسالة أوروبية مشتركة

أعلنت أيرلندا، التي تتولى الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي، أنها دعت إلى اجتماع طارئ عبر الفيديو لوزراء داخلية دول الاتحاد لمناقشة الأزمة يوم الثلاثاء المقبل.

وجاءت الدعوة للاجتماع بعد أن أصدرت 22 دولة من أصل 27 دولة عضوة في الاتحاد الأوروبي رسالة مشتركة تدعو إلى “تنسيق الجهود وتعزيز الحدود الخارجية”.

FILE - European Union flags flap in the wind as pedestrians walk by EU headquarters in Brussels, Wednesday, Sept. 20, 2023. (AP Photo/Virginia Mayo, File)
اجتماع طارئ لوزراء داخلية الاتحاد الأوروبي لمناقشة أزمة جيب سبتة الإسباني (أسوشيتد برس)

وضمن ما جاء في الرسالة المشتركة للدول الأعضاء “لا يمكننا السماح بعمليات عبور جماعية غير منضبطة، أو استغلال الهجرة، أو غيرها من التهديدات المختلطة لخلق انطباع بإمكانية الدخول غير القانوني إلى الاتحاد الأوروبي، أو تحويل دخول المهاجرين غير النظامي إلى إقامة قانونية”.

وتباينت حتى الآن ردود الفعل والإجراءات المعلنة لكنها أطلقت بشكل واضح ألسن اليمين المتطرف من عقالها، حيث انتقد وزير الخارجية في الحكومة اليمينية في إيطاليا أنطونيو تاجاني، سياسة مدريد في استقطاب المهاجرين مما شجع، في تقديره، المغاربة على اختراق سياج سبتة، بينما طالبت أليس فايدل، زعيمة حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف حكومة بلادها، بفرض رقابة صارمة على الحدود وفرض الإعادة القسرية الفورية، تحسبا لوصول مهاجرين من شمال أفريقيا.

إعلان

لكن فضلا عن الانتقادات اليمينية فإن الرسالة المشتركة حفلت بتلميحات إلى ضوابط أكثر صرامة على الحدود، حيث لفتت إلى إمكانية النظر في “تدابير ضرورية” لمعالجة هذه المخاطر، من ضمنها “تعزيز أو إعادة فرض ضوابط مؤقتة على الحدود الداخلية”.

صلاحيات جديدة لفرونتكس؟

وقد دعا وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول المفوضية الأوروبية إلى جعل حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي “أولوية مطلقة”، بينما طالب مانفريد ويبر، زعيم “حزب الشعب الأوروبي” اليميني، بشكل أوضح بمنح “فرونتكس” “صلاحيات إنفاذ حقيقية” على الحدود الأوروبية الخارجية.

A Frontex vessel transfers rescued migrants to a smaller boat off the southern coast of Crete, near Kaloi Limenes, Greece, February 21, 2026. REUTERS/Stefanos Rapanis
سفينة تابعة لوكالة فرونتكس تنقل مهاجرين تم إنقاذهم إلى قارب أصغر قبالة جزيرة كريت (رويترز)

وقال ويبر، في تصريحاته، “إذا لم تكن الحكومة اليسارية في إسبانيا مستعدة لتأمين الحدود الخارجية، فيجب منح فرونتكس سلطة القيادة أيضا، عندها يجب على أوروبا أيضا أن تتدخل على هذه الحدود وتعيد النظام”.

وتدعم فرونتكس الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والدول المرتبطة بمنطقة شنغن في إدارة الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي. وجاء تأسيسها بناء على مشروع لوزارة الداخلية الألمانية استهدف التنسيق بين إدارات حرس الحدود وخفر السواحل والجمارك بكل دول الاتحاد، وتسريع تبادل المعلومات فيما بينها لتفعيل مكافحة الهجرة غير النظامية والجريمة العابرة للحدود.

وعند إنشاء الفيلق الدائم في 2004، الذي يُعد أول جهاز إنفاذ قانون نظامي في الاتحاد، تحولت فرونتكس إلى جناح عملياتي للاتحاد الأوروبي.

ووفق مديري الوكالة، يشارك أكثر من 3600 ضابط في عمليات على طول الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي وخارجها، وتركز أعمالهم بشكل خاص على المهام التالية:

  • مراقبة الحدود، ومكافحة الجريمة العابرة للحدود.
  • المساعدة في عمليات الإعادة للمهاجرين غير النظاميين.
  • مساعدة السلطات الوطنية في حماية منطقة شنغن وإصدار تحليلات حول تقديرات المخاطر بمناطق حدود أوروبا الخارجية.

وتشير آخر البيانات لفرونتكس إلى تراجع عمليات العبور غير النظامية لحدود الاتحاد الأوروبي بنسبة 37% في النصف الأول من العام الجاري مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، بينما تجاوز عدد الضحايا الذين قضوا في عرض البحر 1400 شخص.

ومع أن الوكالة أسهمت بشكل مباشر في تحقيق ذلك التراجع، فإنها تشير أيضا إلى تعاون وثيق مع دول المغادرة في كبح تدفق المهاجرين والحد منه خلال عام 2025، وهو أمر لا ينسحب على الأحداث المفاجئة والسريعة التي وقعت في سبتة، لأسباب لا تزال غير معروفة حتى الآن.

وبناء على ما سبق ليس واضحا ما إذا كانت “فرونتكس” قادرة على توسيع صلاحياتها ومهامها على الحدود الأوروبية، في ظل العدد المحدود من الضباط الذين يعملون تحت أوامرها المباشرة. كما لم يشر القادة الأوروبيون إلى مقترحات لدعم الجهاز الأوروبي قبل الاجتماع الطارئ المرتقب يوم الثلاثاء المقبل، رغم أنها تحظى بدعم كامل من وزراء الداخلية الأوروبيين وأغلبية أعضاء البرلمان الأوروبي.

Frontex officers from the Italian Guardia Di Finanza OPV Osum prepare to go on patrol in Heraklion, at the port on Crete Island, Greece, Monday, Feb. 16, 2026. (AP Photo/Lefteris Pitarakis)
ضباط من وكالة فرونتكس في جزيرة كريت اليونانية (أسوشيتد برس)

وفي أحداث مشابهة عام 2011 عرفت صلاحيات فرونتكس توسعا بدعم مباشر من رئيس المفوضية الأوروبية، بعد أن شهد العام نفسه تصاعدا قياسيا في أعداد اللاجئين الذين وصلوا جزيرة لامبيدوزا الإيطالية من شمال أفريقيا بعد ثورات الربيع العربي.

إعلان

ولم تكتفِ فرونتكس آنذاك بإعاقة قوارب اللاجئين لمنعها من الوصول إلى أوروبا، بل أعلنت عن إرسال خبرائها الأمنيين وموظفيها لمصر وليبيا وتونس والمغرب ومالي لتدريب الشرطة بهذه الدول “على منع الهجرة غير النظامية” من الوصول إلى حدود أوروبا.

ماذا تخفي أحداث سبتة؟

بغض النظر عن التدابير التي يحتمل إعلانها من قبل المسؤولين الأوروبيين، يتجه الاجتماع الطارئ إلى مناقشة ملابسات ما حدث في الجيب الإسباني تحديدا، لا سيما وأن التدفقات المفاجئة التي شملت نحو 60 ألف شخص تعد أكبر مما حصل في مايو/أيار عام 2021 حينما عبر آنذاك قرابة 12 ألف شخص من الأراضي المغربية الى سبتة خلال يومين.

ومن المعلوم أن المنطقة المعزولة التي هي نقطة دخول رئيسية إلى إسبانيا والاتحاد الأوروبي لطالبي اللجوء والمهاجرين، تحيط بها أسوار حدودية عالية وأنظمة مراقبة وانتشار دائم للحرس المدني والشرطة الوطنية الإسبانية، ورغم ذلك تمكن عشرات الآلاف من العبور نحو سبتة خلال ساعات، وهو ما يسعى الأوروبيون إلى فهم ملابساته.

A migrant who crossed into Spain from Morocco drinks water distributed by Spanish soldiers in the Spanish enclave of Ceuta, Sunday, Aug. 2, 2026. (AP Photo/Antonio Sempere)
مهاجر مغربي عبر إلى جيب سبتة الإسباني يشرب من مياه وزعها الجنود الإسبان على العابرين (أسوشيتد برس)

ومن بين الروايات والتفسيرات المقدمة للأسباب التي مكّنت تلك الجموع من اجتياح الحدود حتى الآن:

  • صدور قرار من المحكمة العليا الإسبانية في 8 يوليو/تموز، ينص على عدم جواز إعادة المهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر (وليس برا) دون وجه حق. لكن خبراء شككوا في هذه الفرضية، قائلين إن قلة من المهاجرين كانوا على دراية بقرار المحكمة.
  • يرى بعض المراقبين أن المغرب ربما يكون قد دبّر هذا الحادث بتحريض من الولايات المتحدة وإسرائيل، ردا على مواقف إسبانيا الأخيرة وتصريحات حكوماتها فيما يتعلق بفلسطين والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. لكن لا توجد أدلة تثبت هذه المزاعم.
  • يعتقد البعض أيضا أن المغرب ربما يكون قد ساهم في تفاقم أزمة الهجرة كوسيلة للضغط الدبلوماسي، مع انتشار منشورات بوسائل التواصل الاجتماعي تشجع على محاولة دخول سبتة وتساهل قوات الأمن في منع الحشود من العبور نحو سبتة.

ومنذ استقلاله عام 1956، يطالب المغرب بسيادته على مدينتي سبتة ومليلية. وقد رفضت إسبانيا رفضا قاطعا أي مفاوضات من شأنها تغيير الوضع الراهن للمدينتين.

ومن المرجح أن يضع الاجتماع الطارئ للاتحاد الأوروبي السياسة الإسبانية في إدارة الهجرة موضع نقاش من جديد، إذ إن التحفظات الأوروبية ليست جديدة تجاه هذه المسألة، حيث انتقدت حكومات دول الشمال والمؤسسات في بروكسل مرسوما إسبانيًّا سابقا يسمح بتسوية أوضاع نصف مليون مهاجر غير نظامي، وهو إجراء أثار مخاوف من تدفق محتمل نحو الشمال بمجرد حصول هؤلاء على إقامات دائمة أو الجنسية الإسبانية.

مهاجرون من جنوب الصحراء يصلون إلى جزر الكناري الإسبانية
مهاجرون من جنوب الصحراء يصلون إلى جزر الكناري الإسبانية (الأوروبية)

وتقف السياسة الإسبانية، بصفة عامة، على طرفي نقيض من التحديثات الأخيرة لقانون اللجوء والهجرة على المستوى الأوروبي والذي يفرض إجراءات أكثر تشددا في فحص طلبات اللجوء على الحدود مع إمكانية الترحيل الفوري إلى دول ثالثة أو دول العبور.

وقال كاريل لانو، الرئيس التنفيذي لمركز الدراسات السياسية الأوروبية، لقناة الجزيرة: “هناك تحرك منسق من قِبل دول تعتبر في الأساس أعداء لأوروبا، في محاولة لتقويض الوحدة الأوروبية في أحد أضعف مجالاتها، ألا وهو الهجرة، حيث يسهل استغلال الانقسام الأوروبي”.

وأضاف الخبير في تحليله “نريد إعادة بناء الصناعة، ونريد تعزيز قدراتنا في قطاع التصنيع، لكننا في الوقت نفسه لا نعرف كيف نستقطب العمالة. عموما، تحتاج أوروبا إلى المزيد من المهاجرين، وللعمالة الماهرة. وتكمن المشكلة في أن العديد من الدول الأوروبية تفرض ضوابط صارمة للغاية على الهجرة”.

إعلان

 

المصدر: الجزيرة