بين إسقاط النظام وفتح هرمز.. كيف انحسرت أهداف ترمب في إيران؟

كشفت بنود الاتفاق بين طهران وواشنطن -الذي تشير تقارير إخبارية إلى أن توقيعه أصبح وشيكا- عن فجوة واسعة بين سقف الأهداف العالي الذي أعلنته أمريكا وإسرائيل في بداية حربهما على إيران، وبين الواقع الذي أفرزته الحرب.

فقد نقل موقع أكسيوس -اليوم الأحد- عن مسؤول أمريكي قوله إن الولايات المتحدة وإيران أصبحتا على وشك توقيع تفاهم مؤقت لتمديد وقف إطلاق النار مدة 60 يوما، يتضمن إعادة فتح مضيق هرمز والسماح لطهران بتصدير النفط، بالتوازي مع إطلاق مسار تفاوضي حول برنامجها النووي.

ووفق المسؤول الأمريكي، فإن معظم بنود المسودة تم التحقق منها عبر مصادر مطلعة، ولم تؤكد طهران التفاصيل رسميا لكنها أشارت إلى اقتراب الحسم.

وقد توالت التصريحات خلال الساعات الماضية، مؤكدة إحراز تقدم ملموس في المفاوضات بين الطرفين بوساطة باكستانية، وسط حفاوة أمريكية بما تم التوصل إليه عبر المباحثات الشاقة وغير المباشرة، التي مرت بمراحل تعثر، وكادت تنهار بسبب تمنّع طهران، ورفضها استئناف مفاوضات إسلام آباد التي جرت في أبريل/نيسان الماضي.

ولعل آخر التصريحات الأمريكية المحتفية بالاتفاق، ما صرح به وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، اليوم الأحد من نيودلهي، إذ قال إن ثمة “احتمالا بأن يسمع العالم أخبارا جيدة خلال الساعات المقبلة خاصة بشأن مضيق هرمز”.

فما تفاصيل الاتفاق الجديد؟ وإلى أي حد يحقق أهداف واشنطن وتل أبيب من الحرب التي اندلعت في 28 فبراير/شباط، وأثرت تداعياتها في العالم بأسره؟

ما بنود الاتفاق المرتقب الإعلان عنه؟

يقضي الاتفاق بتوقيع مذكرة تفاهم مؤقتة تسري مدة 60 يوما قابلة للتمديد، وتشمل ما يلي:

• مضيق هرمز: تتضمن بنود الاتفاق إبقاء مضيق هرمز مفتوحا دون رسوم، مع التزام إيران بإزالة الألغام لضمان حرية الملاحة أثناء فترة تمديد وقف إطلاق النار.

• الموانئ والنفط الإيراني: في المقابل، تعتزم واشنطن تخفيف القيود المفروضة على الموانئ الإيرانية ومنح إعفاءات تسمح بتصدير النفط، في خطوة يُتوقع أن تنعش الاقتصاد الإيراني وتوفر استقرارا لسوق الطاقة العالمية.

إعلان

• رفع القيود مرتبط بالإجراءات الميدانية: يقوم الاتفاق على مبدأ تخفيف العقوبات مقابل التنفيذ، حيث يرتبط رفع القيود تدريجيا بوتيرة التزام إيران بإجراءات ميدانية، لا سيما إعادة تأمين الملاحة.

وبينما تطالب طهران بإلغاء فوري للعقوبات والإفراج عن أصولها المجمدة، تتمسك واشنطن بضرورة تقديم تنازلات ملموسة قبل أي رفع دائم للعقوبات.

• الملف النووي: في الملف النووي، تنص المسودة على التزام إيراني بعدم تطوير أسلحة نووية، والانخراط في مفاوضات لتعليق تخصيب اليورانيوم والتخلص من المخزون العالي التخصيب.

وأفادت مصادر بأن طهران قدمت تعهدات شفهية عبر وسطاء بشأن استعدادها لخطوات مرنة، مقابل تفاوض أمريكي على رفع العقوبات والإفراج عن الأموال المجمدة ضمن اتفاق نهائي قابل للتحقق.

• الوجود الأمريكي في المنطقة: وفي موازاة ذلك، ستُبقي الولايات المتحدة قواتها التي عززت وجودها في المنطقة خلال الفترة المؤقتة، على أن يُنظر في سحبها لاحقا ضمن تسوية شاملة.

• الجبهة اللبنانية: على صعيد التفاعلات الإقليمية، تكشف كواليس الاتفاق تضمينه بندا لإنهاء المواجهات بين إسرائيل وحزب الله في لبنان، مما أثار تحفظات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال اتصال مع الرئيس دونالد ترمب.

وبحسب مسؤول أمريكي، شدد نتنياهو على مخاوفه، لكن واشنطن أكدت أن أي خرق من حزب الله سيُواجه بحق إسرائيل في الرد، وفق معادلة الهدوء مقابل الهدوء.

إلى أي حد تراجع سقف الأهداف؟

تعكس بنود الاتفاق السالفة الذكر تغيرا كبيرا في الأهداف الأمريكية؛ فبعد 86 يوما من الحرب التي بدأت بأهداف كبرى تشمل إسقاط النظام الإيراني والقضاء على برنامج طهران النووي، تراجعت تلك الأهداف لتنحسر في إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل الحرب.

فالبند المتعلق بفتح مضيق هرمز يعكس حجم الضغط الذي تكبده اقتصاد العالم جراء إغلاق المضيق، حتى أصبحت عودة “حرية الملاحة” وإزالة الألغام همّا أساسيا تفاوض واشنطن لتحقيقه، الأمر الذي يثير أسئلة عن حسابات الهزيمة والنصر بين واشنطن وطهران خلال الحرب التي لا تخفي تصريحات ترمب ومسؤولين بإدارته حفاوتهم بقرب إنهاء هذا الفصل منها.

ومن نافلة القول الإشارة إلى أن الهدف الأول من الحرب، كما أعلنته واشنطن وتل أبيب، لم يتحقق؛ فالاتفاق الوشيك يمثل تفاهما مؤقتا أبرم مع النظام الإيراني الذي سعى الطرفان لإسقاطه.

ووفق الاتفاق الجديد، تعتزم واشنطن تخفيف القيود على الموانئ ومنح إعفاءات نفطية، ومن شأن هذا البند تعزيز موقف النظام الإيراني الحاكم لا إضعافه، وفق مراقبين.

وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو
روبيو قال إن ثمة “احتمالا بأن يسمع العالم أخبارا جيدة خلال الساعات المقبلة خاصة بشأن مضيق هرمز” (غيتي إيميجز)

ماذا عن برنامج إيران النووي والصاروخي؟

من اللافت في الاتفاق الجديد تأجيله لحسم الملف النووي الإيراني، إذ تنص المسودة على التزام طهران بعدم تطوير أسلحة نووية، والانخراط في مفاوضات لتعليق تخصيب اليورانيوم والتخلص من المخزون العالي التخصيب.

وفي هذا الصدد، يرى خبير الأمن والإستراتيجية العسكرية في مؤسسة “ويكي ستراد”، الدكتور ريتشارد وايتز، أن الشروط الكبرى والعناوين العريضة في مسودة الاتفاق الحالية مشابهة لخطة العمل المشتركة الموقعة عام 2015، التي ترمي إلى الإفراج عن الأصول ورفع بعض العقوبات مقابل تجميد النشاطات النووية.

إعلان

واعتبر وايتز في تصريحات للجزيرة أن الاتفاق المتوقع توقيعه يبقى أفضل من اتفاق 2015، لأنه يتضمن الكثير من القضايا المجدولة زمنيا.

وفيما يتعلق بالبرنامج الصاروخي الإيراني، فإنه من الجدير بالذكر أن الحرب لم تقض على قدرات طهران الصاروخية؛ فقد أفادت صحيفة “وول ستريت جورنال” في وقت سابق بأن تقديرات استخبارية أمريكية تؤكد احتفاظ إيران بآلاف الصواريخ الباليستية، وقدرتها على إعادة تشغيل منصات الإطلاق.

كما تؤكد التصريحات الإيرانية عدم صحة ما ذهب إليه وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث الذي قال في وقت سابق إن البرنامج الصاروخي الإيراني “مدمَّر عمليا”، مؤكدا أن البنية التشغيلية لمنظومات الإطلاق تضررت بشكل كبير.

ووفق محللين، فإن هذا الاتفاق لا يمثل تحولا إستراتيجيا حقيقيا في مواقف الطرفين، بقدر ما يعكس اقتناعا مشتركا بالتكلفة العالية لاستمرار الحرب؛ لذلك قد تكتفي واشنطن بفتح مضيق هرمز والعودة إلى وضع ما قبل الحرب، والقبول بهذا الاتفاق المرحلي الذي يبقي الباب مواربا لاستئناف الصراع في وقت لاحق.

 

المصدر: الجزيرة