بين التعتيم والمصادر المفتوحة.. كيف يبني الصحفيون المشهد الميداني بالحروب

لم تعد الحروب الحديثة تُخاض فقط بالصواريخ والطائرات، بل باتت تدور أيضا في فضاء غير مرئي، حيث تتسابق الدول لفرض سيطرتها على تدفق المعلومات في مواجهة صحفيين ومحققين يسعون لكشف ما وراء الروايات الرسمية عبر المصادر المفتوحة.

في هذا السياق، يوضح تقرير محاكاة، قدمه محمود الكن على الجزيرة، كيف تحولت الصور المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي إلى أدوات تحليل متقدمة، تُمكِّن الصحفيين من إعادة بناء المشهد الميداني رغم القيود المتزايدة على الوصول إلى المعلومات.

تبدو الصور في ظاهرها لقطات عابرة من ساحة الحرب، لكن بالنسبة للعاملين في تحليل المصادر المفتوحة، فهي مدخل إلى شبكة معقدة من البيانات التي يمكن تفكيكها وربطها للوصول إلى نتائج دقيقة.

تحمل كل صورة بصمتها الرقمية الخاصة، من توقيت الالتقاط إلى الإحداثيات الجغرافية، مرورا بتفاصيل بصرية دقيقة مثل أنماط المباني أو طبيعة الأرض، مما يسمح بتحديد المواقع وتحليل الأحداث بدقة لافتة.

ومن خلال تجميع هذه المعطيات، يتمكن المحللون من بناء خرائط زمنية وجغرافية متكاملة، تكشف تحركات القوات ومسارات الضربات، وحتى طبيعة الأهداف العسكرية، في عملية أقرب إلى التحقيق الجنائي الرقمي.

صور الأقمار الصناعية

وتعزز صور الأقمار الصناعية التجارية هذا المسار، إذ تتيح تتبع التغيرات الميدانية قبل العمليات العسكرية وبعدها، كما حدث في منشأة فوردو الإيرانية، حيث كشفت صور سابقة تحركات لافتة سبقت الضربات.

هذا النمط من التحليل لم يعد هامشيا بل دخل في صلب العمليات العسكرية، حيث تعتمد أنظمة مثل “ميفن” على دمج البيانات المفتوحة مع تقنيات الذكاء الاصطناعي لاختيار الأهداف وتحليلها.

لكن هذا التقدم في قدرات التحليل قابله تصعيد موازٍ من الدول التي باتت تنظر إلى المصادر المفتوحة كتهديد مباشر، مما دفعها إلى تطوير سياسات تعتيم متعددة المستويات.

إعلان

في الحالة الإيرانية، تتجلى هذه السياسات بوضوح، حيث تتعامل السلطات مع الإنترنت باعتباره امتدادا لساحة المعركة وتفرض قيودا مشددة على تدفق المعلومات، خاصة في أوقات التصعيد العسكري.

ويعتمد هذا التقييد على بنية رقمية متعددة الطبقات، تشمل الإنترنت العالمي القابل للقطع، وشبكة محلية خاضعة للرقابة، إضافة إلى وصول انتقائي لفئات محددة، مما يحد من انتشار المعلومات خارج الإطار الرسمي.

ولا تقتصر هذه الإجراءات على الحجب التقني بل تمتد إلى ضبط المحتوى، حيث يتم منع تداول أي معلومات تتعلق بالعمليات العسكرية خارج الرواية الرسمية، في محاولة لاحتكار السردية.

وسائل الالتفاف

في المقابل، يلجأ المستخدمون إلى وسائل التفاف، مثل الشبكات الخاصة الافتراضية في سوق موازٍ نشط، مما يعكس صراعا مستمرا بين محاولات التقييد والرغبة في الوصول إلى المعلومات.

وتتجاوز أدوات التعتيم الحجب إلى استهداف مصادر البيانات نفسها، إذ تُفرض قيود على نشر صور الأقمار الصناعية، كما يُمنع تصوير المواقع العسكرية، مما يقلص المواد التي يعتمد عليها المحللون.

كما تشمل هذه الإستراتيجية تضييقا على نشر التحليلات، في محاولة لمنع تحويل البيانات المتاحة إلى استنتاجات قد تكشف تفاصيل حساسة حول سير العمليات.

ورغم ذلك تظهر مصادر بديلة غير تقليدية، مثل الكاميرات المدنية المتصلة بالإنترنت، والتي تحولت إلى هدف لمحاولات الاختراق، بهدف جمع بيانات ميدانية يصعب الوصول إليها بطرق أخرى.

وتشير تقارير إلى استخدام هذا الأسلوب في صراعات فعلية، حيث تم اختراق شبكات كاميرات وتحليل بياناتها لتحديد أهداف حساسة، مما يعكس تداخل الفضاءين المدني والعسكري في الحروب الحديثة.

 

المصدر: الجزيرة