بين الوعود والواقع الكئيب.. الغارديان تكشف كواليس تعثر الخطة الأمريكية بغزة

تعيش غزة حالة من “الغموض الكئيب” بعد أكثر من سبعة أشهر على اتفاق وقف إطلاق النار برعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في أكتوبر/تشرين الأول 2025.

ويكشف الواقع الميداني عن شلل تام في عمليات إعادة الإعمار، وتعثر تمويلي يضرب ما يعرف بمجلس السلام، فضلا عن تهميش التكنوقراط الفلسطينيين المكلفين بإدارة القطاع والمنتظِرين في مصر، جرّاء منع الاحتلال دخولهم إلى القطاع.

وبحسب تقرير لصحيفة الغارديان، تواجه الخطة الأمريكية مأزقا حقيقيا، إذ تتردد الدول المانحة في دفع تعهداتها إثر الجمود الدبلوماسي وغياب أي تقدم على الأرض.

تعهدات بمليارات الدولارات

ورغم تعهد 9 دول بتقديم 7 مليارات دولار لإغاثة غزة خلال الاجتماع الافتتاحي لـ”مجلس السلام” برئاسة ترمب، لم ترسل أي دولة أموالا سوى الإمارات والمغرب، وفقا لمصدر مطلع للصحيفة.

وعلى الأرض، تلقى المجلس 23 مليون دولار لعملياته، و100 مليون دولار لشرطة فلسطينية مستقبلية. وبلغة الأرقام، يعني هذا تحصيل 1.75 دولار فقط مقابل كل 100 دولار متعهَّد بها.

يتناقض هذا الشح بشدة مع التقديرات الأممية بتجاوز كلفة الإعمار 70 مليار دولار على مدار عقود.

وحتى التعهد المنفصل الذي أطلقه ترمب بـ10 مليارات دولار لم يصرف بعدُ، ولا يزال تحت سيطرة المسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية جيريمي ليوين، ولم يطلبه المجلس رسميا حتى الآن.

وأوضح دبلوماسي مطلع أن “الدول باتت مترددة في دفع حصصها”، بينما أشار مصدر آخر إلى أن الحرب مع إيران وفرت غطاء لتأخير المدفوعات، وأضاف مصدر ثالث أن ذلك منح أصحاب الثروات والموارد “عذرا لعدم الدفع”.

يقطن النازحون في خيام مؤقتة على مرمى حجر من الميناء الذي وعد ترمب بتحويله إلى بوابة تجارية (الفرنسية)

لجنة برواتب مرتفعة

وفي خضم هذا التعثر، تبرز أزمة “اللجنة الوطنية لإدارة غزة” المؤلفة من 12 فلسطينيا يقيمون في مصر.

إعلان

وتشير تقديرات الصحيفة إلى تقاضيهم رواتب بمتوسط 16 إلى 17 ألف دولار شهريا، في حين يقدر راتب الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف -الممثل الأعلى لغزة- بنحو 400 ألف دولار سنويا.

ورغم قول متحدث باسم المجلس إن الأرقام “غير صحيحة” لاعتمادها على سلم السلطة الفلسطينية، علق مسؤول كبير في المجلس على ذلك بقوله: “لست المدير المالي.. لكن تلك الأرقام كانت مذهلة”.

وتكمن المفارقة في انعدام أي أثر ميداني للجنة؛ إذ نقلت الصحيفة عن مصدر مطلع تأكيده: “لم تدخل زجاجة مياه واحدة إلى غزة تحت راية اللجنة الوطنية منذ يناير/كانون الثاني 2026”.

مرت سبعة أشهر بعد الهدنة ولم تدخل زجاجة مياه واحدة إلى غزة تحت راية “اللجنة الوطنية لإدارة القطاع” (الفرنسية)

مفارقة صارخة

يُبرز التقرير مفارقة صارخة بين الرؤية الأمريكية والواقع، ففي يناير/كانون الثاني 2026، خاطب مستشار الرئيس ترمب وصهره جاريد كوشنر المانحين في دافوس داعيا إلى التخطيط لـ”نجاح مذهل”، ومبشرا بمركز سياحي وتجاري مزوَّد بالمطارات والموانئ البحرية والمدن الذكية.

لكن الواقع الميداني -بعد حرب الإبادة الجماعية- يبدو مناقضا تماما لتلك التصريحات، فإسرائيل تسيطر على أكثر من نصف القطاع، وتفرض قيودا صارمة على المساعدات، فيما يعيش الناجون في مخيمات عشوائية وسط تفشي الجوع وشلل النظام الصحي وإغلاق المدارس.

وحتى الوعود بإنشاء “مخيمات مسيَّجة وشبه دائمة” لم تتحقق.

وأكد مقاولون قدموا عطاءات لإزالة الركام عدم تلقيهم أي عقود، قائلين: “لم يحدث أي شيء، لم يتم حتى التعاقد لإزالة الركام”.

عملية طحن الركام داخل كسارة، في موقع مخصص لتدوير مخلفات الحرب جنوب قطاع غزة
آثار دمار واسع في المباني السكنية بقطاع غزة جرّاء حرب الإبادة الإسرائيلية (الجزيرة)

مجلس السلام يدافع عن نفسه

رغم هذه المعطيات، يرفض مجلس السلام الإقرار بالفشل، إذ نفى مسؤول رفيع وجود أزمة تمويلية، مؤكدا أن مناشدة ملادينوف لمجلس الأمن في 15 مايو/أيار لضخ الأموال جاءت في سياق النقص المزمن في تمويل برامج الأمم المتحدة عموما.

وأوضح تقرير المجلس الموجه إلى الأمم المتحدة بصراحة أن “الأموال الملتزَم بها ولم تصرف تمثل الفرق بين إطار على الورق وإطار يحقق نتائج على الأرض لأجل سكان غزة”.

وكان ملادينوف أقر بأن “باب مستقبل غزة لا يزال موصدا”، وبأن كلا الطرفين انتهكا وقف إطلاق النار.

مستقبل معلق لملايين النازحين

وفي ظل هذا الشلل، طرح مصدر مطلع على عمل المجلس التساؤل الأكثر تشاؤماً، مؤكدا أن المجلس لن يكون قادرا على تقديم الدعم بالحجم المطلوب حتى لو وافقت حماس على نزع سلاحها، وقال “النتيجة الأسوأ هي أن توافق حماس على نزع سلاحها وتقول: تفضلوا، ابدؤوا بالتنفيذ.. ماذا سيفعلون حينها؟”.

ورغم مسارعة مسؤول في المجلس إلى رفض هذا التقييم وتأكيده الاستعداد الكامل مشددا على أنهم “لن يفشلوا”، يبقى مستقبل أكثر من مليونيْ فلسطيني في غزة معلقا، وهم نازحون أرهقتهم ظروف الإبادة وباتوا أبعد ما يكونون عن وعود “المدن الذكية” الأمريكية.

 

المصدر: الجزيرة