دخلت المباحثات الفنية غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة في الدوحة، بوساطة قطرية باكستانية، في محاولة لتحويل مذكرة التفاهم الموقعة بين الطرفين إلى خطوات تنفيذية على الأرض، وسط تباين واضح في أولويات كل طرف، وإن بدا أن كليهما يفضل استمرار المسار الدبلوماسي على العودة إلى المواجهة العسكرية.
ففي الوقت الذي تحدث فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن “اجتماع ممتاز” مع الجانب الإيراني، مؤكدا أن طهران قطعت شوطا كبيرا نحو الاتفاق، وأن واشنطن ماضية في هدفها المتمثل بنزع السلاح النووي الإيراني، شدد نائبه جيه دي فانس على أن أي محاولة إيرانية لإعادة بناء برنامجها النووي أو استئناف استهداف السفن في مضيق هرمز ستغير حسابات الولايات المتحدة، بما يعني أن خيار الرد الحاسم سيظل مطروحا.
وفي المقابل، تمسكت طهران بقراءة مختلفة للمشهد. فقد أكد وزير الخارجية عباس عراقجي أن مذكرة التفاهم واضحة وتلزم الرئيس الأمريكي بكبح حلفائه في تل أبيب، محذرا من أن أي تهديد يستهدف إيران أو قيادتها سيقابل برد فوري وحاسم.
أما رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف فأعلن أن بلاده لن تدخل مفاوضات الاتفاق النهائي قبل تنفيذ البنود (1) و(4) و(5) و(10) و(11) من مذكرة التفاهم، مؤكدا في الوقت نفسه أن السيطرة على الملاحة في مضيق هرمز حق سيادي لإيران لن تتنازل عنه.
الأصول الإيرانية المجمدة
بدوره، كشف نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي عن إنشاء قناة اتصال عاجلة لمتابعة تنفيذ بنود المذكرة، موضحا أن المحادثات في الدوحة تناولت أيضا آلية إنفاق جزء من الأصول الإيرانية المجمدة، والبالغة 6 مليارات دولار، إضافة إلى مناقشة التقارير المتعلقة بتعزيز القوات الأمريكية في المنطقة.
وتوضح الأولويات التي يتمسك بها كل طرف حجم الفجوة التي لا تزال تفصل بينهما. فبحسب ما عرضه صهيب العصا، على الخريطة التفاعلية، تضع إيران في مقدمة مطالبها إنهاء العمليات العسكرية، وضمان حرية الحركة في مضيق هرمز، ورفع الحصار البحري، وفتح الباب أمام تصدير النفط، والإفراج عن الأموال المجمدة، باعتبار أن الأزمة الاقتصادية تمثل التحدي الأكثر إلحاحا بالنسبة للنظام الإيراني.
في المقابل، تتمسك الولايات المتحدة بفتح مضيق هرمز بصورة كاملة، وضمان عدم امتلاك إيران سلاحا نوويا، إلى جانب حماية أمن الطاقة وأمن حلفائها في المنطقة، وهو ما يجعل المضيق والبرنامج النووي محورين رئيسيين في أي تفاهم مرتقب.
ويرى الأكاديمي والخبير في سياسات الشرق الأوسط محجوب الزويري أن اختلاف الأولويات يمثل العقبة الأبرز أمام تنفيذ المذكرة، موضحا أن كل طرف يسعى إلى تحقيق مكاسب يستطيع تقديمها لجمهوره الداخلي.
وأشار الزويري إلى أن إيران خرجت من حربين كلفتاها نحو 300 مليار دولار من البنية التحتية، لكنها لم تعتبر نفسها مهزومة، بينما ترى الولايات المتحدة وإسرائيل أنهما حققتا أهدافهما العسكرية، غير أن إغلاق مضيق هرمز كشف امتلاك إيران ورقة ضغط إستراتيجية تعادل في تأثيرها السلاح النووي، الأمر الذي فرض واقعا جديدا على مسار التفاوض.
وأوضح أن الأولوية الإيرانية الحقيقية تتمثل في معالجة الأزمة الاقتصادية عبر رفع العقوبات، واستعادة الأموال المجمدة، وزيادة صادرات النفط، لافتا إلى أن الحديث عن الإفراج عن 6 مليارات دولار لا يمثل سوى جزء محدود من أكثر من 100 مليار دولار من الأصول الإيرانية المحتجزة في الخارج.
وحول إصرار طهران على تنفيذ بنود محددة قبل بدء مفاوضات الاتفاق النهائي، أوضح الزويري أن بعضها يرتبط بالنفوذ الإقليمي الإيراني، بينما يتعلق البعض الآخر بترتيبات مضيق هرمز والعوائد الاقتصادية، مؤكدا أن طهران لا تبدو مستعدة لفتح المضيق بصورة كاملة قبل الحصول على ضمانات ومكاسب اقتصادية واضحة.
ورغم استمرار فقدان الثقة، اعتبر الزويري أن الطرفين لا يملكان في المرحلة الحالية “شهية للمخاطرة” والعودة إلى الحرب، مرجحا أن تقود التفاهمات المرحلية في نهاية المطاف إلى اتفاق شامل، حتى وإن شهد الطريق بعض الاحتكاكات المحدودة.
استمرار انعدام الثقة
وفي الجزء الثاني من النقاش، اعتبر الدبلوماسي الأمريكي السابق مارلن هاردينغز أن الاجتماعات الفنية الجارية في الدوحة يمكن أن تمهد لاجتماعات سياسية واقتصادية لاحقة إذا نجحت في معالجة القضايا التقنية الأكثر تعقيدا، مؤكدا أن وقف العنف منح الدبلوماسية فرصة جديدة.
ورأى هاردينغز أن الولايات المتحدة مطالبة بأخذ المخاوف الإيرانية في الاعتبار، لا سيما فيما يتعلق بالإفراج عن الأصول المالية، مع ضرورة توفير غطاء سياسي داخلي يسمح للإدارة الأمريكية بتقديم التنازلات اللازمة لإنجاح الاتفاق.
في المقابل، رأى الدبلوماسي الإيراني السابق محمد مهدي شريعتمدار أن الحديث عن نجاح المباحثات لا يزال سابقا لأوانه، موضحا أن المفاوضات لم تحقق تقدما كافيا بسبب استمرار انعدام الثقة وتأخر واشنطن في تنفيذ ما ورد في مذكرة التفاهم.
وأكد شريعتمدار أن المباحثات الجارية في الدوحة ليست مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة، وإنما محادثات مع الوسيطين القطري والباكستاني لوضع آلية لتنفيذ البنود المتفق عليها، مشددا على أن إيران لن تبدأ مفاوضات الاتفاق النهائي قبل تنفيذ البنود التي نصت عليها المذكرة ووقع عليها الرئيس الأمريكي.
أما رئيس مركز المدار للدراسات السياسية صالح المطيري، فاعتبر أن كثرة التصريحات المتناقضة من مختلف الأطراف تعكس استمرار محاولات تحسين المواقع التفاوضية رغم توقيع المذكرة، لكنه رأى في المقابل أن أهم ما خرجت به اجتماعات الدوحة هو الاتفاق على إنشاء قناة اتصال عاجلة لمعالجة أي خروقات محتملة.
وأشار المطيري إلى أن العالم ينتظر الآن الخطوة التنفيذية التالية، متوقعا أن يشهد الاتفاق التزامات متبادلة، تشمل الملف النووي الإيراني، وأمن الملاحة، والنفوذ الإقليمي، لكنه حذر في الوقت نفسه من استخدام مضيق هرمز كورقة تفاوضية مقابل كل ملف، معتبرا أن المضيق يمثل شريانا عالميا لا يمكن تحويله إلى أداة ضغط دائمة.
المصدر: الجزيرة