في بيئة إعلامية تتسارع فيها الأحداث وتفيض بالمعلومات على مدار الساعة، أصبح الحفاظ على التوازن النفسي تحديا يوميا. فوسائل التواصل الاجتماعي لا تكتفي بنقل الأخبار، بل تضخ سيلا متواصلا من المحتوى المتنوع، الموثوق وغير الموثوق على حد سواء.
هذه الحالة تسببت في ولادة ظاهرة جديدة على مدى السنوات الأخيرة، وهي “الإرهاق الإخباري”، أو “تجنب الأخبار”، وفيها يمتنع الشخص جزئيا أو كليا عن الاطلاع على ما يجري في العالم.
اقرأ أيضا
list of 2 items
end of list
يعرف الباحث هيسو جانغ -من كلية هوسمان للصحافة- هذه الحالة بأنها “استنزاف نفسي ناتج عن الإفراط في التعرض للمعلومات”، خصوصا في بيئة رقمية لا تتوقف عن التحديث.
لماذا يتجنب الناس الأخبار؟
تشير أبحاث أكاديمية إلى أن المنافسة الشديدة من المحتوى الترفيهي تلعب دورا مهما في معاناة الكثيرين من “التخمة المعلوماتية” و”تجنب الأخبار”. فقد أظهرت دراسة منشورة عام 2005 في “المجلة الأمريكية للعلوم السياسية” أن وفرة الترفيه تدفع بعض الأشخاص إلى تفضيله على الأخبار، وهو ما يرتبط بانخفاض المعرفة السياسية والمشاركة الديمقراطية، خاصة بين الشباب الذين نشأوا في بيئة رقمية مشبعة بالترفيه.
كما أن خوارزميات منصات التواصل، المصممة لزيادة التفاعل ومدة البقاء، تعطي أولوية للمحتوى السريع والعاطفي، وتهمش الأخبار المتعمقة. وغالبا ما تعرض الأخبار بصياغات تثير الغضب والاستقطاب لتحفيز التفاعل، مما يدفع بعض المستخدمين إلى الانسحاب كآلية دفاع نفسية.

“السلبية المتراكمة” وانعدام الثقة
يتجاوز الأمر المنافسة مع الترفيه ليصل إلى طبيعة المحتوى نفسه. وفي كتاب “التجنب الإخباري” الصادر عن دار نشر جامعة كولومبيا عام 2024 بالتعاون مع مؤسسة رويترز الإعلامية، استند الباحثون إلى مقابلات في بريطانيا وأمريكا وإسبانيا لبيان أسباب الظاهرة، وخلصوا إلى أن كثيرا من الناس يرون الأخبار سلبية ومحبطة، خاصة السياسية منها، مما يعزز الشعور بالإرهاق الإعلامي ويدفعهم لتجنبها.
هذه النتائج تتفق مع خلاصة تقرير مؤسسة رويترز للأخبار الرقمية لعام 2022، الذي أظهر أن نحو 38-40% من المشاركين في استطلاع عالمي حول تأثيرات الإعلام الإخباري، أفادوا بأنهم يتجنبون الأخبار بسبب تأثيرها السلبي على مزاجهم وزيادة شعورهم بالتوتر والإحباط واللاجدوى.
هناك بعد نفسي آخر للظاهرة دعمته دراسة نشرت في مجلة وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم الأمريكية (PNAS)، وهي واحدة من أهم الدوريات العلمية العالمية، وكشفت ارتباط عدد ساعات التعرض اليومي للصور العنيفة بزيادة أعراض التوتر المبكر، مقارنة بالتعرض الفعلي للأحداث.
ذلك يدل على أن الصور المؤلمة أو الدموية أو المخيفة للدمار والفوضى، المروجة عبر وسائل الإعلام لجذب الانتباه والتفاعل، يمكنها أن تزيد من الشعور بالضيق العاطفي والقلق وحتى اضطرابات مثل الصدمة والاكتئاب. وكلها عوامل تدفع الكثيرين للانعزال عن الأخبار بشكل كامل خوفا من الأثر النفسي العميق والمؤلم.
راحة مؤقتة مقابل انقطاع طويل الأمد
بالرغم من أن الابتعاد عن الأخبار السلبية قد يحقق الهدوء والراحة الفورية، فإن تجنب الأخبار بشكل دائم أو مستمر له سلبياته، فقد تفوتك معلومات متعلقة بالسلامة أو مواعيد مؤثرة في حياتك اليومية أو وظيفتك أو حتى فيما يتعلق بموارد المجتمع وسلامة الأفراد، خاصة في الدول التي تتعرض للحروب والأزمات الكبرى.
وعلى مدى شهور، سيتسلل شعور متزايد بالاغتراب، وهو ما يؤثر على الشعور بالهدف والقدرة على التأثير والانتماء للمجتمع. لهذا السبب تربط الأبحاث النفسية والمؤسسات الإعلامية بين استهلاك الأخبار باعتدال والشعور بقوة التأثير المدني للشخص باعتباره مواطنا وفردا فعالا في عالم مترابط وواع.

من التجنب إلى استهلاك صحي للأخبار
لتجاوز حالة العزلة والانقطاع عن المتابعة الإخبارية، توصي مؤسسات بحثية بتحديد نوافذ زمنية محددة لمتابعة الأخبار، مثلا تخصيص 20 دقيقة -صباحا أو مساء- لمتابعة الأخبار وتجنب التصفح المفرط للأنباء السلبية قبل النوم.
مصادر موثوقة ومتنوعة
يوضح مركز “كونستراكتف إنستتيوت” (Constructive Institute) الدنماركي، المتخصص في بحوث علوم الصحافة الإخبارية، أن البحث عن مصادر محتوى إخباري ذات سياسات شفافة وقيم تحريرية موثوقة سيصنع كل الفارق. إذ غالبا ما توفر المؤسسات الإخبارية غير الربحية، والمواقع الإعلامية الموثوقة، تغطية معمقة دون تهويل، مما يدعم موازنة ذلك بوجهات نظر من مختلف الأطياف السياسية للحد من التحيز والتطرف.
صحافة الحلول
كما يبرز توجه متنامي نحو تعزيز “الصحافة البناءة” و”صحافة الحلول”، التي لا تكتفي بعرض المشكلات، بل تركز على الاستجابات القائمة على الأدلة. إذ تشير أبحاث بشأن “صحافة الحلول” إلى أن التغطية التي لا تكتفي بعرض المشكلة والأحداث المؤسفة، بل تبرز الاستجابات والحلول القائمة على الأدلة، ترتبط بانخفاض مشاعر الإحباط وارتفاع الشعور بالقدرة على الفعل لدى الجماهير.
وخلص تقرير صادر عام 2014 عن مجلة “سنتر أوف ميديا إنغيدجمنت” (Center for Media Engagement) بجامعة تكساس، إلى أن القراء الذين تعرضوا لمحتوى يركز على الحلول أظهروا اهتماما أكبر بالقضية وشعورا أعلى بالكفاءة مقارنة بالتغطية التقليدية التي تركز فقط على عرض المشكلة.
وختاما، قد لا تعكس ظاهرة تجنب الأخبار بالضرورة إحساسا باللامبالاة بالشأن العام، بل تشير إلى مشكلة في علاقة الشخص بالأخبار، وبمصادر المعلومات الموثوقة.
وهنا يكون التحدي المطروح أمام الفرد في الاستهلاك الواعي والموزون للمحتوى الإخباري وانتقاء المنصات والقنوات بعناية، بينما تتحمل المؤسسات الإعلامية مسؤولية تحقيق التوازن بين نقل الواقع وتعزيز القدرة على التعامل معه، دون أن يتحول الخبر إلى مصدر استنزاف دائم وتهديد للسلامة النفسية للجميع.
المصدر: الجزيرة