تواجه مدينة تدمر الأثرية – في ريف حمص الشرقي وسط سوريا – تحديات جمة لاستعادة حضورها كوجهة رئيسية للسياحة، في ظل تدمير أصاب بنيتها التحتية جراء قصف النظام المخلوع للمدينة خلال سنوات الثورة، وضعف الترويج للسياحة السورية عموما في العواصم الأوروبية التي شكلت مصدرا بارزا للسياح إلى سوريا قبل عام 2011.
وتدمر – التي تضم معابد تعود إلى القرنين الأول والثاني الميلادي – كانت تُعدّ قبل اندلاع الثورة في سوريا عام 2011 من أهم المقاصد السياحية في سوريا، وتعرضت آثار المدينة للتدمير في عام 2015 على يد تنظيم الدولة الإسلامية الذي دمر كلا من معبد “بعل” الشهير وبعلشمين، وقوس النصر، وبعض المقابر الملكية بشكل كامل، فيما استهدف نظام بشار الأسد المخلوع المدينة برا وجوا من أجل السيطرة عليها ودمر أجزاءً واسعة من أحيائها.
عودة متواضعة
وقال حسن العلي – رئيس قسم الآثار في تدمر – إن الزوار المحليين والسياح يعودون تدريجياً إلى المدينة منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول عام 2024، مضيفا في تصريح لـ”رويترز” أنه “وفقا للإحصاءات الحالية، فإن عدد الزوار الأجانب الذين وصلوا إلى تدمر بعد تحرير سوريا يتجاوز المئات، بينما يتجاوز عدد الزوار المحليين الآلاف”.
قصص مقترحة
list of 2 items
end of list
بدوره قال محمد عبد اللطيف – مدير فندق في الجزء الحديث من المدينة – إن أعداد الزوار لا تزال متواضعة وأقل من التوقعات الأولية، مضيفا أن البنية التحتية المتدهورة التي خلفتها الحرب تُصعّب عملية التعافي.
وأضاف “بعد افتتاح الفندق، واجهنا العديد من التحديات، أبرزها تدهور البنية التحتية نتيجة الحرب والدمار الذي شهدته تدمر”، موضحا أن المدينة “حظيت قبل عام 2011 باهتمام كبير في مجال السياحة” وتابع: “لكن للأسف، بعد الحرب، أصبحت مدينة منسية. وحتى الآن، لم نرَ أي نشاط أو عمل يهدف إلى إعادة تأهيل البنية التحتية”.
مخاوف أمنية
ويؤكد خبراء وأدلاء سياحيون ضعف حركة السياحة بوضوح إلى تدمر، مشيرين إلى عوامل موضوعية لا تزال تحدّ من قدوم السياح إلى المنطقة التي شكلت عامل جذب للسياحة الأوروبية خصوصا.
وقال فاير بريشة – دليل سياحي – إن “عدد السياح القادمين إلى سوريا لا يزال خجولا بشكل عام” مشيرا إلى “ضعف القدوم من دول الاتحاد الأوروبي وهي المصدر الأساسي للسياح القادمين إلى تدمر، إحدى أبرز الوجهات السياحية السورية”.
وأضاف بريشة لـ”سوريا الآن” أن الأمر يتعلق بمخاوف لدى دول الاتحاد الأوروبي من سفر مواطنيها إلى سوريا، مشيرا إلى عامل آخر يتعلق بـ”تراجع البنية التحتية والخدمات في تدمر بعد ما لحقها من تدمير”.
وقال إن المدينة تعاني غياب خدمات أساسية وضعف البنى التحتية عموما، وهي عوامل تحد من قدوم الزوار وحتى السوريين منهم.
ضعف الخدمات الفندقية
بدوره أيد جميل القيم – باحث في التنمية السياحية – وجود عوامل أمنية تحد من قدوم الأوروبيين إلى سوريا مشيرا في تصريح لـ”سوريا الآن” إلى “وجود تحفظات من العديد من العواصم على السفر إلى سوريا بالرغم من كل ما تم إنجازه” مضيفا أنه توجد حركة قدوم فردية لعدد من الهواة من دول مختلفة إضافة إلى الآلاف من أبناء سوريا إلى تدمر.
وأوضح القيم أن تدمر كانت تضم قبل عام 2011 نحو 25 فندقا متنوعة الدرجات، وأكثر من 20 محلا لبيع التحف الشرقية وعشرات الباعة المتجولين، كما ضمت نحو 10 أدلاء سياحيين مختصين بالمدينة.
وقال إن المدينة “تفتقد الخدمات الفندقية حاليا”، مشيرا إلى وجود فندقين صغيرين الأول يضم 8 غرف والثاني 4 غرف إضافة إلى مطعم يستطيع تقديم الوجبات لألف شخص والمنامة للسياح في الخيم والبيوت الطينية.
وأضاف القيم أن “السياحة لا يمكن أن تنهض مع حالة ضعف الخدمات بشكل عام والفندقية منها خصوصا”، مشيرا إلى “دمار واسع جراء قصف طيران النظام للمدينة والتخريب الذي نفذه تنظيم الدولة الإسلامية في البنى التحتية والآثار”.
غياب الترويج
ويشير القيم إلى أن استقدام السياح إلى تدمر “يتطلب خططا حكومية وإجراءات تتضمن خصوصا إطلاق حملات ترويج خارجي واسعة توضح أجواء الأمان التي باتت تعيشها سوريا” لافتا إلى أهمية “عودة حركة الطيران الأوروبية إلى سوريا ما يسهل قدوم المجموعات القادمة لغرض السياحة الثقافية وسياحة الصحراء”.
ولفت القيم إلى “ضرورة تأهيل الفنادق المتضررة وفتح مشاريع سياحية جديدة تشجع السياح على القدوم إلى المدينة” لافتا إلى أهمية بدء الحكومة بتنفيذ طريق حيوي يربط بين دمشق وتدمر ودير الزور.
وأعلنت المؤسسة العامة للمواصلات الطرقية السورية عن مشروع “طريق دمشق – دير الزور الممتد على مسافة 425 كيلومترا، مشيرة إلى أن تنفيذه يستغرق نحو سنتين” وقدّرت كلفته بـ”نحو 300 مليون دولار”.
وأشار القيم إلى أن الحركة السياحية إلى تدمر وصلت في عام 2010 إلى نحو 120 ألف سائح أقاموا في فنادق المدينة ونحو 30 ألف مروا بها دون منامة بإجمالي يصل إلى 150 ألف سائح.
وأكد أن استعادة تلك المعدلات يتطلب جهدا كبيرا يشمل البنية التحتية وتطوير مرافق السياحة وحتى تشجيع البعثات الأثرية على القدوم وترميم ما تم تخريبه.
دور البعثات الدبلوماسية
ويلفت القيم إلى أن تدمر ليست فقط منطقة أثرية مشيرا إلى وجود بيئة صحراوية تضم نباتات متنوعة ومزارع للنخيل ومحميات طبيعية، وقال إن جبل العمور يشكل مصيفا لطيفا يتيح إقامة مشاريع سياحية ما يعطي أنماطا مختلفة من الأنشطة السياحية.
بدوره دعا بريشة للمشاركة السورية في المعارض السياحية الدولية وتفعيل البعثات الدبلوماسية في الخارج للترويج لتدمر وغيرها من الوجهات السياحية السورية، مضيفا أن تقديم أفلام ترويجية ودعوة بعض الشخصيات المؤثرة لجولات سياحية على أهم المعالم الأثرية في سوريا خطوات مهمة في هذا المضمار.
ولفت بريشة إلى أهمية تفعيل السياحة الداخلية خصوصا لطلبة المدارس والجامعات لزيارة المواقع الأثرية في سوريا.
وأسهم القطاع السياحي بنحو 12 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي قبل عام 2011، بحسب تقديرات رسمية، ويُعد من أبرز القطاعات الاقتصادية في سوريا، بفعل الموقع الجغرافي المميز للبلاد وتنوّع وجهات السياحة بين التاريخي والطبيعي.
وأعلنت وزارة السياحة السورية، في يوليو/تموز الماضي، أن عدد زوار سوريا “ارتفع خلال النصف الأول من العام الحالي 2026 إلى 3.52 ملايين زائر، مقارنة بـ 1.67 مليون زائر خلال الفترة نفسها من العام الماضي، محققا معدل نمو بلغ 111 بالمئة”.
المصدر: الجزيرة