تابع مئات الآلاف من الهنود بترقُّب أخبار البيت الأبيض المتعلقة بتأشيرات “إتش-1بي”، إثر إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الجمعة عن رفع تكلفة هذه التأشيرات إلى 100 ألف دولار.
القرار التنفيذي بهذه الزيادة، التي ناهزت الخمسين ضِعفاً في قيمة تأشيرات العُمال المَهَرة، ترك قطاع التقنية العالمي في حالة من الارتباك والذهول.
وحثّت الشركات في وادي السيليكون موظفيها على عدم مغادرة البلاد، بينما سارع العُمال عبر البحار إلى حجز رحلات طيران إلى الولايات المتحدة، فيما انهمك محامو الهجرة في فكّ شفرات القرار التنفيذي.
وبحلول يوم السبت، حاول البيت الأبيض تهدئة العاصفة، موضحاً أن هذه الرسوم ستطبّق فقط على المتقدمين الجُدد للحصول على التأشيرات للمرّة الأولى، فضلاً عن أنها تُطبَّق مرة واحدة لا أكثر.
وفي ظلّ هذه التعديلات، فإنّ باب الحلم الأمريكي الذي يحلم به ملايين الهنود قد انغلق، بعد أن ظلّ مفتوحاً لثلاثة عقود، مَدّ خلالها الصناعات الأمريكية بالعديد من العقول والمواهب الهندية.
واليوم، تضطلع شخصيات من أصول هندية بإدارة شركات عملاقة مثل غوغل ومايكروسوفت وآي بي إم، كما يمثّل الأطباء الهنود حوالي ستّة في المئة من القوى العاملة الطبية في الولايات المتحدة.
ويستحوذ الهنود على نصيب الأسد من تأشيرات “إتش-1بي”، بنسبة تجاوزت الـ 70 في المئة خلال الأعوام الماضية. (فيما جاء الصينيون في المركز الثاني بين المستفيديد من تلك التأشيرات، بنسبة تناهز 12 في المئة).
وفي القطاع الطبي، حصل أكثر من 8,200 هنديّ على تأشيرات “إتش-1بي”، للعمل في مجال الطب العام ومستشفيات الجراحة. وتعتبر الهند أكبر مُصدّر مُنفرد للأطباء الدوليين، بنسبة تناهز 22 في المئة.
ويرى خبراء أن قرار ترامب التنفيذي زيادة تكلفة التأشيرات إلى 100 ألف دولار هو قرار غير قابل للتطبيق؛ ففي عام 2023، كان متوسط الأجور للحاصلين الجُدد على تأشيرة “إتش-1بي” هو 94 ألف دولار، مقارنة بحوالي 129 ألف دولار متوسط أجور نُظرائهم القُدامى.
وبما أنّ القرار يستهدف القادمين الجُدُد، فإن معظم هؤلاء لن يستطيع الوفاء بقيمة الرسوم حتى لو دفع كلّ ما يتقاضاه، وفقاً للخبراء.
وفي حديث لبي بي سي، قال جيل غويرا، المحلل المختص بسياسة الهجرة في مركز نيسكانين: “بما أنّ القرار التنفيذي الجديد سيسري تطبيقه على الحاصلين الجُدد على تأشيرة ‘إتش-1بي’ وحدهم، فإن ذلك كفيل في الغالب بأن يتسبب في نقص في العمالة داخل الولايات المتحدة على المدى المتوسط والطويل، وليس على المدى القصير”.
وقد تتأثر الهند بتبعات القرار قبل الولايات المتحدة، لكن الأخيرة ستتحمل الأثر الأعمق، بحسب محللين.
وتحسّباً لهذا اليوم، أعدّت مؤسسات هندية عملاقة للتعاقدات، مثل شركة “تي سي إس”، و”إنفوسيس” عُدّتها عبر تدشين قوى عاملة محلية وعبر توجيه متعاقديها للداخل.
وبالأرقام، وفقاً لمركز بيو للدراسات، يمثّل الهنود حوالي 70 في المئة من حَمَلة تأشيرة “إتش-1بي”، لكن ثلاثة فقط من العشرة الأوائل بين أرباب أعمال هؤلاء الهنود أصبحت تربطهم علاقات مع الهند في 2023، مقارنة بستة من عشرة في عام 2016.
ويواجه قطاع تكنولوجيا المعلومات في الهند، والذي تقدّر قيمته السوقية بنحو 283 مليار دولار، تحدياً كبيرا – في ظل اعتماده على إرسال العمالة الماهرة إلى الولايات المتحدة، بما يُدرّ عليه أكثر من نصف عائداته.
ومن المتوقع أن يلجأ العملاء إلى إعادة التسعير أو إلى تأجيل مشروعات، ريثما تنجلي بعض الغوامض القانونية التي تكتنف هذا القرار الجديد، بينما قد تلجأ شركات إلى إعادة التفكير في نماذج التوظيف – والتحوّل إلى العمل الخارجي، وتقليص الأدوار المحليّة.
ومن المتوقع كذلك، أن تقوم شركات هندية بتحميل عملائها الأمريكيين تلك الزيادات الطارئة على ثمن التأشيرة، بحسب أديتيا نارايان ميشرا، من شركة سييل إتش آر الرائدة في مجال التوظيف.
يقول أديتيا: “في ظل إحجام أرباب الأعمال عن الالتزام بالتكاليف الضخمة للكفالة، فقد نشهد إقبالاً أكبر على التعاقد عن بُعد، وإلى مراكز تشغيل خارجية وإلى العاملين بعقود مؤقتة”.
في غضون ذلك، من المحتمل أن يكون الأثر الأوسع نطاقاً على الولايات المتحدة جرّاء ذلك القرار التنفيذي أشدّ وطأة؛ فستشهد المستشفيات نقصاً في عدد الأطباء، كما ستجد الجامعات صعوبة في اجتذاب طلاب العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، كما ستعاني الشركات الناشئة بقوة جرّاء غياب موظفين كبار في أقطاب التكنولوجيا من أمثال غوغل وأمازون.
يقول ديفيد جيه بير، مدير دراسات الهجرة في معهد كاتو، لبي بي سي: “الارتفاع الكبير في تكلفة تأشيرات “إتش-1بي” سيضطر الشركات الأمريكية إلى عمل تغيير جذري في سياساتها الخاصة بالتوظيف، كما ستحظر تلك الشركات استقدام مؤسِّسين ورؤساء تنفيذيين لإدارة شركات في داخل الولايات المتحدة”.
ويرى ديفيد بير أن ذلك من شأنه أن “يسدّد ضربة مُدمّرة للابتكار والتنافسية في الولايات المتحدة”.
وقال غويرا إنه “نظراً لدرجة التخصص التي تكتنف هذه المجالات ومدى خطورتها، فإن النقص في أعداد العُمال فيها حتى وإنْ لم يستمر لسنوات طويلة كفيلٌ بأن يكون له تأثير خطير على اقتصاد الولايات المتحدة وعلى الرفاه الوطني”.
“فضلاً عن ذلك، قد يتطلّع عُمالٌ هنودٌ مَهَرة إلى وجهات أخرى غير الولايات المتحدة للدراسة الدولية، بما سيترتب عليه ذلك من تبعات تسلسلية على النظام الجامعي الأمريكي”، بحسب غويرا.
وفي واقع الأمر، سيكون الطلاب الهنود أكثر المتأثرين، كونهم يمثلون رُبع أعداد الطلاب الدوليين في الولايات المتحدة.
يقول سادهانشو كاوشيك، مؤسس رابطة الطلاب الهنود في أمريكا الشمالية، والتي تمثل 250 ألف عضو في عموم 120 جامعة، إن توقيت صدور القرار التنفيذي الخاص بزيادة تكلفة تأشيرة “إتش-1بي” -والذي يأتي بُعيد تسجيلات الالتحاق في سبتمبر/أيلول- ترك العديد من القادمين الجُدُد في حالة من الذهول.
وقال كاوشيك لبي بي سي: “شعرت بما يشبه الهجوم المباشر، لأن الرسوم قد سُدّدت بالفعل، لذا فإن هناك نفقات كبيرة لا يمكن استردادها، وها قد انسدّ الطريق الأكثر ربحية لدخول قوة العمل الأمريكية”.
وحتى الآن، لا تزال التبعات الكاملة لقرار زيادة تكلفة تأشيرة “إتش-1بي” غير معلومة بعد، ويتوقع محامون مختصون بقضايا الهجرة أن يواجه قرار ترامب التنفيذي تحديات قانونية عاجلة.
جيل غويرا، من مركز نيسكانين، يحذر من أن سياسة تأشيرة “إتش-1بي” قد يترتب عليها عدد من الآثار السلبية على الولايات المتحدة، على أنّ الأمر قد يستغرق وقتاً ريثما تظهر هذه الآثار”.
ويوضح غويرا: “من المحتمل أن تجد شركات، مثل أمازون وأبل وغوغل وميتا، طريقةً ما للإعفاء من سياسة رسوم ‘إتش-1بي’، وفي حال إعفاء جميع هذه الشركات – وهي من كبار مستخدمي تأشيرة ‘إتش-1بي’، فإن ذلك يمثل ضربة في الصميم للغرض من فرْض الرسوم”.
وما أنْ تهدأ العاصفة ويهبط الغبار، حتى يتبين أن قرار تأشيرة “إتش-1بي” يبدو اختباراً لقدرة الشركات الأمريكية وللاقتصاد الأمريكي على التحمُّل أكثر منه ضريبةً على العُمال الأجانب؛ ذلك أنّ حَمَلة تأشيرة “إتش-1بي” وعائلاتهم يُسهمون بنحو 86 مليار دولار سنويا في الاقتصاد الأمريكي، بما في ذلك 24 مليار دولار ضرائب فيدرالية على الرواتب، و11 مليار دولار ضرائب حكومية ومحلية.