تكنولوجيا الصين بين المدني والعسكري.. تآكل الحدود الفاصلة

تركز تقارير الصحافة الصينية على أن أهمية الطفرة التقنية لا تكمن في أن منتجاتها المدنية قد تتحول تلقائيا إلى أدوات عسكرية، بل في بنائها قاعدة صناعية ومعرفية واسعة يمكن أن تخدم الاحتياجات الاقتصادية والعلمية، إلى جانب دعمها لقدرات الأمن والدفاع.

فالروبوتات الشبيهة بالبشر، والرقائق المحلية الصنع، والحوسبة الفائقة، وأنظمة التنبؤ الجوي، لا يمكن اعتبارها أسلحة -بحد ذاتها- بالمعنى التقليدي، لكنها باتت تمثل أجزاءً مترابطة في منظومة البنية التحتية للقرار والحركة والتصنيع والتحكم.

قصص مقترحة

list of 3 items

  • list 1 of 3هل أصبحت الصين مطية لغضب الأمريكيين من مراكز البيانات؟
  • list 2 of 3زر الإيقاف يشغل الجميع.. الذكاء الاصطناعي يقسم واشنطن ووادي السيليكون
  • list 3 of 3تحذيرات من مخاطر الذكاء الاصطناعي تهز أسهم التكنولوجيا

end of list

الروبوت ليس مجرد آلة

في هذا السياق، سلّط موقع “آسيا تايمز” الضوء على روبوت “تيان غونغ ألترا” الذي شارك في سباق 100 متر ضمن سباق الروبوتات الشبيهة بالبشر في بكين، معتبراً أن المشهد يتجاوز الاستعراض التقني.

فبعد انتهاء المنافسات بيومين، دعت صحيفة “جيش التحرير الشعبي” الرسمية للجيش الصيني، الباحثين إلى تسريع انتقال هذه الآلات من المختبر إلى ميادين التدريب العسكري، مستخدمة وصف “المقاتلين” في الإشارة إليها، بحسب التقرير.

BEIJING, CHINA - AUGUST 25: Tian Gong Ultra humanoid robots, white, and Honor Robots, red, run in a heat in the large robot category of the 100 meter at the 2nd World Robot Games at National Speed Skating Oval on August 25, 2026 in Beijing, China. A Tian Gong Ultra ran the 100 meter in 9.39 seconds at the games' opening ceremony on August 22nd, beating Usain Bolt's long standing record. The games, that feature hundreds of humanoid robots competing in track and field, tennis, boxing, football, working skills among many others, runs from August 22-26th. (Photo by Kevin Frayer/Getty Images)
روبوتات “تيان غونغ ألترا” البشرية بالأبيض و”أونور” بالأحمر في سباق 100 متر في بكين (غيتي)

لكن دلالة هذا التوجه لا تعني أن الروبوت البشري أصبح بديلاً كاملاً للجندي، ولا أن الصين نشرت بالفعل وحدات قتالية آلية.

ويرى كاتب التحليل كارتيكيا واليا -الباحث في مجال الروبوتات وأستاذ الهندسة بجامعة نوتنغهام ترنت- أن المركبات المجنزرة أو المدولبة ما زالت أكثر فعالية في القتال المفتوح، وأقل تكلفة، وأقدر على حمل الدروع والحمولات الثقيلة. غير أن الروبوت البشري -عند توظيفه العسكري- يكتسب قيمة خاصة في المدن والمباني، حيث صممت الأبواب والسلالم والممرات والمركبات وفق المقاييس البشرية.

ويشير واليا إلى أن قدرة الروبوت على الحركة السريعة والتوازن لا تعتمد على المحركات وحدها، بل على تكامل الحساسات والبرمجيات والمحاكاة والتعلم المعزز.

إعلان

وتتيح هذه القدرات استخدام الروبوتات في مهام الإنقاذ في البيئات الخطرة وإخلاء المصابين والتعامل مع التهديدات داخل المباني، لكنها يمكن أن تُستخدم كذلك في الاستطلاع أو الدخول إلى مواقع خطرة وتنفيذ مهام قتالية في بيئات حضرية.

وهنا يظهر جوهر الازدواجية الوظيفية، فالتقنية نفسها لا تحدد مسبقا طبيعة استخدامها، والقدرات اللازمة للتنقل داخل مبنى مدمر وإنقاذ مصاب يمكن توظيفها أيضا في مهمة عسكرية داخل البيئة نفسها.

عقل بلا شبكة

يقدم تقرير لصحيفة “إنترناشونال بيزنس ديلي” الصينية مثالاً أكثر ارتباطاً بالبنية الأساسية للروبوتات، ففي معرض الصين آسيان بمدينة ناننينغ، عرضت شركة “لينغ جينغ جي يوان” ما تصفه بـ”دماغ الذكاء الاصطناعي المتجسد” عبر كشف المكونات التي تسمح للروبوت بالإدراك واتخاذ القرار وتنفيذ الحركة عبر الحساسات البصرية واللمسية، ووحدات قيادة المحركات، والموصلات، وطبقات البرمجيات.

ووفقاً للتقرير، يستطيع النظام العمل في ظروف ضعف الشبكة أو انقطاعها بالكامل، مع تنفيذ سلسلة تفاعلية “الاستماع والفهم والتخطيط والتنفيذ” على الجهاز نفسه، من دون اعتماد دائم على الحوسبة السحابية.

وأبرز لهذا النموذج تطبيقات مدنية مباشرة في الإنتاج الصناعي، والرعاية الطبية وإعادة التأهيل والفحص الفني في المواقع البعيدة أو الخطرة.

ومن زاوية الاستخدام المزدوج، يمكن أن تكون القدرة على معالجة البيانات واتخاذ بعض القرارات محليا، من دون اتصال دائم بالسحابة، ذات قيمة أيضا في بيئات تشهد تشويشا أو انقطاعا للاتصالات أو قيودا على نقل البيانات.

ورغم أن ذلك لا يعني بالضرورة استخدامها عسكرياً، لكنه يفسر لماذا تعد الحوسبة الطرفية والتحكم الموضعي عناصر مرتبطة بالقدرات الدفاعية العسكرية إلى جانب استخداماتهما المدنية.

وتكتسب المسألة بعداً إقليمياً من خلال توجه الشركة إلى أسواق رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) حيث قال مؤسسها ورئيسها التنفيذي سون بو -بحسب التقرير- إن الشركة تعمل على تطوير رقائق خاصة بالذكاء المتجسد في الداخل، وعلى تصدير قدرات “دماغ الذكاء الاصطناعي المتجسد” إلى دول آسيان انطلاقاً من مركزها الخارجي في سنغافورة.

وبذلك لن يقتصر الأمر على بيع روبوتات جاهزة، بل تشمل المنافسة تصدير مراحل التقنية الأعمق مما يتيح تطبيق التقنيات المبتكرة في سيناريوهات واقعية في مختلف الصناعات، ويعزز تطوير الصناعة الرقمية في آسيان بالاستعانة بالإنجازات العلمية والتكنولوجية الصينية.

الحوسبة المناخية كقدرة استراتيجية

في نموذج آخر، أفادت صحيفة “ساوث تشاينا مورنينغ بوست” بأن الصين استخدمت منظومة “سوغون 8000″، المؤلفة من 100 ألف وحدة حوسبة تعتمد على رقائق ذكاء اصطناعي محلية، لتشغيل نظام تنبؤات جوية عالمية لـ10 أيام بدقة تبلغ 5 كيلومترات.

وقال التقرير إن النظام أنجز التوقع في نحو ساعة فقط، وإنه صُمم للجمع بين الحسابات العلمية الدقيقة ومعالجة البيانات الكثيفة اللازمة لنماذج الذكاء الاصطناعي. وتظل الفائدة المدنية لهذا الإنجاز واضحة من خلال تحسين الإنذار المبكر بالأعاصير والأمطار الغزيرة، ودعم إدارة الكوارث والزراعة والطاقة والنقل.

إعلان

كما أن التنبؤ المناخي عالي الدقة يمثل خدمة عامة بالدرجة الأولى، لكن بناء قدرة حوسبة محلية بهذا الحجم يحمل أهمية إستراتيجية أوسع، لأنه يعزز القدرة الوطنية على تشغيل المحاكاة المعقدة، وتحليل البيانات الضخمة، وتطوير نماذج علمية وصناعية من دون الاعتماد الكامل على بنى تقنية خارجية، بحسب الصحيفة.

فالقاعدة الحسابية التي تدعم نماذج الأرصاد الجوية يمكن أن توسع -من حيث المبدأ- الإمكانات المتاحة لقطاعات أخرى تعتمد على المحاكاة والتخطيط والتحليل السريع للبيانات، وتكمن المسألة هنا في بناء “القدرة الفعلية” وليس في إثبات تحويل نموذج مدني بعينه إلى مشروع عسكري.

Chinese military vehicles carrying DF-41 ballistic missiles roll during a parade to commemorate the 70th anniversary of the founding of Communist China in Beijing, Tuesday, Oct. 1, 2019. Trucks carrying weapons including a nuclear-armed missile designed to evade U.S. defenses rumbled through Beijing as the Communist Party celebrated its 70th anniversary in power with a parade Tuesday that showcased China's ambition as a rising global force. (AP Photo/Mark Schiefelbein)
صواريخ باليستية “دي إف-41” من عائلة صواريخ دونغ فُنغ الصينية تشارك في عرض عسكري (أسوشيتد برس-أرشيف)

الصواريخ ومخاطر الانتشار

ويتخذ البعد الأمني شكلاً أكثر مباشرة في تقرير آخر لصحيفة “ساوث تشاينا مورنينغ بوست” تناول العثور على حطام في محافظة مأرب اليمنية يُعتقد أنه من غلاف محرك الدفع الصلب لصاروخ قصير المدى يحمل رمز “دي إف-15 إيه” (DF-15A) والذي ينتمي إلى عائلة صواريخ “دونغ فُنغ” الصينية.

واعتبر التقرير أن الواقعة قد تمثل أول ظهور لهذا الطراز، أو لعائلة صواريخ “دونغ فُنغ” بصورة أوسع، في منطقة الشرق الأوسط.

لكن التقرير نفسه يفرض قدراً ضرورياً من الحذر في التعامل مع الخبر، إذ لم تعلن أية جهة صراحة عن تشغيل الصاروخ، ولا توجد سجلات مؤكدة لتصدير صاروخ “دي إف-15 إيه” إلى جهات محددة في الشرق الأوسط.

كما أن الصور والمقاطع المتداولة -مهما بدت دلالتها قوية- فإنها لا تحسم وحدها سلسلة النقل أو الجهة المشغلة أو الظروف التي سقطت فيها بقايا هذا الصاروخ.

A worker checks the display panel showing a computer chip and the Chinese words for "Independence" at the booth for Chinese supercomputer manufacturer Sugon during the World AI Conference in Shanghai, Wednesday, July 5, 2023. China's government appealed to Japan on Monday, July 24, not to disrupt the semiconductor industry after curbs on exports of Japanese chip-making technology took effect, adding to technology restrictions Washington and its allies have imposed on China on security grounds. (AP Photo/Ng Han Guan)
الصين استخدمت منظومة “سوغون 8000” لتشغيل نظام تنبؤات جوية عالمية لـ10 أيام بدقة 5 كيلومترات (أسوشيتد برس)

ومع ذلك، فإن مجرد احتمال ظهور بنية صاروخية صينية متقدمة في منطقة تشهد حروباً بالوكالة وتوتراً إقليمياً واسعاً أمر جدير بالاهتمام، لا سيّما وأن هذا الصاروخ مصنّف على أنه قادر على حمل رؤوس نووية، بحسب تقرير الصحيفة.

فإذا تأكدت هوية الحطام ومسار وصوله، فإن ذلك سيعني أن تقنيات صاروخية ذات حساسية عالية قد دخلت معادلات ردع وصراع خارج حدود الصين؛ وستكون التداعيات أكبر من صفقة تسليح تقليدية، لأنها تمس توازنات منطقة الخليج والبحر الأحمر وأمن الطاقة وخطر سوء التقدير بين الأطراف الإقليمية.

القوة في قابلية التحويل

تكشف الأمثلة التي أوردتها التقارير الصحفية أن تقدم الصين التقني لا يقوم على منتج منفرد أو قطاع مستقل، بل عبر منظومة مترابطة تجمع الحوسبة المحلية والرقائق والبرمجيات والروبوتات والتصنيع واسع النطاق.

وتمنح هذه المنظومة البلاد قدرة على تسريع الابتكار المدني، وتقليص الاعتماد الخارجي، وإتاحة قاعدة معرفية وصناعية يمكن أن تتصل -عند الحاجة- بمشروعات الأمن والدفاع العسكري.

وعليه، فإن الخلاصة الأكثر اتزاناً أن الروبوتات والرقائق الإلكترونية ونماذج الأرصاد الجوية لا ينبغي -بأي حال- اختزالها في صورة “أسلحة مقنّعة”. فهي تقنيات مدنية في أصلها، تؤدي أدواراً واسعة في الإنتاج والبحث والخدمات والبنية التحتية.

غير أن انتشارها على نطاق واسع، مقترناً بالقدرة على تشغيلها موضعياً وتطويرها وتكييفها وتصديرها، يرفع من قابليتها للتحول إلى أدوات مرتبطة بالأمن القومي، ويجعل الحدود بين الاستخدام المدني والتوظيف العسكري أكثر هشاشة وغموضاً.

ففي التنافس الاستراتيجي المعاصر، لا يبدأ بسط النفوذ عند إطلاق السلاح أو استخدامه، بل يتشكل قبل ذلك بوقت طويل. حيث يبدأ عند تصنيع الرقائق، وتدريب النماذج، وكتابة البرمجيات، وبناء الشبكات الصناعية واللوجستية التي تجعل الانتقال من تطبيق مدني إلى قدرة أمنية عملية ممكنة وسريعة. وعند هذه النقطة تحديداً، لا تكون القوة العسكرية منفصلة عن الاقتصاد والتكنولوجيا، بل تصبح امتداداً مباشراً لهما.

إعلان

 

المصدر: الجزيرة