جبهة الصبيحة.. هل اقتربت الحرب من عدن؟

عدن– على امتداد رقعة جبلية وساحلية واسعة غربي محافظة لحج، جنوبي اليمن، تتسع دائرة المواجهات بين القوات الحكومية والحوثيين، من مرتفعات كهبوب القريبة من باب المندب إلى المناطق المتاخمة للمضاربة ورأس العارة ومحاور طور الباحة، في نطاق بات يُشار إليه عسكريا بـ”جبهة الصبيحة”.

وخلال الأيام الماضية، اشتدت المعارك على أكثر من محور، وأعلن المركز الإعلامي لمحور طور الباحة العسكري مقتل 13 من مقاتليه خلال يومين في مواجهات مع الحوثيين ضمن نطاق عملياته بمحافظتي لحج وتعز.

قصص مقترحة

list of 2 items

  • list 1 of 2الفارون من الساحل الغربي إلى مأرب.. رحلة لجوء جديدة إلى مخيمات مثقلة بالنازحين
  • list 2 of 2اليمن.. غارات ومعارك في 6 محافظات والجيش يسيطر على مواقع بتعز

end of list

ومع هذا التصعيد، برزت الصبيحة في الخطاب العسكري الحكومي بوصفها خط دفاع متقدما عن العاصمة المؤقتة عدن. وفي تصريح أمس الثلاثاء، أكد رئيس أركان قوات درع الوطن والقائم بأعمال قائدها، اللواء عبد الرحمن صالح اللحجي، ثبات المقاتلين في جبهة الصبيحة، وقال إن الحوثيين لن يدخلوا عدن “إلا على جثث الرجال الأبطال”.

لكن أين تبدأ “جبهة الصبيحة”؟ وهل يعني انتقال القتال إلى تخومها أن الحوثيين باتوا بالفعل قريبين من عدن؟

خريطة محافظات اليمن - محافظات لحج وعدن بلون مختلف
خريطة محافظات اليمن تبين موقع محافظتي لحج وعدن (الجزيرة)

جبهة متعددة المحاور

لا تشير “الصبيحة” إلى موقع عسكري محدد أو مديرية إدارية واحدة، بل إلى نطاق جغرافي وقبلي واسع غربي لحج، يشمل أساسا مديرية المضاربة ورأس العارة ومديرية طور الباحة، ويمتد من المناطق المحاذية لتعز شمالا إلى الساحل القريب من باب المندب جنوبا وغربا.

وهذا الاتساع يجعل الصبيحة جبهة متعددة المحاور، لا خط مواجهة واحدا يمكن حسمه بالسيطرة على موقع منفرد.

ويقول مصدر ميداني في جبهة الصبيحة للجزيرة نت إن المواجهات مستمرة منذ نحو 10 أيام على عدة محاور في السلاسل الجبلية شرقي باب المندب، وتتركز بصورة أشد في مرتفعات كهبوب والأغبرة والمناطق المتاخمة لمديرية الوازعية غربي تعز.

وبحسب المصدر، نفذ الحوثيون محاولات متكررة للتقدم والسيطرة على مواقع جبلية، لكن قوات درع الوطن والعمالقة ووحدات حكومية أخرى، بمساندة مقاتلين من قبائل الصبيحة، تصدت لها، من دون أن يحدث حتى الآن اختراق واسع يغير خريطة السيطرة.

مقاتل من محور طور الباحة العسكري التابع للحكومة يراقب جبهات القتال من أحد المرتفعات غربي لحج
مقاتل من محور طور الباحة العسكري التابع للحكومة يراقب جبهات القتال من أحد المرتفعات غربي لحج (الجزيرة)

ويضيف أن القتال يشتد في المحاور الغربية القريبة من كهبوب والمضاربة ورأس العارة، في حين تشهد المحاور الشمالية مناوشات أقل حدة.

إعلان

ويأتي هذا التصعيد في أعقاب التقدم الحوثي الأخير على الساحل الغربي واتساع القتال باتجاه باب المندب، وهو ما زاد أهمية جبهة الصبيحة مع اقتراب خطوط المواجهة من الحدود الغربية لمحافظة لحج.

وتتركز المواجهات على المرتفعات والممرات الواقعة بين جنوب غربي تعز وشمال مديرية المضاربة ورأس العارة، بالتزامن مع اشتباكات في كهبوب ومناطق متاخمة للأغبرة والوازعية.

وفي مؤشر على حساسية التطورات، عقدت اللجنة العسكرية والأمنية في لحج، في 13 سبتمبر/أيلول، اجتماعا لمناقشة الأوضاع في “الجبهة الحدودية بالصبيحة وباب المندب”، ووجهت برفع الجاهزية ودعم الجبهة وتعزيز التنسيق بين الوحدات المنتشرة فيها.

وبذلك اتسعت المواجهات من محيط باب المندب إلى سلسلة من الجبهات المتصلة بين غربي تعز وغربي لحج.

جندي من القوات الحكومية يجهز قذيفة هاون في أحد المواقع الجبلية بجبهات الصبيحة غربي لحج
جندي من القوات الحكومية يجهز قذيفة هاون في أحد المواقع الجبلية بجبهات الصبيحة غربي لحج (الجزيرة)

لماذا ترتبط الصبيحة بعدن؟

هذا الامتداد الجغرافي هو ما يفسر ارتباط جبهة الصبيحة مباشرة بأمن عدن. ويقول الناشط والإعلامي في لحج إياد العبدلي الصبيحي للجزيرة نت إن مناطق الصبيحة “تمثل بوابة عدن من الجهتين الشمالية والغربية”، وتمتد من كرش شمالا إلى باب المندب والساحل غربا وجنوبا.

ويشير إلى أن الجبهات الممتدة من كهبوب والساحل إلى المضاربة ورأس العارة، إلى جانب المحاور الشمالية، تشكل حاجزا أمام انتقال المواجهات نحو عمق لحج.

ولا تتعلق أهمية هذه الجغرافيا بالمسافة وحدها، فالشريط الساحلي للمضاربة ورأس العارة يمتد شرقا باتجاه المناطق القريبة من عدن، في حين تتصل محاور طور الباحة شمالا بغربي تعز، لتصبح الصبيحة منطقة فاصلة بين أكثر من اتجاه للقتال.

ومع ذلك، فإن اقتراب خطوط القتال من ساحل لحج لا يعني أن الطريق إلى عدن أصبح مفتوحا، إذ تفصل المدينة عن مناطق المواجهات مرتفعات وممرات ومساحات تنتشر فيها قوات مناوئة للحوثيين.

مقاتلون من الجيش اليمني في موقع جبلي ضمن جبهات الصبيحة غربي محافظة لحح
مقاتلون من الجيش اليمني في موقع جبلي ضمن جبهات الصبيحة غربي محافظة لحج (الجزيرة)

إسناد قبلي

وإلى جانب التشكيلات العسكرية المنتشرة على الجبهة، تشارك مجموعات قبلية في إسناد القوات الحكومية على عدد من المحاور.

ويقول الناطق الإعلامي باسم قبائل الصبيحة أحمد عاطف للجزيرة نت إن القبائل تنظر إلى الجبهة باعتبارها حاجزا دفاعيا عن لحج وعدن من الجهتين الشمالية والغربية، بالنظر إلى اتساعها وتداخلها مع المناطق الحدودية لمحافظة تعز.

ويوضح أن المواجهات موزعة على عدة محاور، ولا تقتصر على كهبوب وحدها، مشيرا إلى وجود تنسيق بين قبائل المنطقة والقوات والتشكيلات العسكرية المنتشرة في الجبهة لإسناد المقاتلين ومنع حدوث اختراق واسع نحو عمق الصبيحة.

وبحسب الصبيحي، تحاول جماعة الحوثي الضغط عبر أكثر من محور بحثا عن ثغرة، لكن القتال الجاري لم يفتح حتى الآن طريقا مباشرا باتجاه لحج أو عدن.

خط دفاع متقدم

غير أن توصيف الصبيحة كخط دفاع متقدم عن عدن لا يعني أنها الحاجز الوحيد أمام المدينة، إذ يضع الخبير العسكري اليمني العميد ثابت حسين صالح أهميتها ضمن خريطة دفاعية أوسع، ويقول للجزيرة نت إن “الصبيحة من أهم خطوط الدفاع عن عدن ولحج”، بالنظر إلى اتساع رقعتها الجغرافية من باب المندب وجزيرة ميون وساحل عمران وصولا إلى كرش.

إعلان

ويضيف: “لكن هذا لا يعني أن الصبيحة هي خط الدفاع الوحيد عن عدن، لأن مناطق الضالع ويافع وأبين هي الأخرى خطوط دفاعية مهمة”.

هذا الامتداد الجغرافي هو ما يجعل السيطرة على موقع أو مرتفع في إحدى جبهات الصبيحة مختلفة عن تحقيق اختراق يفتح الطريق مباشرة نحو العاصمة المؤقتة.

ويقول صالح: “بالطبع لا يمكن اعتبار أي اختراق حوثي لأي موقع في الصبيحة أن الحوثيين قريبون من عدن، لأن الصبيحة شاسعة وتتكون من ساحل وسهل ووديان وجبال، وفيها قبائل متمرسة على كل أنواع القتال، ناهيك عن وجود قوات جنوبية قوية وقادرة على صد الحوثيين وإرجاعهم على أعقابهم، كما يحصل الآن في مرتفعات كهبوب، وكما حصل للحوثيين في معارك الضالع ويافع وعدن وشبوة”.

مقاتلون يتمركزون في إحدى جبهات القتال غربي لحج وسط استمرار المواجهات مع الحوثيين
مقاتلون يتمركزون في إحدى جبهات القتال غربي لحج وسط استمرار المواجهات مع الحوثيين (الجزيرة)

هل اقترب الحوثيون من عدن؟

وهنا يعود السؤال الذي فرضه التصعيد الأخير: هل يعني وصول المواجهات إلى جبهة الصبيحة أن الحوثيين باتوا قريبين من عدن؟

تكشف خريطة القتال أن الحوثيين يضغطون على الأطراف الغربية والشمالية الغربية لمناطق الصبيحة، لكن الاقتراب من هذا النطاق لا يعني الاقتراب المباشر من الكتلة الحضرية لعدن.

فالمواجهات الحالية تدور في نطاق كهبوب والمناطق المتاخمة للوازعية والمضاربة ورأس العارة ومحاور أخرى بين لحج وتعز، بينما تفصلها عن عدن مساحات من محافظة لحج وعدة خطوط انتشار عسكرية وقبلية.

كما أن طبيعة القتال في المرتفعات تجعل السيطرة على قمة أو موقع مختلفة عن تحقيق اختراق واسع ومستقر يمكن البناء عليه للتقدم لمسافات طويلة.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الحوثيين يحاولون تثبيت مكاسبهم الساحلية عبر السيطرة على المرتفعات المتصلة بها، لا سيما كهبوب، في حين تعمل القوات المناوئة لهم على إبقاء تلك المرتفعات حاجزا أمام تمدد أعمق باتجاه لحج.

ويقول العميد ثابت حسين صالح: “أعتقد أن الحوثيين، وعلى الرغم من الظروف والعوامل الخارجية والداخلية التي سهلت لهم السيطرة على المناطق التي كانت تسيطر عليها قوات المقاومة الوطنية، فإن سيطرة الحوثيين نسبية، وخرائط السيطرة تتغير تباعا، وخاصة في محاور وجبهات محافظات الجنوب”.

ويؤكد المصدر الميداني للجزيرة نت بدوره أن محاولات الحوثيين تتركز حاليا على التقدم في المرتفعات، لكن خطوط المواجهة الرئيسية لا تزال متماسكة، ولم يحدث حتى الآن اختراق واسع ينقل القتال إلى عمق مناطق الصبيحة.

جنود من الجيش اليمني يجهزون قذائف هاون في موقع جبلي على تخوم الصبيحة غربي لحج
جنود من الجيش اليمني يجهزون قذائف هاون في موقع جبلي على تخوم الصبيحة غربي لحج (الجزيرة)

حزام تحت الضغط

لا تشير خريطة المواجهات الحالية إلى طريق مفتوح أمام الحوثيين نحو عدن، لكنها تظهر أن جبهات القتال أصبحت أقرب إلى لحج والعاصمة المؤقتة مما كانت عليه قبل التطورات الأخيرة على الساحل الغربي.

فالصبيحة ليست ممرا ضيقا يحسمه سقوط موقع واحد، بل رقعة واسعة تتوزع عليها جبهات ومرتفعات وسواحل، وتنتشر فيها تشكيلات عسكرية ومقاتلون قبليون. ومن هنا يأتي وصفها بأنها خط دفاع متقدم عن عدن، من دون أن تكون آخر الحواجز قبل المدينة.

وحتى الآن، لم تتحول الصبيحة إلى طريق مفتوح نحو عدن، لكنها أصبحت الجبهة التي يُقاس عندها مدى اقتراب الحرب من المدينة. وكلما اشتد الضغط على مرتفعاتها ومحاورها، تقلص الهامش الذي يفصل العاصمة المؤقتة عن خطوط المواجهة.

 

المصدر: الجزيرة