جنون الأحصنة.. هل فقدت “القوة الجامحة” للسيارات هيبتها؟

لطالما شكلت “الأحصنة” البوصلة التي تحدد مكانة السيارة وهيبتها. فاختراق حاجز الـ 400 حصان كان بمثابة إعلان ولادة أسطورة ميكانيكية، ووصولا إلى حاجز الألف حصان، كانت هذه الأرقام صكوك تميز حصرية لا يمتلك مفاتيحها سوى قلة من الصانعين والأثرياء.

أما اليوم، وفي خضم الثورة الكهربائية التي تجتاح عالم السيارات، تحولت هذه الأرقام الفلكية من “نادي النخبة” إلى مجرد معطيات رقمية اعتيادية يمكن الوصول إليها بسهولة.

وفي هذا التقرير، نستعرض هذا التغير الجذري في فلسفة الأداء، وكيف تعيد الكهرباء تعريف مفهوم “الهيبة” في سوق السيارات، وتأثير ذلك على توجهات المستهلكين في منطقة الخليج.

Milan, italy 28 october 2025: dodge hellcat supercharger close-up with srt logo, v8 performance engineering detail showcasing raw power and chrome muscle-car craftsmanship
محركات الاحتراق لا يزال لها رونق عند الكثير من العملاء عند شراء سيارة جديدة (شترستوك)

600 حصان في سيارة عائلية

يقول محمد نجيب، مدير صالات عرض إحدى وكالات السيارات في قطر، إن عصر احتكار القوة انتهى تماما، ففي السابق، كان العميل الذي يبحث عن قوة 300 أو 400 حصان يبحث عن سيارة استثنائية. أما اليوم، فالعميل يبحث عن سيارة عائلية عملية (كروس أوفر) لتوصيل الأطفال إلى المدرسة، وتكون بقوة 600 حصان كهربائي.

ويضيف في حديثه للجزيرة نت، أن هذا الواقع تؤكده بيانات السوق، إذ أصبحت سيارات مثل هيونداي أيونيك 5 في طراز إن (N) الرياضي عالي الأداء بقوة 601 حصانا، والتي تصل سرعتها من 0 إلى 100 كم/س في زمن ينافس سيارات بورش 911، متاحة بأسعار لا تقارن بفئة السيارات الخارقة.

ويكشف نجيب أن هذا التحول غيّر من طبيعة الحوار بين البائع والمشتري، موضحا: “لم يعد الزبون يسأل ‘كم حصانا تولد السيارة؟’ بنفس اللهفة القديمة. السؤال الآن أصبح: ‘كيف أشعر خلف المقود؟’. الجميع يعلم أن المحرك الكهربائي سيمنحه تسارعا صاروخيا بصمت، ولكن هل ستمنحه السيارة الابتسامة التي تمنحها محركات الاحتراق؟”.

صراع من أجل البقاء

الأرقام لم تعد كافية لبيع الحلم. فالزبون الذي يدفع مئات الآلاف يبحث عن “طقوس” القيادة لا عن رقم في كتيب المواصفات. ويلفت نجيب النظر إلى معضلة تواجهها العلامات الفاخرة، مستشهدا بتجارب وكالات عالمية.

إعلان

ويوضح: “هناك تخوف حقيقي من القيمة المتبقية للسيارات الكهربائية الخارقة. العميل الذي يشتري سيارة بمليون ريال يريد أن يعرف أنها ستحافظ على قيمتها كأصل استثماري، بينما التكنولوجيا الكهربائية تتطور بسرعة جنونية تجعل سيارة اليوم قديمة تقنيا غدا، بعكس محركات V12 الخالدة”، بحسب رأيه.

وتؤكد آراء مسؤولين في شركات مثل لامبورغيني الإيطالية الفاخرة وكوينيغسيغ السويدية للسيارات الرياضية عالية الأداء، أن العملاء الأثرياء يفضلون حاليا المحركات الهجينة أو محركات الاحتراق عالية اللفات لأنها تمنحهم “النبض والحرارة والصوت” الذي تفتقده المنظومات الكهربائية.

ويستخدم نجيب وصفا بليغا نقلا عن أحد مصنعي السيارات الفاخرة لوصف الطرازات الكهربائية فائقة القوة بأنها أشبه بـ”الأفيال”، فهي تمتلك قوة هائلة بلا شك، لكنها تفتقر إلى الرشاقة وخفة الظل بسبب أوزان بطارياتها الضخمة، مما يفقدها متعة القيادة الديناميكية على المسارات الملتوية.

In heavy industry maintenance manager meet engineer checking and agreement hand check and sign on work schedule to overhaul mega 1000 horse power machine with electric generator supercharger turbo
العملاء الأثرياء يفضلون حاليا المحركات الهجينة أو محركات الاحتراق عالية اللفات (شترستوك)

المستهلك الخليجي والمتعة الحقيقية

في منطقة الخليج، التي تعد من أعلى أسواق العالم إنفاقا على السيارات الفاخرة، يكتسب هذا التحول بعدا ثقافيا. يقول السيد محمد نجيب: “المستهلك الخليجي مثقف سيارات من الطراز الأول. فهو يعشق ‘شخصية’ السيارة”.

صحيح أن سيارات السيدان والكروس أوفر الكهربائية دخلت بقوة بفضل قوتها وتكاليف تشغيلها المنخفضة، ولكن في فئة السيارات الخارقة والتحف الميكانيكية، لا يزال “هدير المحرك” عملة نادرة لا تقدر بثمن.

ويضيف: “هناك من يمتلك سيارات كهربائية للاستخدام اليومي، ولكنهم يحتفظون بسيارات V8 أو V12 للمتعة الحقيقية في عطلة نهاية الأسبوع. إنهم يريدون سماع ‘سيمفونية’ المحرك وليس مجرد ‘طنين’ كهربائي”.

ويشير نجيب إلى أن العلامات التجارية العريقة تدرك هذا التحول جيدا، إذ تتجه فلسفة التطوير لدى أقسام الأداء إلى التركيز على “متعة القيادة” عوضا عن الانخراط في “حرب أرقام الأحصنة” التي يرون أنها باتت سهلة التحقيق بفضل الكهرباء.

حتى علامات أسطورية مثل فيراري تصرح بأن سيارتها الكهربائية القادمة لن تركز على الرقم الأكبر للأحصنة، بل على “براعة التحكم والثبات”.

نهاية الأساطير أم ميلاد فلسفة جديدة؟

يختتم نجيب حديثه برؤية متوازنة للمستقبل قائلا: “نحن لا نشهد موت القوة، بل نشهد تحولا في قيمتها”، فالكهرباء سلبت من الأحصنة هالة القداسة وجعلتها سلعة استهلاكية. ولكن في المقابل، أرغمت هذه الثورة صناع السيارات على البحث عن سبل جديدة لخلق التميز بعيدا عن الأرقام الجافة.

فالمستقبل سيكون لمن يستطيع دمج القوة الكهربائية الفورية مع “الروح” الميكانيكية، سواء عبر تقنيات الصوت الاصطناعية المتطورة، أو عبر أنظمة هجينة تجمع أفضل ما في العالمين. وفي النهاية، الزبون لم يعد يشتري “حصانا”، بل يشتري “تجربة”، ومن يفهم هذه المعادلة الجديدة هو من سيبقى في حلبة المنافسة.

 

المصدر: الجزيرة