حافلات مقاتلين وتحركات عسكرية.. حقيقة مشاهد التحشيد على حدود سوريا والعراق

انتشرت خلال الأيام الماضية سلسلة مقاطع فيديو على منصات التواصل الاجتماعي، زعم ناشروها أنها توثق تحركات عسكرية سورية حديثة على الحدود مع العراق، لتثير موجة واسعة من التفاعل والتكهنات بشأن التطورات الميدانية المفاجئة.

ورافق تداول المقاطع منشورات تزعم أن الجيش السوري رفع حالة الاستنفار إلى أعلى مستوياتها، مع إصدار توجيهات برفع الجاهزية في الوحدات العسكرية ونشر قطعات على طول الحدود السورية العراقية، دون أن تصدر أي جهة رسمية سورية توضيحا بشأن أسباب هذه الإجراءات.

كما نشرت حسابات على فيسبوك خرائط مولدة بالذكاء الاصطناعي تتضمن المعابر الرئيسية بين البلدين ومناطق الانتشار العراقية يقابلها محاور تعزيز سورية مزعومة، وسط دعوات للحكومة السورية برفع الجاهزية واتخاذ ما تراه مناسبا وفق تقدير الموقف لحماية أمن حدودها.

ورصدت وحدة المصادر المفتوحة في الجزيرة 3 مقاطع متداولة في هذا السياق: الأول يُظهر دبابات وآليات عسكرية ثقيلة محملة على شاحنات نقل، والثاني يُظهر عشرات الجنود داخل حافلة متجهة نحو الحدود العراقية، والثالث يُقدَّم على أنه يوثق تعزيزات عراقية مقابلة عند الحدود ردا على التحشيدات السورية.

اقرأ أيضا

list of 2 items

  • list 1 of 2فيديو الصلاة في مترو لندن يشعل موجة تحريض ضد المسلمين.. ما حقيقته؟
  • list 2 of 2بين صورة عابسة وكلمة لم تُلقَ.. ماذا حدث لممداني في جنازة جندية أمريكية قُتلت بالأردن؟

end of list

وتقتضي هذه الادعاءات التحقق من صحة المقاطع، وما إذا كانت توثق بالفعل تحركات عسكرية جارية على الحدود بين سوريا والعراق، أو أنها مقاطع قديمة أُعيد نشرها خارج سياقها لتغذية التوتر بين دمشق وبغداد.

تحشيد عسكري ضخم

وتداولت حسابات المقطع الأول بعد أن نشره حساب “دحام الديري” مؤخرا على منصة “تيك توك” قبل 3 أيام في السياق ذاته، قبل أن تتلقفه حسابات أخرى ويحصد عشرات الآلاف من المشاهدات.

ونشرت الحسابات المقطع على أنه يوثق إعلان الجيش السوري حالة الاستنفار لجميع الفرق والألوية وانتشارها على كامل الحدود مع العراق، تمهيدا لما وصفته بعمل عسكري داخل الأراضي العراقية يستهدف “إجبار مليشيات موالية لإيران على الابتعاد عن الحدود”، وتمكين الجيش العراقي من تولي مسؤولية حفظها.

لكن البحث وراء المقطع كشف أنه مضلل وقديم ومعاد تدويره، إذ نشرته حسابات قبل شهر على أنه يوثق تحشدات عسكرية ضخمة على طول الجبهة الحدودية اللبنانية.

وقادنا البحث العكسي إلى أن المقطع سبق أن تداولته حسابات -في 20 يناير/كانون الثاني الماضي- على منصة “إكس” في سياق مختلف تماما.

وفي الحقيقة، يوثق المقطع استقدام الجيش السوري تعزيزات عسكرية ضخمة إلى محور رأس العين شمال غرب مدينة الحسكة، لا إلى الحدود مع العراق ولا إلى لبنان كما زعم.

حافلات تقل مقاتلين

ولإضفاء مزيد من المصداقية على التطورات العسكرية المتسارعة، تداولت حسابات مقطعا آخر يُظهر مجموعة من المقاتلين بزي عسكري داخل حافلة مكتظة بالجنود، في حين يقرأ أحدهم آيات من القرآن الكريم.

إعلان

وروّج ناشطون وحسابات للمقطع على أنه يوثق عشرات الحافلات التي تقل عناصر من وزارة الدفاع السورية متجهة نحو الحدود العراقية ردا على تحشيدات الحشد الشعبي قرب الحدود مع سوريا، إذ حصد تفاعلا واسعا على المنصات الرقمية.

ورصدت وحدة المصادر المفتوحة أول تداول لهذا المقطع في 3 أغسطس/آب الجاري عبر حساب يحمل اسم “raneen k”، نشره مرفقا بتعليق جاء فيه “الحدود أمانة والجيش السوري كفيل فيها”، ليحصد نحو 200 ألف مشاهدة خلال وقت قصير.

ولم يُظهر البحث العكسي عن هذا المقطع أي تداول سابق له بصورته الكاملة، لكن جودة التصوير والسياق الذي رافق تداوله أثارا شكوكا بشأن مصداقيته، لا سيما مع عدم صدور أي إعلان رسمي من دمشق بشأن استنفار أو تحشيدات عسكرية على الحدود مع العراق.

نتائج البحث العكسي على المقطع المتداول حديثا عبر أداة البحث المرئي (غوغل لينس).
نتائج البحث العكسي على المقطع المتداول حديثا عبر أداة البحث المرئي (غوغل لينس).

وأمام هذا الغموض، استخدمت وحدة المصادر المفتوحة أداة “بيم آيز” (PimEyes)، وهي محرك بحث متخصص في التعرف على الوجوه، يتيح رفع صورة لشخص والبحث في الإنترنت عن صور أخرى تحمل الملامح ذاتها، اعتمادا على تحليل خوارزمي لملامح الوجه ومطابقتها بقاعدة بيانات ضخمة من الصور المفهرسة على مواقع ومدونات.

فحص لقطة من المقطع المتداول عبر محرك بحث متخصص في التعرف على الوجوه
فحص لقطة من المقطع المتداول عبر محرك بحث متخصص في التعرف على الوجوه (بيم آيز)

وأفضت عملية الفحص إلى نتيجتين لافتتين: الأولى أظهرت الشخص الظاهر بمقطع الحافلة في صورة تعود إلى 16 أكتوبر/تشرين الأول 2019، وتشير بياناتها إلى أنها التُقطت لمقاتلين من “فصيل جيش الإسلام” قبيل توجههم نحو مدينة عين العرب (كوباني) على بُعد نحو 160 كيلومترا عن محافظة حلب ضمن عملية “نبع السلام” لتحريرها من قوات سوريا الديمقراطية (قسد).

النتيجة الأولى للبحث عبر أداة التعرف على الوجوه.
النتيجة الأولى للبحث عبر أداة التعرف على الوجوه.

 

تطابق النتيجة مع لقطة من الفيديو المتداول للشخص نفسه.
تطابق النتيجة مع لقطة من الفيديو المتداول للشخص نفسه.

أما النتيجة الثانية، فقادت إلى مواقع عدة نشرت صورة مأخوذة من المقطع المتداول نفسه ولكن بتاريخ 18 و19 أكتوبر/تشرين الأول 2019، وهو ما يؤكد بشكل قاطع أن المقطع سبق تصويره قبل أكثر من 6 أعوام، ولا صلة له بأي تطورات راهنة على الحدود السورية العراقية.

ويُلاحَظ ظهور شعار “جيش الإسلام” على الصورة القديمة، مما يرجح أنه مقطع أرشيفي.

لقطة أرشيفية قديمة مأخوذة من المقطع المتداول نفسه.
لقطة أرشيفية قديمة مأخوذة من المقطع المتداول نفسه.

استنفار عراقي مضاد

وفي سياق مواز، رصدت الوحدة انتشار مقطع ثالث جرى تداوله على أنه يوثق حالة استنفار أمني عراقي كبيرة عند الحدود مع سوريا، مع الحديث عن تعزيزات كبيرة للجيش العراقي قرب المنطقة الحدودية، جاءت -بحسب الرواية المتداولة- ردا على التحشيدات السورية المزعومة على الحدود.

لكن التحقق بالبحث العكسي كشف أن هذا المقطع أيضا مضلل وقديم، إذ سبق نشره بتاريخ 6 ديسمبر/كانون الأول 2024، أي قبل أيام قليلة من سقوط نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد في سياق تحشيدات حينئذ على الحدود السورية العراقية.

الموقف الرسمي العراقي

ولم تكن هذه التوترات بمعزل عن رد رسمي عراقي، إذ أكد قائد قوات الحدود العراقية محمد عبد الوهاب السعيدي -أمس الثلاثاء- أن الوضع على الحدود مع سوريا طبيعي، وأن التحركات المسجلة في الجانب السوري لضبط الحدود تجري بعلم القوات العراقية وبالتنسيق معها.

ونفى السعيدي في تصريحات لوكالة الأنباء العراقية (واع) وجود أي تهديد حالي على الحدود، مشيرا إلى أن “هناك تبادلا وتنسيقا للمعلومات مع قوات الحدود السورية”، وأوضح أن “القطعات تمسك الحدود بقوة، والجانب السوري لم يشغّل المخافر الحدودية حتى الآن”.

إعلان

وبذلك يكشف التحقيق أن الادعاءات المتداولة بشأن استنفار عسكري سوري عراقي على الحدود المشتركة تستند بمجملها إلى مقاطع فيديو قديمة أعيد توظيفها خارج سياقها الزمني والجغرافي الأصلي لتصوير مشهد ميداني متصاعد لا يستند إلى أي تأكيد رسمي، في وقت ينفي فيه المسؤولون العراقيون وجود أي مؤشرات على توتر فعلي عند الحدود.

 

المصدر: الجزيرة