يتصاعد الجدل حول مستقبل الملاحة في مضيق هرمز مع تزايد المؤشرات على وجود تفاهمات غير معلنة بين طهران وواشنطن لتنظيم عبور السفن، بالتزامن مع عمليات تشويش إلكتروني واسعة وحشود بحرية غربية متزايدة في الخليج وخليج عدن.
وتأتي هذه التطورات وسط مخاوف دولية من تحول الإجراءات الإيرانية الجديدة في المضيق إلى واقع دائم، خاصة بعد إعلان الحرس الثوري استمرار عبور السفن وفق آليات تنسيق ورسوم خاصة، في وقت تتواصل فيه المساعي الدبلوماسية لمنع انهيار المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة.
وقال الزميل محمد رمال إن الرواية الإيرانية تتحدث عن تراجع حالة الشلل الملاحي في مضيق هرمز، مع ارتفاع عدد السفن التي تعبر ما تسميه طهران “منطقة السيطرة الذكية” الخاضعة لإشراف الحرس الثوري الإيراني.
وأوضح عبر الشاشة التفاعلية أن الحرس الثوري أعلن خلال الساعات الماضية مرور 25 ناقلة وسفينة عبر المضيق، بعد إعلان سابق عن عبور 35 سفينة في اليوم الذي سبقه، وفق قواعد جديدة تفرض التنسيق المسبق مع السلطات الإيرانية.
وأشار رمال إلى أن القيادة المركزية الأمريكية لم تنفِ هذه الأرقام، بل تحدثت فقط عن اعتراض 97 سفينة خلال فترة الحصار البحري ككل، دون الإشارة إلى اعتراضات حديثة، وهو ما يعزز الحديث عن تفاهمات غير معلنة لتنظيم المرور البحري.
وكانت صور أقمار صناعية حصلت عليها وحدة المصادر المفتوحة بالجزيرة قد أظهرت سابقا احتشاد نحو 240 سفينة في مياه الخليج قرب المضيق، عقب إعلان إيران إنشاء “هيئة مضيق الخليج الفارسي” وإقرار منطقة بحرية خاضعة لسيطرتها.
تفاهمات خفية غامضة
وفي قراءة للمشهد العسكري، قال الخبير بالشؤون الإستراتيجية والأمن البحري اللواء محمد عبد الواحد إن المنطقة تشهد “استقرارا حذرا” خلال الساعات الأخيرة، لكنه يبقى قابلا للانفجار في ظل التوتر السياسي والاقتصادي والعسكري القائم.
وأضاف أن إيران تحاول فرض وقائع جديدة في المضيق عبر اشتراط الحصول على إذن مسبق ودفع رسوم للعبور، معتبرا أن هذه الإجراءات تمثل تحديا مباشرا لقواعد حرية الملاحة واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982.
ويرى عبد الواحد أن استمرار عبور السفن رغم القيود الإيرانية يشير إلى وجود “تفاهمات غامضة” بين طهران وواشنطن، تُدار بعيدا عن الاتفاقات الرسمية، بهدف منع الوصول إلى ذروة أزمة قد تهدد الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.
ويأتي ذلك بينما تتصاعد المخاوف الدولية من اضطراب إمدادات النفط، خاصة مع اعتماد جزء كبير من التجارة العالمية على المضيق الذي يمر عبره نحو خمس صادرات النفط العالمية، إضافة إلى شحنات الغاز القادمة من الخليج.
وفي موازاة المواجهة البحرية، تتسع دائرة الحرب السيبرانية والإلكترونية في المنطقة، إذ أظهرت بيانات تتبع الملاحة الجوية والبحرية تصاعد عمليات التشويش في الخليج، خاصة على أنظمة الملاحة والأقمار الصناعية وأجهزة التتبع البحري.
تصعيد سيبراني متسارع
وأوضح رمال أن خرائط التشويش أظهرت نقاطا حمراء في مناطق بحرية وبرية تشير إلى مستويات مرتفعة من التشويش، تستهدف عادة المسيّرات وأنظمة التوجيه البحري، في وقت بدت فيه الأجواء الإيرانية شبه مغلقة أمام حركة الطيران المدني.
بدوره، قال اللواء عبد الواحد إن الحرب الجارية لم تعد عسكرية فقط، بل باتت تشمل حربا سيبرانية ونفسية متكاملة، موضحا أن التشويش يتيح إخفاء حركة السفن داخل الممرات الضيقة ويعقّد قدرة واشنطن على مراقبة الملاحة بشكل كامل.
وأضاف أن الطبيعة الجغرافية للخليج، ووجود آلاف القوارب الصغيرة وسفن الخدمات النفطية، يجعل من الصعب على القوات الأمريكية فرض سيطرة شاملة على الحركة البحرية، خاصة مع استمرار عمليات التشويش الإلكتروني.
وفي خليج عدن، تتزايد المخاوف الأمنية بالتزامن مع تسجيل حوادث اقتراب زوارق مسلحة من ناقلات تجارية قرب جزيرة سقطرى، وهي حوادث قالت هيئة التجارة البحرية البريطانية إنها تكررت خلال اليومين الماضيين.
ويرى عبد الواحد أن التركيز الإعلامي على هذه الحوادث يمنح مبررا لتوسيع الوجود العسكري الأوروبي في المنطقة، مشيرا إلى انقسام أوروبي بين دول تدفع نحو تشكيل قوة بحرية أوسع، وأخرى تتحفظ خشية التورط في مواجهة مباشرة.
وأوضح أن بريطانيا وفرنسا تميلان إلى تعزيز الوجود العسكري البحري، بعدما دفعت لندن بمدمرات بحرية وأرسلت باريس حاملة طائرات ومجموعة قتالية، بينما تبدو ألمانيا وإيطاليا أكثر حذرا تجاه الانخراط الكامل في التصعيد.
المصدر: الجزيرة