العلاقة بين الشهية والمرض غالبا ما تكون عكسية؛ فعند الإصابة بنزلات البرد والإنفلونزا، يلاحظ كثير من الناس تغيرا واضحا في علاقتهم بالطعام. تقل الرغبة في الأكل فجأة، وقد تتحول الشهية نحو أطعمة محددة دون غيرها؛ فيشتاق المريض إلى طبق حساء دافئ أو كوب شاي بالأعشاب، بينما يرفض جسمه كل ما اعتاد عليه من وجبات دسمة.
هذه التغيرات ليست مجرد عرَض جانبي عابر أو نزوة عشوائية، بل هي جزء من طريقة عمل الجسم وهو يحافظ على طاقاته لمواجهة العدوى واستعادة توازنه. فهم هذه الرسائل والاستجابة لها بذكاء قد يكون الفارق الحقيقي بين تعاف سريع وأيام مرض ممتدة.
اقرأ أيضا
list of 4 items
end of list
لماذا تتغير شهيتك أثناء المرض؟
عندما يواجه الجسم فيروسا، تنشط منظومة المناعة بشكل مكثف، وتتحول نسبة كبيرة من الطاقة المتاحة لدعم هذه المواجهة الداخلية. وأثناء هذه العملية تفرز خلايا المناعة مواد كيميائية تعرف باسم السايتوكينات (Cytokines)، وهي إشارات تنبه الجسم إلى وجود خطر، وتساعد على رفع درجة الحرارة لتهيئة بيئة أقل ملاءمة لتكاثر الفيروسات.
في هذه المرحلة يبطئ الجهاز الهضمي نشاطه نسبيا، لأن الجسم يعيد توزيع موارده ، فلا يستهلك طاقة كبيرة في هضم وجبات ثقيلة بينما تتركز أولويته في دعم الاستجابة المناعية. وهذا ما يفسر شعور كثير من المصابين بثقل المعدة أو ضعف الشهية أثناء المرض.
وتشير دراسة نشرت عام 2020 في المجلة البريطانية لعلم الأدوية (British Journal of Pharmacology) وأجريت بمشاركة باحثين من جامعة مانشستر إلى أن التحكم في الشهية يتأثر مباشرة بإشارات يرسلها الدماغ أثناء المرض، إذ يعد فقدان الشهية أحد المظاهر الأساسية لما يعرف بسلوك المرض، رغم أن الجسم يكون في حاجة مرتفعة إلى الطاقة لدعم الاستجابة المناعية.
وتوضح الدراسة أن الالتهاب يغير عمل الدوائر العصبية المنظمة للجوع، مما يؤدي إلى انخفاض الشهية وحدوث خلل مؤقت في توازن الطاقة داخل الجسم.
لكن انخفاض الشهية لا يعني أن الجسم لم يعد بحاجة إلى الغذاء، بل يشير إلى حاجته إلى نمط مختلف من التغذية: كميات أصغر، سهلة الهضم، وتوفر طاقة تدريجية ومستقرة، بدلا من وجبات كبيرة قد تثقل الجهاز الهضمي وتستهلك طاقة يحتاجها الجسم لدعم جهاز المناعة وتسريع التعافي.
التوقيت أهم من الكمية
من الأخطاء الشائعة التي يقع فيها كثيرون، سواء المرضى أنفسهم أو ذووهم، الاعتقاد بأن المريض يجب أن يجبر نفسه على تناول وجبات كاملة وكبيرة لاستعادة طاقته.
وفي الواقع، فإن توزيع الطعام على فترات قصيرة أثناء اليوم يكون في الغالب أكثر فائدة وأرحم للجسم. إن توزيع الطعام كل ساعتين أو ثلاث ساعات يساعد الجسم على الحفاظ على مستوى ثابت من الطاقة دون أن يجهد جهازه الهضمي أو يضيف إليه عبئا إضافيا.

الأطعمة اللينة تأتي في مقدمة ما يوصي به الخبراء في هذه المرحلة: الحساء بأنواعه، والخضروات المطهوة التي فقدت صلابتها وأصبحت سهلة البلع والهضم، والفاكهة الطازجة كالموز والتفاح المبشور. هذه الأطعمة تمنح الجسم دعما تدريجيا حقيقيا دون أن تزيد من الشعور بالغثيان أو التعب، وهو ما يجعلها الخيار الأمثل في أيام المرض.
السوائل: ليست مجرد عنصر مساعد
يميل كثيرون إلى اعتبار شرب السوائل أثناء المرض خطوة ثانوية أو إجراء مكملا فقط، لكن الحقيقة أن الترطيب له دور أساسي في دعم قدرة الجسم على التعافي، فالسوائل لا تعوض فقط ما يفقده الجسم بسبب الحمى أو التعرق، بل تؤثر مباشرة على كفاءة الجهاز المناعي ووظائفه الحيوية.
يساعد الحفاظ على مستوى مناسب من الماء في تقليل لزوجة المخاط في الجهاز التنفسي، مما يسهل عملية التنفس ويخفف الاحتقان، ويساهم في التخلص من الإفرازات بكفاءة أكبر.
تشير دراسة هندية أجريت عام 2024 ونشرت في مجلة رابطة الأطباء الهندية (Journal of the Association of Physicians of India) إلى أن الجفاف، حتى وإن كان بسيطا أو غير مصحوب بالإسهال، يؤثر مباشرة على الطاقة وكفاءة الجهاز المناعي.
وتؤكد الدراسة على أهمية الترطيب الكافي مع تناول المغذيات الدقيقة الأساسية مثل فيتامينات سي وإيه، والزنك والسيلينيوم لدعم المناعة وتقليل شدة العدوى وتعزيز التعافي.

ويظل الماء الخيار الأمثل دائما، ويمكن دعمه بمشروبات دافئة خفيفة مثل الأعشاب الطبيعية كالزنجبيل والبابونج والنعناع، أو العصائر الطازجة غير المحلاة.
ومن الضروري تجنب المشروبات الغنية بالسكر، لأن الإفراط فيها قد يقلل من كفاءة الاستجابة المناعية، كما تسهم السوائل في تخفيف أعراض شائعة مثل التهاب الحلق والصداع الناتج عن الجفاف، وتساعد الجسم على الحفاظ على توازنه الحيوي طوال فترة التعافي.
الفيتامينات والمكملات الغذائية
في الوقت الذي يلجأ فيه كثيرون إلى المكملات الغذائية فور ظهور أولى أعراض البرد، فإن الأولوية ينبغي أن تبقى دائما للمصادر الغذائية الطبيعية، لأنها توفر مزيجا متكاملا من الفيتامينات والمعادن والعناصر النباتية الداعمة للمناعة بصورة أكثر فاعلية وتوازنا.
فالفواكه والخضروات الملونة مثل البرتقال والفلفل الأحمر والسبانخ والطماطم تمد الجسم بفيتامينات أساسية مثل “إيه” و”بي” و”سي”، إلى جانب معادن مهمة كالحديد والمغنيسيوم، وهذه العناصر يحتاجها الجسم خلال مقاومة العدوى.
كما أن لفيتامين “دي” دورا محوريا في دعم كفاءة الجهاز المناعي، ويمكن الحفاظ على مستوياته من خلال التعرض المعتدل لأشعة الشمس والتغذية المتوازنة، بينما قد يسهم الزنك في تقليل مدة الأعراض لدى بعض الأشخاص إذا تم تناوله مبكرا، لكنه لا يغني عن الراحة الكافية والغذاء الصحي المتوازن.

استجب لجسمك ولا تقاومه
ثمة قاعدة ذهبية يمكن اختزال كل ما سبق فيها: الاستماع إلى إشارات الجسم وفهمها بدلا من مقاومتها أو تجاهلها. فحين يرفض جسمك الوجبة الدسمة ويطلب الحساء الخفيف، فهو لا يدلل نفسه، بل يرسل رسالة واضحة عن احتياجاته الفعلية. وحين تشعر بأن قطعة البرتقال أو الزبادي البارد يريح معدتك أكثر من أي شيء آخر، فثق بهذا الإحساس واتبعه.
تغير الشهية أثناء نزلات البرد ليس مجرد صدفة، بل هو جزء من استجابة الجسم البيولوجية لمواجهة العدوى. الاستجابة بوعي لهذه الإشارات عبر اختيار أطعمة مناسبة وتقسيم الوجبات والحفاظ على الترطيب وتجنب الإفراط في المكملات، يجعل تجربة المرض أقل إرهاقا وأكثر فعالية.
الغذاء لا يعالج البرد مباشرة ولا يقضي على الفيروسات بمفرده، لكنه يوفر البيئة الداخلية المثلى التي تحتاجها الخلايا المناعية للعمل بكفاءة أكبر.
ولهذا، تصبح الاختيارات الغذائية الصغيرة في أيام المرض، حتى وإن بدت هامشية، مؤثرة بشكل ملموس على الشعور بالراحة وسرعة العودة إلى الحياة الطبيعية.
المصدر: الجزيرة