بعد يوم من إعلان إسرائيل مسؤوليتها عن قصف مطار أبو الظهور السوري، أجرى رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير -أمس الأربعاء- زيارة لقواته الموجودة بالمنطقة العازلة التي تسيطر عليها إسرائيل جنوب سوريا.
وقال الجيش الإسرائيلي في بيان إن رئيس الأركان أجرى “جولة ميدانية برفقة قادة بالجيش” جنوب سوريا، حيث عقد “مشاورات لتقدير الوضع”.
اقرأ أيضا
list of 2 items
end of list
ونقل البيان عن زامير قوله “نعمل في جبهات متعددة تتغير فيها التحديات وسوريا واحدة منها” وأضاف” “نرصد ما يجري في سوريا والتغييرات المستمرة ويجب أن نستعد لذلك”.
وتبرز زيارة زامير إلى جنوب سوريا كمحطة جديدة ضمن مسار ممتد من التوغلات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، في ظل استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي وتعزيز مواقعه في المنطقة.
وكشف تحليل للجزيرة استند إلى صور الأقمار الصناعية وخرائط عن تحول جذري في الوجود الإسرائيلي جنوب سوريا عقب سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024.

وتجاوزت قوات الجيش الإسرائيلي خط “ألفا” الذي يمثل الحد الفاصل بين الأراضي التي تحتلها إسرائيل والمنطقة العازلة، وتقدمت داخل الأراضي السورية وصولا إلى خط “برافو” الواقع في الجانب السوري من المنطقة العازلة، في خرق لاتفاقية فك الاشتباك الموقعة عام 1974.
وبحسب التحليل، بسط الجيش الإسرائيلي سيطرته على مساحة 235 كيلومترا مربعا داخل المنطقة العازلة، كما توغل بقواته في أكثر من 800 نقطة توغل في العمق السوري وصلت واحدة منها إلى مسافة 20 كيلومترا فقط من العاصمة دمشق.
توغل ثم تثبيت
تحول الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب سوريا من انتشار دفاعي مؤقت إلى هيكلية عسكرية وبنية تحتية دائمة، تجسد في فرض سيطرة مباشرة على منطقة عازلة موسعة وبناء شبكة تضم 9 قواعد ونقاط عسكرية ثابتة تتبع للواء 474، تمتد منظومتها من مرتفعات الشمال حتى القنيطرة ودرعا وصولا إلى الحدود الأردنية جنوبا.

وقد استهلت هذه التحركات بتجهيز قمة جبل الشيخ بين 10 و13 ديسمبر/كانون الأول 2024 كأولى القواعد وأكثرها أولوية إستراتيجية، نظرا لموقعها المرتفع الذي يوفر قدرة رصد مباشر تمتد من دمشق شرقا حتى خليج حيفا غربا.
ومع مطلع عام 2025، امتد تشييد شبكة القواعد بتتابع زمني سريع، إذ جهزت نقطة عسكرية غرب بلدة حضر بين 3 و10 يناير/كانون الثاني لتأمين الامتداد الشمالي للمنطقة العازلة، وتلتها نقطة ثانية جنوب غرب البلدة بين 7 و19 مايو/أيار لتكثيف الحضور الميداني في النطاق ذاته.
وفي القطاع الأوسط، أقيمت نقطة غرب جباتا الخشب بين 3 و20 يناير/كانون الثاني لتكون حلقة وصل بين التمركزات الشمالية والوسطى، بالتوازي مع إنشاء نقطة شمال الحميدية بين 1 و15 يناير/كانون الثاني لاستكمال السلسلة المتجهة جنوبا، إلى جانب نقطة أخرى أنشئت في قلب المنطقة العازلة قرب مدينة القنيطرة بين 10 و23 يناير/كانون الثاني. وجنوبا، شيدت نقطة جنوب القحطانية بين 6 و23 يناير/كانون الثاني لفرض سيطرة طولية على امتداد الشريط.

ولم يقتصر التثبيت العسكري على حدود المنطقة العازلة، بل امتد خارجها عبر تجهيز قاعدة عسكرية في تل الأحمر، وشق طريق صاعد نحو قمتها بين 1 و30 يناير/كانون الثاني للإشراف الميداني، فضلا عن إنشاء نقطة عسكرية أخرى بين 13 و27 يناير/كانون الثاني على بعد أقل من كيلومتر واحد من الحدود الأردنية، لتكتمل بذلك شبكة التمركز الدائم على طول الجبهة الجنوبية.
وفي أعقاب هروب بشار وسقوط نظامه في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، سجل جنوب البلاد تحولا ميدانيا لافتا تمثل في توغل عسكري إسرائيلي داخل المنطقة العازلة في هضبة الجولان، في خرق لاتفاقية فك الاشتباك الموقعة عام 1974.

وتاريخيا، كانت إسرائيل قد سيطرت على هذه القمة خلال حرب عام 1967 قبل أن تستعيدها القوات السورية في حرب عام 1973.
ويمنح الموقع المرتفع لجبل الشيخ قدرة واسعة على الرصد والمراقبة تمتد من محيط العاصمة دمشق، التي تبعد نحو 60 كيلومترا شرقا، وصولا إلى خليج حيفا على البحر المتوسط غربا، كما تتيح مرتفعات الجولان الإشراف على وادي نهر الأردن والجليل غربا، وعلى المداخل الشرقية المؤدية إلى دمشق، مما يفسر القيمة العسكرية للموقع ضمن أي ترتيبات ميدانية طويلة الأمد.
وتبين الخريطة المرفقة الحدود الدولية بين سوريا وإسرائيل وحدود المنطقة العازلة، إلى جانب التحصينات الدفاعية التي شرع الجيش الإسرائيلي في إنشائها منذ أغسطس/آب 2024، والمتمثلة في ساتر ترابي يتبعه خندق دفاعي.
وبحلول 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، بلغ طول هذه التحصينات نحو 14 كيلومترا، وكانت معظمها حتى ذلك التاريخ تقع داخل الجانب الإسرائيلي من الحدود.
التمدد داخل سوريا
تحول الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب سوريا عقب سقوط الأسد من انتشار دفاعي مؤقت إلى هيكلية عسكرية وبنية تحتية دائمة، حيث تجاوزت القوات الإسرائيلية خط “ألفا” لتفرض سيطرتها المباشرة على منطقة عازلة موسعة تقارب مساحتها 235 كيلومترا مربعا، وكان أبرزها الاستحواذ على قمة جبل الشيخ ذات الأهمية الإستراتيجية في الرصد والمراقبة.
ويجسد هذا التمدد الميداني في إنشاء شبكة تضم 9 قواعد ونقاط عسكرية ثابتة تمتد من مرتفعات الشمال وحتى محافظتي القنيطرة ودرعا والحدود الأردنية جنوبا، بالتوازي مع مضاعفة أطوال التحصينات والخنادق الدفاعية لتتجاوز 32 كيلومترا وبعمق وصل إلى 1200 متر داخل الأراضي السورية.
ولم يكتف جيش الإحتلال بتثبيت هذه القواعد، بل دعمها بإنشاء مدرجات للمروحيات، وشبكات كهرباء، وشق طرق عسكرية محورية لتسهيل التحركات والإمداد، مع تعمد تجريف الأراضي الزراعية وإزالة الغطاء النباتي حول المواقع وعلى جانبي المحاور الرئيسية لتعرية المنطقة وتوسيع نطاق الرؤية، مما ينقل الوجود العسكري من مجرد ترتيبات أمنية عابرة إلى فرض واقع جغرافي وأمني طويل الأمد.
توغلات برية خارج المنطقة العازلة
تنفذ القوات الإسرائيلية نمطا ميدانيا مرنا يمكن وصفه بـ”السيطرة دون إعلان” حيث تتجاوز حركتها حدود المنطقة العازلة وخط “ألفا” عبر توغلات برية متكررة وعميقة داخل العمق السوري دون فرض احتلال رسمي أو تثبيت إداري معلن.
وتوثق بيانات منظمة “أكليد” (ACLED) تسجيل أكثر 800 نقطة توغل بري منذ سقوط الأسد وحتى يناير/كانون الثاني الماضي، وحواجز تفتيش مؤقتة. وقد بلغت هذه التحركات أعماقا إستراتيجية بارزة، كالتوغل بعمق 63 كيلومترا داخل حرش الجبيلية بريف درعا في أبريل/نيسان 2025، والتقدم بعمق 34 كيلومترا باتجاه مدينة الكسوة بريف دمشق على بعد 20 كيلومترا فقط من العاصمة، إضافة إلى الوصول لمسافة 22 كيلومترا من مدينة السويداء، مما يمنح الجيش الإسرائيلي قدرة على فرض سيادة عملياتية وتأثير أمني مباشر يشكل الواقع الميداني للحدود وفق احتياجاته العسكرية.
وقالت منظمة “أكليد” إن الجيش الإسرائيلي نفذ في مايو/أيار 2026 وحده 84 توغلا بريا في جنوب سوريا، لا سيما في محافظتي درعا والقنيطرة، شملت دوريات يومية ونقاط تفتيش مؤقتة وعمليات تفتيش روتينية للسكان المحليين.
تحصينات جديدة جنوبي سوريا
كشفت صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية إنجاز الجيش نسبة 80% من أعمال حفر الخنادق ضمن مشروع “الشرق الجديد” على طول المنطقة العازلة من مجدل شمس وحتى حوض اليرموك بريف درعا جنوبي سوريا.
وأوضح مراسل الصحيفة -الذي أجرى جولة برفقة ضابط رفيع من القيادة العسكرية الشمالية في الجولان- أن العمل في حفر الخنادق تأخر أكثر من المتوقع، بعد مرور عامين من بدء العمل في مشروع “الشرق الجديد” مضيفا أن المشروع “يهدف إلى تحصين منطقة الحدود الإسرائيلية السورية بأكملها باستخدام خنادق بعمق وعرض 4 أمتار وسدود ترابية عالية”.
ولفت إلى أن الأدوات الهندسية تُستخدم أيضا لتسوية البنى التحتية المسلحة في القطاع اللبناني المجاور، مشيرا إلى أنه “يمكن رؤية المشهد الجديد المصاحب للسياج، وهو عبارة عن نظام من الخنادق العميقة المحصنة، المصممة أيضا لعرقلة وتأخير دخول القوات المعادية إلى الأراضي الإسرائيلية سيرا على الأقدام”.
المصدر: الجزيرة