تُظهر الخريطة التفاعلية التي بثتها قناة الجزيرة ملامح انتشار عسكري أمريكي واسع النطاق حول إيران، في مشهد يعكس تصعيدا ميدانيا متدرجا يتقاطع مع تهديدات سياسية مباشرة بإمكانية اللجوء إلى ضربات محدودة إذا تعثرت المفاوضات النووية.
ويأتي هذا الحشد بعد تصريحات لافتة للمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف تحدث فيها عن استغراب الرئيس دونالد ترمب من عدم “استسلام” الإيرانيين رغم الضغوط والعقوبات والحضور العسكري المتنامي في محيطهم الإقليمي.
ووفق ما توضحه الخريطة، تتمركز حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” في بحر العرب، ترافقها مجموعة من المدمرات والسفن الداعمة ضمن ما يُعرف بالمجموعة الضاربة، وهي تشكيل بحري قتالي متكامل قادر على تنفيذ عمليات هجومية ودفاعية في آن واحد.
وتحمل “لينكولن” على متنها نحو 80 طائرة بين مقاتلات ومروحيات، مما يمنحها قدرة عالية على تنفيذ ضربات جوية بعيدة المدى، وتأمين غطاء جوي للقوات البحرية، فضلا عن مهام الاستطلاع والمراقبة والدعم اللوجيستي.
ولا يقتصر الانتشار البحري على بحر العرب، إذ تشير الخريطة إلى وجود قطاعات عسكرية قرب مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة عالميا، إضافة إلى مدمرات أمريكية قبالة شواطئ إسرائيل، في توزيع يعكس تعدد محاور التموضع.
وفي انتظار اكتمال هذا الحشد، عبرت حاملة الطائرات “جيرالد فورد” مضيق جبل طارق متجهة نحو شرق البحر المتوسط، في خطوة تعزز الوجود البحري الأمريكي وتُقرّب واشنطن من تشكيل قوة مزدوجة من حاملتي طائرات في الإقليم.
نقلة تكنولوجية
وتُعد “جيرالد فورد” من أحدث حاملات الطائرات الأمريكية وتمثل نقلة تكنولوجية في قدرات الإقلاع والهبوط السريع للطائرات، مما يرفع وتيرة الطلعات الجوية ويضاعف القدرة العملياتية مقارنة بالأجيال السابقة من الحاملات.
وبوصول “فورد” خلال أيام، يُتوقع أن يكتمل أحد أكبر أشكال الانتشار البحري الأمريكي في المنطقة منذ سنوات، خاصة مع ما يرافق الحاملتين من مدمرات وسفن دعم برمائية وسفن إمداد، بما يشكل ما يشبه “أرمادا” بحرية متكاملة.
إلى جانب الحشد البحري، تكشف الخريطة عن انتشار جوي واسع لطائرات مقاتلة من طرازات “إف-35″ و”إف-15” و”إف-16″، موزعة على قواعد في الشرق الأوسط وأوروبا، مما يمنح واشنطن مرونة في إعادة التموضع السريع عند الحاجة.
كما تتمركز في بريطانيا أسراب من طائرات “إف-22 رابتور”، وهي من أكثر المقاتلات تطورا في العالم، ولم تتجه بعد إلى المنطقة، مما يترك الباب مفتوحا أمام تعزيز إضافي إذا ما تقرر تصعيد عسكري.
ويمتد هذا الانتشار إلى شبكة قواعد أمريكية في أوروبا، من اليونان إلى إسبانيا وألمانيا، حيث تُعد قاعدة رامشتاين إحدى أكبر القواعد الأمريكية خارج الأراضي الأمريكية، وتؤدي دورا محوريا في الإمداد والدعم العملياتي.
عمق إستراتيجي
وتُظهر الخريطة أن هذا الامتداد الجغرافي يمنح الولايات المتحدة عمقا إستراتيجيا في حال اندلاع مواجهة، إذ يمكن نقل العتاد والقوات جوا وبحرا عبر مسارات متعددة، بما يقلل من مخاطر الاعتماد على محور واحد.
وتبرز في هذا السياق قاعدة “دييغو غارسيا” في المحيط الهندي بوصفها نقطة ارتكاز لوجيستية وعسكرية مهمة يمكن أن تُستخدم في حال تنفيذ عمليات ضد إيران نظرا لموقعها الذي يتيح الوصول إلى مسارح عمليات واسعة.
بيد أن استخدام هذه القاعدة يواجه تعقيدات سياسية، إذ تتبع أرخبيل تشاغوس الخاضع لسيادة موريشيوس، وكانت بريطانيا قد سلّمت السيادة عليه بموجب اتفاق مع استمرار ترتيبات تسمح لها باستخدام القاعدة.
وتشير تقارير إلى أن لندن أبدت تحفظا على استخدام القاعدة في أي هجوم محتمل على إيران، مما دفع واشنطن إلى التحرك دبلوماسيا عبر إرسال وفد من وزارة الخارجية إلى موريشيوس لبحث المسألة مع السلطات هناك.
وفي موازاة هذا الحشد، تتواصل المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران في جنيف، وسط توقعات باستئنافها خلال أيام، في وقت لا تزال فيه الهوة واسعة بين الطرفين بشأن ملف تخصيب اليورانيوم وبرنامج الصواريخ.
وتشترط الولايات المتحدة وقف التخصيب على الأراضي الإيرانية، بينما تؤكد طهران تمسكها بحقها في تطوير برنامج نووي سلمي، وترفض إدراج قدراتها الصاروخية ضمن أي اتفاق جديد، مما يعقد فرص التوصل إلى تسوية سريعة.
وتخلص الخريطة التفاعلية إلى أن الانتشار الأمريكي رغم اتساعه وتقدمه لم يكتمل بعد، مما يعني أن المشهد لا يزال مفتوحا على احتمالات متعددة، بين اتفاق يُجنب المنطقة مواجهة، أو تصعيد قد يعيد رسم خرائط الاشتباك في الشرق الأوسط.
المصدر: الجزيرة