“خشيت أن أترك ابنتي”.. مصرية تروي رحلتها مع سرطان الثدي

القاهرة- كانت حياة نجوى السيد بعد التقاعد من الوظيفة الحكومية تمضي بإيقاع هادئ، تصنع سعادتها من تفاصيل صغيرة؛ ترعى ورودها وزرعاتها في شرفة المنزل، وتذهب إلى النادي برفقة صديقاتها، وتستمتع بمجالسة أحفادها، والقيام ببعض الرحلات القصيرة.

حياة دافئة لم تتخيل أن يبدد هدوءها إحساس بكتلة في ثديها يقودها إلى “مواجهة وحش مرعب طالما سمعت به، وهو سرطان الثدي”.

قصص مقترحة

list of 2 items

  • list 1 of 2بسبب محمد صلاح.. طرابزون سبور يحرج حسام حسن والاتحاد المصري
  • list 2 of 2في مواجهة إسرائيل.. ماذا تفعل تركيا ومصر في الصومال؟

end of list

تقول نجوى: “كنت بعيش لولادي وأحفادي، وكنت دائما مبسوطة وبعيش اليوم بيومه، وعمري ما تخيلت للحظة أني أُصاب بالسرطان”.

لم تكن تعرف أن عاما من الإنكار والخوف، وما تلاه من جراحة ورهبة من المرآة والعلاج، سيغير نظرتها إلى الحياة، ويكشف لها حجم الحب الذي يحيط بها وكذلك أدوارا يمكن أن تؤديها لخدمة أخريات في هذه الحياة.

خوف وإنكار

قبل نحو عام من التشخيص، بدأت نجوى تشعر بوجود ورم في ثديها، خاصة عندما تستلقي على فراش النوم أو تلامس يدها موضع ألم طفيف. ورغم شعورها أحيانا بأن حجمه كبير، كانت تتمسك باحتمال أن يكون حميدا.

تقول: “كنت بكذب نفسي، وبقول أكيد ورم ليفي بسيط وسيذهب من تلقاء نفسه”. لم تكن تشعر بأعراض أخرى، لكنها كانت تخشى زيارة الطبيب أكثر مما تخشى مواجهة الاحتمال الذي يطاردها.

وتضيف: “كنت خائفة من الذهاب إلى الطبيب حتى لا أسمع أي كلمة تخوفني، وفي نفس الوقت مستحيل أتخيل أن يكون عندي كانسر بجد”.

لم يكن خوفها على نفسها هو ما يؤخرها عن الكشف؛ كانت تفكر في ابنتها آية الفتاة العشرينية التي تتقاسم معها أدق تفاصيل الحياة اليومية، خاصة بعدما تزوج الابن الأكبر واستقل بحياته.

تقول نجوى: “كنت خايفة أسيب بنتي لوحدها في حياتها من غير ما أكون مطمنة عليها، وإحساس أن هذا المرض آخره موت لا فرار منه كان يزيد من الألم النفسي”.

لكن الصدفة دفعتها أخيرا إلى المواجهة، بعدما خضعت ابنتها لجراحة لدى طبيب قريب من العائلة، فنصح نجوى بالكشف في مستشفى بهية المتخصص في علاج سرطان الثدي.

إعلان

بدأت الابنة آية تسأل زملاءها عن طريقة الحجز، وظلت تحاول التواصل مع المستشفى أسبوعا كاملا حتى حصلت على موعد، لكنها اضطرت إلى الانتظار شهرا في قائمة الانتظار الطويلة.

Asian woman in a white shirt with a pink ribbon on the home. Breast cancer awareness
أكثر ما يؤلم المصابة بسرطان الثدي أنها أصبحت تحتاج إلى من يطمئنها (غيتي)

دخلت نجوى المستشفى متشبثة بأمل أن تثبت الفحوص أن الورم حميد، وبينما كانت ابنتها تنتظر خارج غرفة الفحص، لاحظت نجوى أنها تنتقل من مرحلة إلى أخرى، في حين كانت سيدات دخلن معها ينهين فحوصهن ويغادرن.

تقول نجوى: “كل ما كنت أجد أنني أنتقل من مرحلة لمرحلة في الفحص، يتسلل الخوف إلى قلبي وأشعر أن الموضوع أكبر مما كنت أتخيل”.

عندما طلبت الطبيبة المسؤولة عن الفحص في مستشفى بهية، من نجوى إجراء تحليل نهائي، قالت لها: “لازم تكوني راضية بقضاء الله”.

سحبت نجوى العينة في اليوم التالي، ثم انتظرت خمسة عشر يوما، وبعدها استدعاها المستشفى مع ابنتها لإعادة التحليل.

في البداية، اعتقدت أن النتيجة الأولى ربما كانت سلبية، وقالت لنفسها: “الحمد لله مفيش كانسر”، لكن الطبيب أوضح أن الأشعة تشير إلى شيء آخر، وأنه لا بد من التأكد من تطابق نتائج التحليل معها.

وبعد عينة جديدة وانتظار خمسة عشر يوما أخرى، جاء التشخيص الذي خشيت سماعه: “الورم خبيث، والجراحة ضرورية في أسرع وقت ممكن”.

عندما توقفت عقارب الساعة

تقول نجوى: “حينما سمعت كلمة كانسر، دخلت في بكاء شديد وانفصلت عن العالم من حولي وشعرت أن عقارب الساعة قد توقفت، الدكتور كان يتحدث، لكني لم أكن أسمعه”.

بينما كانت نجوى غارقة في الصدمة، تولت آية مهمة فهم التشخيص والاستفسار عن طبيعة الجراحة اللازمة، وما إذا كان الاستئصال كليا أم جزئيا، واحتمالات احتياج والدتها إلى جلسات العلاج “الكيميائي”.

لم تكتف نجوى وابنتها آية برأي طبيب واحد، بل استشارتا أكثر من ستة أطباء خارج المستشفى للاطمئنان إلى التحاليل والأشعة والقرار العلاجي.

تقول آية: “كنت أريد أن أتأكد من كل شيء، وأننا نسير في الطريق الصحيح، لأن القرار متعلق بماما، كنت محتاجة أكون مطمنة إننا بنعمل الصح”.

أما نجوى، فكان أكثر ما يؤلمها أنها أصبحت هي التي تحتاج إلى من يطمئنها، بعدما أمضت حياتها تحاول حماية ابنتها والاطمئنان عليها.

عادت نجوى إلى منزلها وهي تعرف أن الجراحة أصبحت أمرا لا مفر منه، توضأت وصلت ركعتين، ثم قضت ليلة طويلة في التفكير والخوف من العملية والعلاج، وخاصة جلسات “الكيميائي” التي دائما ما سمعت عن معاناة المرضى منه وآثاره على أشكالهم.

تقول: “لم أستطع في هذه الليلة النوم بسبب التفكير، ولم أكن قادرة على استيعاب أن جزءا من جسمي هيتم اقتطاعه واستئصاله، وكنت مرعوبة من المرض والعلاج والعملية، وخائفة جدا من جلسات الكيماوي”.

صبيحة يوم العملية، كان الابن الأكبر الذي يعمل في إحدى الدول الخليجية، قد عاد لتوه إلى القاهرة ليكون بجوار أمه في تلك اللحظات العصيبة، وقبل النزول من البيت والتوجه إلى المستشفى جلس الثلاثة نجوى وآية وإسلام يستعيدون الذكريات ويحاول الابنان تبديد إحساس الأم بالقلق والخوف عبر المزاح ورواية القصص المضحكة.

إعلان

قبل دخول غرفة العمليات، أوصت نجوى ابنها بأخته، وابنتها بأن تعتني بنفسها واشتد خوفها حتى اضطر الطبيب إلى تأجيل العملية قليلا إلى أن تهدأ.

تقول: “لحظة دخولي العمليات كانت من أصعب اللحظات اللي عشتها، رغم أني دخلت عمليات قبل ذلك، لكن المرة دي كنت خايفة على بنتي جدا، حتى إني قمت قبل الدخول إلى غرفة العمليات بالاتصال بعدد من الأقارب وزملاء آية وأصدقائها لأوصيهم بها وخاصة أن شعورا بأن هذه هي آخر اللحظات في الحياة كان يسيطر علي”.

الخوف من المرآة

خرجت نجوى من المستشفى بعد يومين من إجراء الجراحة، لكن الصراع النفسي استمر، فقد كانت تخشى الوقوف أمام المرآة، والنظر إلى موضع الجراحة، وتغمض عينيها حتى أثناء ذهابها أسبوعيا لتغيير الضمادة على الجرح.

تقول: “كنت خائفة من النظر لنفسي في المراية حتى لا أرى أن هناك جزءا من جسمي اقتطع، واستمر هذا الخوف يلاحقني أكثر من شهرين بعد الجراحة”.

مع مرور الوقت، بدأت نجوى تتأقلم مع جسدها بعد الجراحة، وتنتظر معرفة طبيعة العلاج الذي ستحتاج إليه في تلك المرحلة، وكان أكثر ما يخيفها احتمال الخضوع للعلاج الكيميائي، حتى أخبرها الطبيب بأن علاجها سيكون هرمونيا، ولن تحتاج إلى جلسات الكيميائي.

تقول نجوى: “وقتها فقط استعدت جزءا كبيرا من هدوئي واتزاني النفسي، لأني كنت أرى خلال وجودي في المستشفى المرضى الذين يتلقون جرعات الكيماوي كيف كان حالهم وشكلهم”.

بدأت نجوى العلاج الطبيعي، ومارست الرياضة تدريجيا، وعادت إلى الخروج والمشاركة في رحلات قصيرة نظمها مستشفى بهية مع صديقاتها من المحاربات.

لم تعد تريد أن تختصر حياتها في صورة مريضة تنتظر الفحص التالي، بل بدأت تستعيد تفاصيل الحياة التي افتقدتها.

وبعد نحو خمسة أشهر من استئصال الورم، قررت آية أن تمنح أمها هدية خاصة: رحلة إلى الحرمين الشريفين لأداء فريضة الحج.

رفضت نجوى الفكرة في البداية، مفضلة الاحتفاظ بالمال لتجهيز ابنتها، لكن آية وشقيقها أصرا على أن تكون الرحلة مكافأة لأمهما بعد ما مرت به من تجربة قاسية، وحرصت آية على التأكد من أن حالتها الصحية تسمح بالسفر، وسألت الطبيب عن الاحتياطات اللازمة، ثم رافقتها في الحج.

تقول نجوى: “بنتي قدمت لي على الحج، والحمد لله ربنا ما زعلنيش ووفقني في الإجراءات”.

من الخوف إلى الامتنان

تقول نجوى إن المرض غيّر أشياء كثيرة بداخلها، وجعلها أقرب إلى الله وأكثر تقديرا لمن وقفوا بجوارها في أصعب أيامها، مضيفة: “نهاية تجربتي مع سرطان الثدي إني اتقربت من ربنا، وعرفت كل اللي حواليا قد إيه بيحبوني، ولم أعد ألتفت كثيرا للأمور التي كانت تضايقني قبل تلك التجربة”.

رغم الزيارات الدورية للمستشفى لتلقي العلاج الهرموني وإجراء الفحوص الوقائية، فإن نجوى استعادت الكثير من حياتها الطبيعية ويومها الذي يبدأ في الصباح الباكر برعاية ورودها ونباتاتها التي تزرعها في شرفتها، قبل أن تتوجه لأداء الصلوات وقراءة ورد قرآني يومي تحرص عليه لتتابع بعدها ترتيب البيت وتجهيز طعام اليوم، ولا تزال أحلامها قائمة؛ فهي تتمنى أن ترى ابنها وأحفادها بخير، وأن تسعد ابنتها في حياتها.

ترى نجوى أيضا أن عليها دورا كبيرا بعدما منّ الله عليها بالتعافي، من خلال دعم النساء اللائي يخضن هذه الحرب وطمأنتهن إلى أن فرص كسب المعركة كبيرة جدا، وزرع الأمل في نفوسهن باعتبارها إحدى المحاربات المنتصرات.

من كلمة خافت مواجهتها “سرطان” كادت توقف حياتها، إلى الجراحة والمرآة التي خشيت النظر إليها، تغيرت حياة نجوى، لكنها لم تنته عند المرض. فقد اكتشفت أن الخوف قد يؤجل المواجهة، لكنه لا يلغي الحقيقة، وأن الحياة تستطيع أن تمنح الإنسان بداية جديدة بعد أقسى محطاتها.

 

المصدر: الجزيرة