تحذير: يحتوي التقرير على تفاصيل قد تكون مزعجة للبعض.
كان مهيب الكناني، البالغ من العمر 19 عاما، تاسع شخص يموت بداء الكلب في تونس منذ بداية هذا العام. وهذا أكبر عدد للوفيات بهذا الداء يسجل منذ عام 1992.
توفي مهيب منتصف شهر أغسطس/آب متأثرا بخدش قطة مصابة بداء الكلب (السعار) قبل خمسة أشهر.
وصفت الحكومة التونسية الوضع الوبائي لداء الكلب في تونس بالـ”خطير” وكثفت تحركاتها لمجابهته.
“لو كان قنص الكلاب حلا لما كنا وصلنا إلى هذه المرحلة، والحال أن السلطات تشن حملات القنص منذ سنوات” تقول سيرين بن سعد وهي ناشطة متطوعة في حماية الحيوانات وإنقاذها.
وتقول منظمة الصحة العالمية إن “إعدام الكلاب السائبة والجوالة في الشوارع لا يعد وسيلة فعالة لمكافحة داء الكلب”. وتؤكد أن “تلقيح الكلاب، هي الاستراتيجية الأعلى مردودية لوقاية الأشخاص من الإصابة بالداء”.
ومع رفض شريحة واسعة من المجتمع قنص الكلاب السائبة يبقى السؤال المطروح هو كيف يمكن القضاء على الخطر الذي تمثله هذه الفئة من الكلاب؟
قالت الطبيبة البيطرية صبرا شرقي لبي بي سي إن “تلقيح 70 بالمئة من الكلاب سنويا بالإضافة إلى التعقيم قد يؤدي إلى القضاء على الكلب في غضون أربع أو خمس سنوات”.
“قد يكون القتل الرحيم الحل الوحيد لتقليل العدد المهول للكلاب السائبة ولا سيما في هذا الوضع الذي وصلنا إليه وطبيعة هذه الكلاب التي قد يستحيل في أحيان كثيرة الإمساك بها. كما أننا لا نفتقر إلى الإمكانيات التي تسمح بتلقيح الكلاب عن بعد مثل الحيوانات البرية” تقول الدكتورة شرقي التي تعارض قنص الكلاب بشكل قاطع.
وينص الفصل 87 من مقترح قانون حماية الحيوان المقدم من مجموعة من النواب في البرلمان على منع البلديات أو أي جهات أخرى من قنص الكلاب السائبة، إلا إذا كان بصدد تهديد السلامة الجسدية للأشخاص.
“الكلاب السائبة ليست السبب الوحيد في انتشار داء الكلب”
بلقيس براهمي “أم لكلب وقط”، هكذا تصف علاقتها بهما، تحدثت لبي بي سي قائلة: “أستغني عن شراء حاجيات خاصة مقابل توفير ثمن لقاحهما في بعض الأحيان”.
لكن الكثير من أصحاب الكلاب في تونس لا يتعاملون مع مسؤولية تربية حيواناتهم بالجدية نفسها.
وحسب تصريح د. كوثر حرابش للإذاعة الرسمية “يتم تطعيم نحو 420 ألف كلب مملوك سنويا”. لكن هذا العدد لا يمثل جميع الكلاب المملوكة في تونس.
ويقترح مشروع قانون حماية الحيوان المقدم للبرلمان وجوب تلقيح الكلاب المملوكة ضد الكلَب وفرض عقوبة سجنية ومالية على كل من يتقاعس عن ذلك.
وجه آخر للأزمة هو التخلي عن الحيوانات الأليفة ورميها في الشارع، ما يزيد من أعداد الكلاب والقطط السائبة.
“إهمال الكلاب المملوكة سبب رئيسي في انتشار الكلب” كما قال النائب في البرلمان شكري البحري، أحد الموقعين على مقترح قانون حماية الحيوان، لبي بي سي.
وقالت أمينة الطريقي المتطوعة في جمعية حماية الحيوانات بتونس لبي بي سي إن “نسبة المقبلين على تبني كلاب وقطط من الجمعية تراجعت بشكل كبير إلى درجة الانعدام، بينما زاد عدد الحيوانات المتخلى عنها بعد انتشار الذعر من داء الكلب في الفترة الأخيرة”.
“تقصير السلطات قادنا إلى الأزمة الحالية”
حمل عدد من من تحدثنا إليهم من بينهم النائب شكري البحري مسؤولية الأزمة الحالية للسلطات.
“عدم معاقبة السلطات لمن يهمل تطعيم الكلاب أو يتخلى عنها هو ما أوصلنا إلى هذا الوضع” تقول سيرين بن سعد.
وتوفر السلطات في تونس تطعيمات مجانية للكلاب والقطط سنويا ضمن برنامجها لمكافحة الكلب.
وفي إطار جهود احتواء الأزمة الحالية، كثفت السلطات حملات التوعية بداء الكلب وضرورة تطعيم الكلاب والقطط. وفتحت وزارة الفلاحة مراكز إضافية للتطعيم. وكانت الوزارة قد قالت إنها “توفر 190 مركز تلقيح قار مجاني على مدار السنة”.
لكن الأمر لا يبدو بهذه الدقة والفعالية على أرض الواقع.
ريم بن حسين من مدينة سيدي بوزيد وسط البلاد، محبة للحيوانات تربي كلابا وقططا وتطعم قطط الحي أيضا ولم يغير الخوف المنتشر من عادتها هذه.
“مؤسف أن يكون قتل الحيوان بالرصاص بهذه السهولة بينما يصعب تطعيمه” تقول ريم.
في سيدي ثابت في العاصمة تونس، قالت أمينة الطريقي المتطوعة في جمعية حماية الحيوانات لبي بي سي: “في أحيان كثيرة لا يمكن الاتصال بالمراكز المحددة لتطعيم الحيوانات، وبعضها موجود فقط على القوائم؛ تتجه نحو الموقع لتكتشف أنه لا وجود لمركز تطعيم من الأساس.”
في مناطق مثل سمامة الجبلية وسط غرب البلاد حيث تعتبر الكلاب ضرورة حياتية لحماية البيوت والقطعان، يحتاج السكان بالتأكيد لتدخل من الدولة.
“الكلاب في منطقتنا تربت بطريقة تجعل الإمساك بها شبه مستحيل حتى من أصحابها، لذلك ليس من الممكن أن يأخذ السكان هذه الكلاب لمراكز التلقيح بأنفسهم” يقول عدنان الهلالي أصيل سفوح جبل سمامة لبي بي سي.
جار عدنان، علي عجرود الذي مازالت والدته وأخته تواظبان على التطعيم الوقائي بعد أن عضهما كلب قبل أسابيع، يقول لبي بي سي:
“في السابق كانت السلطات تأتي سنويا لتلقيح الكلاب في المنطقة، لكنها انقطعت منذ أكثر من عشر سنوات”.
راسلت بي بي سي وزارة الفلاحة في تونس طلبا للتعليق على هذه الاتهامات بالتقصير، لكننا لم نتلق ردا حتى الآن.
عض الكلب وردة وابنتها صالحة. أتى من دوّار مجاور، لا يعرفه أهل وردة في منطقة سمامة.
“عاد الكلب مساء لنفس المكان فقتلناه بالعصي والأحجار” قال على عجرود ابن وردة، لبي بي سي
“منذ عض الكلب أمي وأختي، عم الخوف القرية وهناك من قتل وسمم كلاب جيرانه” يقول علي.