في مقالها المنشور على موقع “ذا كونفرزيشن” عام 2025، كتبت الدكتورة منال محمد، المحاضرة الأولى في علم الأحياء الدقيقة بجامعة “وستمنستر” البريطانية، تقول: في طفولتي كانت والدتي تطلب من الجميع خلع الحذاء قبل دخول المنزل؛ وبمرور الوقت أدركت أن “الأمر لا يتعلق بالهوس بالنظافة، بل بالصحة والسلامة والحفاظ على نظافة منزلنا”.
فقد أشارت الأدلة العلمية المتزايدة، إلى أن خلع الأحذية قبل دخول المنزل، “يحمينا من مخاطر صحية خفية، بعضها يُهدد الحياة”؛ فغالبا ما تحمل الأحذية بكتيريا ومواد كيميائية سامة ومسببة للحساسية، يرتبط معظمها بمشاكل صحية خطيرة.
وفي عام 2024، صرح سوراب سيثي، أخصائي أمراض الجهاز الهضمي الذي تدرب في جامعتي هارفارد وستانفورد، لمجلة “نيوزويك” الأمريكية؛ أنه بدأ بتطبيق “سياسة صارمة لمنع الدخول إلى منزله بالأحذية”، خوفا من انتقال الجراثيم الضارة من المستشفى ومراكز الجراحة التي يعمل بها إلى المنزل؛ بالإضافة إلى ما تنقله الأحذية من ملوثات أخرى خارجية “قد تُشكل مخاطر صحية”.
وقال سيثي في مقطع فيديو على حسابه في إنستغرام: لتجنب المخاطر والحفاظ على بيئة منزلية صحية، وخصوصا على الأطفال الصغار الذين يلعبون على الأرض ويضعون كل شيء في أفواههم، “أنصح الجميع بخلع أحذيتهم قبل دخول منازلهم أو أي مسكن آخر”.

أرقام مرعبة عن تلوث الأحذية خارج المنزل
استشهد سيثي بدراسة أجراها الدكتور تشارلز جيربا، عالم الأحياء الدقيقة والأستاذ في جامعة أريزونا عام 2008، اختبر فيها الباحثون 26 حذاء تم ارتداؤها لمدة 3 أشهر، ووجدوا أعداد كبيرة من البكتيريا، “بلغ متوسطها 421 ألف وحدة بكتيرية على السطح الخارجي في 96% من الأحذية، وما يقرب من 3 آلاف وحدة على السطح الداخلي؛ من بينها بكتيريا معروفة بتسببها في التهابات الأمعاء والمسالك البولية، والتهاب السحايا، والإسهال، والتهابات الجهاز التنفسي”.
وأشارت الدراسة إلى “إمكانية انتقال البكتيريا عبر الأحذية الملوثة لمسافات طويلة، والوصول إلى منزلك أو مساحتك الشخصية”، كما تراوحت نسبة انتقال البكتيريا من الأحذية للأرضيات النظيفة “بين 90% و99%”.
وأرجع جيربا الانتشار الواسع لبكتيريا القولونيات والإشريكية القولونية على السطح الخارجي للأحذية (بنسبة 96%)، إلى التلامس المتكرر بأرضيات دورات المياه العامة، أو بآثار براز الحيوانات في الشوارع والحدائق والطرقات.
وأضاف قائلا: عندما يعود الناس إلى منازلهم بعد استخدام دورة المياه في العمل، فإنهم “ينقلون الجراثيم من نعال أحذيتهم إلى الأرضيات والسجاد، وإلى الأطفال الصغار الذين يزحفون على الأرض والسجاد الذي يُعدّ بيئة خصبة للبكتيريا”.
الأمر الأكثر إثارة للقلق
“الأحذية وسيلة شائعة لدخول الملوثات الرئيسية من البكتيريا الضارة، والمواد المسببة للحساسية، وحتى الرصاص إلى منزلك”، كما تقول الدكتورة كيلي رينولدز، أستاذة علم الأحياء الدقيقة في جامعة أريزونا.
لذا، لا تقتصر المخاطر على ما سبق ذكره فحسب، فقد أظهرت دراسة محكمة أجرتها جامعة هيوستن، شملت تحليلا لثلاثين منزل، ونُشرت نتائجها عام 2014؛ “وجود بكتيريا عسيرة مسببة للحمى والإسهال، بشكل شائع على نعال الأحذية، لا يقل عن أسطح الحمامات ومقاعد المراحيض”.
وأشارت دراسة أمريكية نُشرت عام 2016، إلى أن مواد منع التسرب الإسفلتية المستخدمة في الممرات والطرق تحتوي على مواد كيميائية مسرطنة، “يمكن أن تنتقل إلى داخل المنازل وتتراكم في غبارها، وأحيانا بمستويات أعلى بـ 37 مرة من مستوياتها في الهواء الطلق”.

الأحذية المعزولة ضمانة أكيدة لمنزل صحي
أوضح سيثي لمجلة نيوزويك أن “الاحتفاظ بالأحذية خارج المنزل أو في ركن مخصص بالقرب من المدخل، هو الخيار الأكثر أمانا، لمنع الملوثات المحتملة، والتقليل من خطر تلوث البيئة الداخلية”.
وبالنسبة للضيوف أو المقيمين في المنزل، الذين لا يستطيعون أو لا يرغبون في خلع أحذيتهم، اقترح سيثي “استخدام أغطية الأحذية التي تُستعمل لمرة واحدة”، للحد من انتقال الملوثات الخارجية.
كما تنصح الدكتورة منال محمد بتخصيص منطقة خالية من الأحذية عند المدخل، أو توفير رف أو سلة للأحذية؛ بالإضافة إلى بضعة أزواج من النعال المنزلية المريحة للضيوف، “تجنبا للإحراج”.
ورغم أن عدم ارتداء الأحذية داخل المنزل يُعد أمرا معتادا في العديد من الثقافات في آسيا وأوروبا والشرق الأوسط، تنصح الدكتورة رينولدز، بوضع لافتة لطيفة ومرحة لتذكير ضيوفك بخلع أحذيتهم عند الدخول، “وتوفير مكان آمن ونظيف ليضعوا فيه أحذيتهم حتى لا تختلط وتتسخ”. كما يجب أن يعتاد أفراد الأسرة أيضا على لافتة تقول: “اخلعوا أحذيتكم عند الباب الأمامي، ثم ضعوها في خزانة الأحذية، كي لا تنشروا الجراثيم في أرجاء المنزل”، فبهذه الطريقة، لن تدخل الملوثات المحتملة إلى المنزل.
السجاد ملاذ آمن لكل ما يعلق بالأحذية من ملوثات
يشدد سيثي على “أهمية التنظيف المنتظم للأرضيات والأسطح”، فقد أظهرت دراسة الدكتور جيربا، أن متوسط عدد البكتيريا شهد انخفاضا بنسبة 99% على السطح الخارجي للحذاء، وبنسبة 90% على السطح الداخلي بعد غسلها بالمنظفات.
وتقول الدكتورة منال محمد: قد يبدو طلب خلع الأحذية من الآخرين محرجا في البداية، لكن خلع الأحذية عند الباب، لا يمنع الأوساخ من تلطيخ سجادتك فحسب، بل “يُقلل بشكل كبير من تعرض عائلتك للميكروبات والمواد الكيميائية الضارة”.
فالسجاد “ملاذ آمن لكل ما يعلق بالأحذية، فهو يحبس الملوثات مع مرور الوقت، ويصعب تنظيفه وتطهيره”، بحسب الدكتورة رينولدز التي توصي بتنظيفه وتنظيف الأرضيات بالمكنسة الكهربائية أسبوعيا وبشكل دوري، “لضمان النظافة التامة”.
المصدر: الجزيرة