درنة: عجز عن إحصاء القتلى والمفقودين، وإعمار بإشراف نجل حفتر

قبل يومين من الذكرى السنوية الأولى لسيول مدينة درنة الليبية، مر وهيب الجدايمي – وهو رجل أربعيني فقد جميع أفراد عائلته – بمسجد الصحابة في منطقة “وسط البلاد” في المدينة حيث كان يعيش سابقاً، وهي المنطقة ذاتها التي جرفتها السيول بالكامل قبل عام.

يستذكر وهيب في حديثه لبي بي سي اللحظات الأولى للكارثة: “صوت الأمطار الغزيرة، جريان السيول، صوت انفجار السدين، وصراخ الناس، كأنها البارحة”، كما يقول.

في سبتمبر/أيلول 2023، ضربت عاصفة متوسطية عدة دول في حوض المتوسط، وهي اليونان وتركيا وبلغاريا وليبيا ومصر، وتسببت في خسائر مادية كبيرة قدرتها السلطات اليونانية بأكثر من ملياري دولار، وتسببت في مقتل خمسة أشخاص في تركيا، إلا أن الضرر الأكبر للعاصفة كان في ليبيا، وبالتحديد في مدينة درنة شمال شرق البلاد.

فقد وهيب والديه وزوجته وابنته واثنين من إخوته، أحدهما فُقد مع زوجته وابنته، وحتى يومنا هذا، لا يزال الرجل يطالب بالكشف عن مصير أفراد عائلته، أو حتى مكان دفن جثامينهم.

تروي عائشة لبي بي سي: “كنا في منزلنا بمنطقة وسط البلاد ، أنا وزوجي وأطفالي الثلاثة أثناء حدوث العاصفة، ولم نكن نعرف ماذا يحدث حولنا، لكنها كانت من أقسى اللحظات في حياتي”، وأكملت بصوت يرتعش حزناً: “توفي زوجي وطفلاي، جرفتهم السيول مع المنزل، ونجوت أنا وابنتي التي تبلغ من العمر 14 عاماً فقط”.

“القيامة الصغرى”

تأثر سكان درنة بشدة من العاصفة، فإلى جانب الخسائر في المباني والأرواح، ظل الكثير من سكان المدينة النكوبة في حالة صدمة بعد أن عاشوا ما وصفوه بـ”القيامة الصغرى”، كما تخبرنا المعالجة النفسية الدكتورة صبرية الشاوش والتي عادت للتو من مدينة درنة حين تحدثت معها بي بي سي، إذ كانت ضمن فريق لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للمتضررين طوال العام الماضي.

تقول الدكتورة صبرية إن عدداً كبيراً من المواطنين تم تشخيصهم باضطراب ما بعد الصدمة، إذ عاشوا، مشيرة إلى أن عدداً كبيراً منهم تمت إحالتهم إلى مراكز متخصصة لعلاجهم.

وبعد عام من الحادثة، تقول الدكتورة صبرية أن غالبية من تلقوا الدعم النفسي والاجتماعي بدأوا في تجاوز ما جرى، إذ تم إدراج العديد منهم – خاصة النساء والأطفال – في أنشطة وبرامج مجتمعية، وتم استهداف أكثر من ثمانية آلاف طفل للتركيز على دعمهم، مشيرة في ذات الوقت إلى أن هناك عدداً من الحالات المتقدمة التي لا تزال تحتاج إلى فترة أطول للتعافي بشكل كامل.

ويرى بعض من تحدثنا معهم من المتضررين في درنة أن تخصيص يوم للحداد الوطني لن يساعدهم في التعافي من صدمة ذلك اليوم، حيث أن استذكار صور الضحايا ومشاهد الكارثة سيعيد لهم “التفاصيل المرعبة” التي عاشوها في تلك الليلة.

في حين تقدّر اليونيسيف أن السيول في درنة أثرت على أكثر من 300 ألف طفل، واعتبرتهم “جيلاً كاملاً” متضرراً بشكل مباشر، حيث عاش هؤلاء الأطفال أكثر من 15 ساعة، إما تحت أنقاض منازلهم أو جرفتهم المياه لأماكن عدة، أو حتى بجانب جثث أشخاص آخرين لقوا حفتهم، وربما جثث عائلاتهم.

وتوضح المنظمة الأممية أن هناك أطفالاً أصيبوا بالاكتئاب وآخرين فقدوا القدرة على النطق، والقدرة على الحركة، وعانوا من اضطراب النوم بسبب ما عاشوه.

سكتت الأم لوهلة، وتنهدت بحسرة قبل أن تقول: “للأسف تم تمييزنا في كثير من الإجراءات وحُرمت من كثير من المزايا بسبب أنني زوجة أجنبي وابنتي غير ليبية، لا توجد برامج أو خطط من الحكومة للأجانب ولم يفكروا فيهم أبداً، سواءً من ناحية التعويض أو جبر الضرر”، وتوضح عائشة: “مصلحة الأحوال المدنية أخبرونا أنه لا توجد لديهم أي حلول، وحتى الآن لا يوجد لدى ابنتي أي إجراءات تثبت ذلك”.

“تعويضات غير عادلة”

قدّر البنك الدولي حجم الخسائر المادية جراء عاصفة دانيال في ليبيا بحوالي 1.65 مليار دولار، حيث تضررت حوالي 18.5 ألف وحدة سكنية، أي ما يعادل 7 في المئة من مجموع الوحدات السكنية في كامل أنحاء البلاد.

ويعتبر وهيب أن “هناك تخبطاً حتى في عمليات الدعم، هم لا يزالون في صدمة، ربما كان حجم الكارثة أكبر مما يمكن استعابه”.

وفي 29 سبتمبر/أيلول الماضي، أعلنت الحكومة المكلفة من مجلس النواب شرق البلاد بدء صرف “تعويضات للمتضررين” عن طريق تسليم صكوك إلى عمداء البلديات المتضررة، وتم صرف التعويضات لأكثر من ثلاثة آلاف أسرة متضررة حتى الآن.

من بين المتضررين الذين تحصلو على هذه التعويضات كانت عائشة، التي تحصلت على تعويض يصرف لمرة واحدة قيمته 20 ألف دينار ليبي (4,200 دولار)، لكنها تقول إنه لا يكفي حتى لدفع إيجار منزل صغير، إذ وصلت أسعار البيوت في المناطق التي لم تتضرر في درنة إلى أكثر من 1,500 دينار ليبي للشهر الواحد (315 دولار)، ويطلب أصحاب المنازل دفع مقدم على الأقل ثلاثة أشهر، على حد وصفها.

وتتهم بعض المنظمات المحلية والدولية السلطات الليبية بعدم ضمان منح جميع المتضررين فرصاً متساوية في الحصول على التعويضات.

وتقول نور خليفة مسؤولة التواصل بمنظمة رصد الجرائم في ليبيا لبي بي سي، إن المنظمة وثقت بالشراكة مع منظمة “محامون من أجل العدالة في ليبيا”، تقاعساً حكومياً واسع النطاق وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، سواءً من قبل السلطات في شرق البلاد أو حكومة الوحدة الوطنية في غربها، موضحة أن الكارثة لم تقتصر على الدمار الناجم عن انهيار السدين والسيول فحسب، بل تفاقمت بسبب فشل إدارة العمليات الإنسانية، وعدم تقديم استجابة ملائمة وتوفير الدعم الإغاثي الكافي، وقصور التخطيط الملائم لتوزيع الموارد لبرنامج التعافي وإعادة الإعمار.

وأوضحت نور أن المنظمة استمعت لشهادات 11 ناجياً، وجميعهم تحدثوا عن “سوء إدارة الأزمة” التي خلفت ما بين 4,000 و11,000 ضحية، مع بقاء العدد الدقيق للمفقودين مجهولاً، وهو “ما يؤكد حجم الكارثة ويشير بوضوح إلى عدم كفاية وكفاءة استجابة السلطات المعنية”، على حد وصفها.

من جانبها استنكرت منظمة العفو الدولية، عدم ضمان السلطات الليبية، الوصول العادل للتعويضات لجميع المتضررين، وعدم التحقيق في مسؤولية الجهات العسكرية والسياسية المتنفذة عن حصيلة القتلى الكارثية والتي قدرتها بما لا يقل عن 4,352 شخصاً، بالإضافة إلى آلاف من المفقودين، وتشريد ما يقرب من 45,000 شخص بحسب تقديراتها.

“كباش فداء”

وترى المحامية أحلام الزني، إحدى محامي هيئة المدعيين بالحق المدني في درنة – وفقدت والدتها جراء السيول في درنة – أن تلك الأحكام “عادلة جزئياً”، خاصة وأنها جاءت بعد “حالت اليأس” التي شعر بها أهالي الضحايا بسبب “تغير الهيئة القضائية مرتين، لوجود عدد من أعضائها على صلة بضحايا درنة”، موضحة أنه تم فيما بعد “تشكيل هيئة استئنافية من ثلاث قاضيات، وهي من أصدرت الحكم”.

وتوضح الزني أن الأحكام كانت “عادلة في الشق الجنائي، ولكنها مجحفة في الحق المدني، إذ رفضت المحكمة قبول الدعوة المدنية”، ومشيرة إلى أن هيئة المدعين بصدد رفع دعوى مدنية مستقلة عن الشق الجنائي، ومشيرة إلى أن الهيئة رفعت أيضاً قضايا جديدة حول التعويضات.

لكن وهيب غير راضٍ عن هذه الأحكام، ويعتبر أن “الأمر مبهم حتى الآن، ربما يكون هؤلاء الأشخاص كباش فداء وربما يكون هناك أناس آخرون مسؤولون ولم تتم محاسبتهم، بسبب الإهمال والفساد المستشري في البلاد” على حد تعبيره.

إعمار بقيادة نجل حفتر

ووقّع نجل حفتر بموجب القرار الحكومي عشرات العقود مع عدد من الشركات المصرية من بينها شركة “نيوم”، وشركة “وادي النيل”، وشركة “المقاولين العرب”، لإعادة بناء عدد من الجسور والوحدات السكنية في مدينة درنة والمناطق الأخرى التي تضررت جراء العاصفة دانيال.

ويعتمد الصندوق في تمويله بحسب قرار حماد على “ما يخصص له في الميزانيات العامة للدولة، والهبات والمساعدات غير المشروطة، والقروض والإسهامات المقدمة من المؤسسات المحلية والدولية”، بالإضافة إلى 10 مليارات دينار (ملياري دولار) خصصها مجلس النواب الليبي لتمويل الصندوق.

وأثار استحداث الصندوق الجديد الجدل في ليبيا عدة مرات بسبب تولي نجل حفتر رئاسته، إذ اعتبرته عدة منظمات ليبية “محاولة لتوسيع النفوذ”، وكان يجب “إخضاع إعادة الإعمار لإشراف وكالات الأمم المتحدة والمسؤولين المنتخبين محلياً، مع اتخاذ إجراءات لمكافحة الفساد”، حسبما يقول أنس القماطي مدير معهد الصادق للدراسات في ليبيا.

إلا أن رئيس الصندوق بلقاسم حفتر، قال قبل أسبوع من الذكرى السنوية الأولى للكارثة، أن نسبة الإنجاز في درنة “مرتفعة جداً، وتفوق الـ70 في المئة في جميع المشاريع”، مضيفاً أنه تم “استكمال ألفي وحدة سكنية بدل المتضررة، و1,500 وحدة سكنية جديدة بسبب العجز الكامل والكبير في السكن في درنة”، بالإضافة إلى “صيانة شبكة الكهرباء والطرق والبنية التحتية”، وصيانة “جميع المدارس صيانة كاملة، وإنشاء مدارس جديدة”.

ومع ذلك تقول عائشة: “على مواقع التواصل الاجتماعي تجد صور للإعمار والمشاريع والبناء لكن ذلك لا يهم المواطن، طلاء المباني ورصف الشوارع لا يساعدني أنا كأرملة، وأعول طفلة يتيمة، ولم تلتفت لي الحكومة”، موضحة أن “المعاناة مستمرة والمستقبل مجهول”، فيما يختصر وهيب بالقول: “نجى من مات، وقد مات من نجى”.

 

المصدر: BBC