“دفاع فسيفسائي”.. كيف أعاد الحرس الثوري هيكلة حزب الله لمواجهة إسرائيل؟

في أعقاب الضربات القاسية التي تعرضت لها البنية القيادية لـ”حزب الله” عام 2024، كشفت تقارير ميدانية ومعطيات استخباراتية عن تحرك واسع النطاق لقادة الحرس الثوري الإيراني لإعادة صياغة العقيدة القتالية للحزب، وسد الثغرات التي خلّفها اغتيال أمينه العام وزعيمه السابق حسن نصر الله إضافة إلى عدد كبير من القادة.

وفي تقرير لوكالة رويترز نقلت فيه عن مصادر مطلعة، أن التدخل الإيراني لم يقتصر على الدعم اللوجستي المعتاد، بل شمل إرسال نحو 100 ضابط من الحرس الثوري لتولي مهام الإشراف المباشر وإعادة هيكلة الجناح العسكري، بما يعكس إدراكا إيرانيا بأن الحزب يواجه تحديا وجوديا يتجاوز مجرد خسارة أفراد، ليصل إلى حد الحاجة لإعادة تعريف الهوية العسكرية للجماعة لضمان بقائها كحائط صد إستراتيجي في المواجهة الإقليمية الكبرى.

ضرورة المراجعة

وتعد عملية الإصلاح الجارية حاليا الأعمق والأكثر شمولا في تاريخ الحزب منذ تأسيسه، وهي تهدف بالدرجة الأولى إلى تجاوز “الصدمة القيادية” التي أحدثها مقتل الأمين العام حسن نصر الله ونخبة من القادة العسكريين.

وبحسب تقرير رويترز، فإن قيادة الحزب كانت ترى في اندلاع حرب شاملة “قدرا لا مفر منه” وقضت شهورا في الاستعداد لها، إلا أن حجم الاختراق الاستخباراتي الإسرائيلي أثبت أن الهياكل التقليدية باتت مكشوفة تماما.

ونقلت رويترز عن مصدرين مطلعين على أنشطة الحرس الثوري الإيراني أن الحرس الثوري، أرسل ضباطا لإعادة تدريب مقاتلي حزب الله والإشراف على إعادة تسليحه، وأن ضباطه أعادوا أيضا هيكلة قيادة الحزب التي اخترقتها المخابرات الإسرائيلية، وهو عامل ساعد إسرائيل على قتل العديد من قادته.

وهو ما يفسر قول متحدث عسكري إسرائيلي قبل أيام بأن حزب الله لا يزال قوة مؤثرة وخطيرة على الرغم من الأضرار التي ألحقتها به إسرائيل على مدى السنوات الثلاث الماضية.

إلغاء التسلسل الهرمي

تمثلت أبرز التحولات البنيوية التي فرضها خبراء الحرس الثوري في إلغاء نظام “التسلسل الهرمي التقليدي” واستبداله بما يعرف بـ”الدفاع الفسيفسائي”، هذا المفهوم، حسب وصف أندرياس كريج، المحاضر في قسم الدراسات الأمنية في جامعة كينجز كوليدج لندن، يقوم على تفكيك الهيكل القيادي إلى وحدات صغيرة، شبه مستقلة، ولامركزية بشكل كامل.

إعلان

والهدف من هذا “النظام المسطح” هو معالجة أكبر ثغرة واجهها الحزب، وهي الاختراقات الاستخباراتية، حيث تمنع اللامركزية أي عميل أو خرق أمني من الوصول إلى “الخيوط العليا” للجماعة، إذ لا تملك كل وحدة معرفة تفصيلية بعمليات الوحدات المجاورة.

هذا التحول الهيكلي ليس مجرد تغيير إداري، بل هو عودة لجذور الحزب في الثمانينيات، حيث كانت الخلايا الصغيرة هي التي تقود العمل المسلح، مما يجعل استهداف “الرأس” أقل تأثيرا على “الجسد” العسكري الشامل.

الحضور الميداني والتنسيق العملياتي

لم يعد الحضور الإيراني في لبنان يقتصر على الغرف المغلقة، فقد وثّقت مصادر رويترز، وصول حوالي 100 ضابط من الحرس الثوري فور وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، ليتولوا مهام تنفيذية تشمل إعادة التدريب والتسليح الموجه.

وقد تجلى هذا “التنسيق العملياتي المكثف” في هجمات 11 مارس/آذار، حين نُفذت ضربات صاروخية متزامنة ومنسقة من داخل الأراضي الإيرانية واللبنانية في آن واحد.

ويعكس انخراط الحرس الثوري في إدارة الأهداف وتأهيل الكوادر رغبة طهران في رفع كفاءة الحزب القتالية لتصل إلى “مستوى الردع المطلوب” في أقصر وقت ممكن، وفقا لخبراء.

الموقف اللبناني والضغوط الدبلوماسية

في مقابل هذا التحرك، تجد الدولة اللبنانية نفسها في موقف شديد التعقيد. فبينما يحاول الجيش اللبناني، المدعوم من الولايات المتحدة، المضي قدما في ملف نزع السلاح وبسط سيادة الدولة، يفرض الواقع الميداني معادلة مغايرة.

ونقلت رويترز عن مسؤول لبناني أن تقديرات بلاده تشير إلى وجود ما يتراوح بين 100 إلى 150 مواطنا إيرانيا تقريبا في البلاد لهم صلات بحكومة طهران تتجاوز المهام الدبلوماسية العادية.

وأضاف المسؤول اللبناني لرويترز أن الحكومة اللبنانية استشعرت الخطر الناتج عن الوجود الإيراني المكثف، وطلبت رسميا في أوائل مارس/آذار منهم مغادرة البلاد.

تحالف الضرورة للبقاء

وتعود علاقة الحرس الثوري بحزب الله إلى عام 1982، حين تأسس الحزب في سهل البقاع ليكون اليد الضاربة لمشروع “تصدير الثورة”، وفق ما يقول خصومه، وعلى مر العقود، تطورت هذه العلاقة من التبعية الأيديولوجية إلى الشراكة الإستراتيجية، وصولاً إلى المرحلة الحالية التي تجاوزت فيها العلاقة مرحلة الشراكة.

وتشير الأرقام إلى مدى أهمية حزب الله للحرس الثوري، إذ كان أعضاء بالحرس الثوري من بين حوالي 500 شخص قتلوا في الهجمات الإسرائيلية على لبنان خلال 15 شهرا بين وقف إطلاق النار عام 2024 واندلاع الحرب الجديدة قبل 3 أسابيع، بالإضافة إلى سقوط جنرال إيراني رفيع بجانب نصر الله.

بالنسبة لإيران، فإن سقوط حزب الله أو إضعافه بنيويا يعني انكشاف أمنها القومي وفقدان أهم أوراق الضغط الجيوسياسي على حدود إسرائيل، وهو ما يفسر إرسال إيران ضباطا كبارا إلى خطوط حزب الله الأمامية رغم كثافة الاغتيالات الإسرائيلية.

مستقبل الصراع

وتطرح إعادة الهيكلة الإيرانية لحزب الله تساؤلات جوهرية حول مستقبل الصراع، فهل سينجح “النظام الفسيفسائي” في حماية الحزب من التكنولوجيا الاستخباراتية الإسرائيلية التي أثبتت قدرة كبيرة على الاختراق؟

وفي ظل غياب أي رد رسمي من المكتب الإعلامي لحزب الله أو الخارجية الإيرانية على هذه المعطيات، يبقى المشهد مفتوحا على سيناريوهات مختلفة، كما أن أداء الحزب في حال حدوث احتلال إسرائيلي شامل يظل رهن الاختبار، خاصة وأن قدراته الحالية -رغم تعافيها- لا تزال دون المستويات التي كانت عليها قبل عام 2024.

إعلان

 

المصدر: الجزيرة