رغم تولي مجتبى خامنئي منصب المرشد الأعلى لإيران منذ أكثر من شهرين، فإن صنع القرار في طهران لا يقتصر عليه منفردا، بل تشارك فيه شبكة ضيقة من الرجال المحيطين به.
ومع احتدام المواجهة الحالية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، تصدّر قادة الحرس الثوري الواجهة، وباتوا أبرز الوجوه في إدارة ملفي الحرب والمفاوضات على حد سواء.
هذا الواقع تتحدث عنه تقارير إعلامية غربية، تشير إلى أن القرار الإيراني اليوم تشارك في صياغته “مجموعة ضيقة” من جنرالات الحرس الثوري الحاليين والسابقين. وتتحرك هذه النخبة أقرب ما يكون إلى قيادة جماعية تساند المرشد الجديد، وتضع بصمتها المباشرة على مفاصل السياسة الخارجية والملف العسكري.
مجتبى.. بين منصب المرشد ونفوذ الحرس الثوري
جاء صعود مجتبى خامنئي (56 عاما) إلى منصب المرشد الأعلى خلفا لوالده علي خامنئي، الذي اغتيل بضربة إسرائيلية في 28 فبراير/شباط 2026، ليعيد رسم توازنات القوة في طهران. ومنذ توليه المنصب لم يظهر المرشد الجديد علنا، وسط تقارير تشير إلى إصابته في الغارة ذاتها.
ومع هذا الغموض بشأن وضعه الصحي وغيابه عن المشهد العلني، سعت طهران لطمأنة الداخل والخارج، إذ أعلن الرئيس مسعود بزشكيان مطلع مايو/أيار الجاري أنه التقى مجتبى لنحو ساعتين، كما أعلن عن اجتماع للمرشد مع قيادة “مقر خاتم الأنبياء” العسكري الأعلى.
وفي هذا السياق، ترى الزميلة في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى هولي دغرس أن المرشد الجديد “على الأرجح في نهج واحد مع الحرس الثوري، مماثلا لوالده ولكن بصورة أكثر تصلبا وتشددا”.
وتبرز هنا روايتان عن نفوذه، إذ ينقل تقرير لصحيفة فايننشال تايمز عن دبلوماسي أن مجتبى يحكم من خلف الكواليس عبر لجنتين شكّلهما لإدارة الوساطات والاتصالات السياسية والعسكرية، وتُنقل الرسائل يدويا عبر رجال الحرس الثوري المسؤولين عن حمايته لتجنب التعقب الإلكتروني.
في المقابل، يرى الخبير في مجموعة الأزمات الدولية علي واعظ أن المرشد الجديد يؤدي “دورا محدودا نسبيا”، في حين تتخذ مجموعة ضيقة من القادة القرارات الأساسية.

“عصبة الإخوة”
يوضح تقرير لصحيفة نيويورك تايمز أن صلابة النظام الإيراني أمام خسارة نحو 50 من كبار قادته السياسيين والعسكريين تعود إلى بنية “عصبة الإخوة”.
ويرى التقرير أن هذه البنية تعكس تناميا لدور قادة الحرس الثوري وانصهارهم داخل الطبقة السياسية.
تشكلت نواة هذه البنية في الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، إذ ترقوا إلى رتب جنرالات في أواخر عشرينياتهم، وخرجوا بقناعة مفادها أن على إيران الاعتماد على نفسها مهما كان الثمن.
وبحسب الخبير في شؤون الحرس الثوري سعيد غولكار، فإن هذه المجموعة تدرجت في قيادة الأجهزة الاستخبارية والأمنية، ومن ثَم تمددت لتسيطر على مفاصل السياسة.
أبرز وجوه الدائرة الضيقة
تضم هذه الشبكة الحاكمة رفاقا يتشاركون الخلفية العسكرية والأيديولوجية ذاتها، ويأتي في مقدمتهم:
أحمد وحيدي (67 عاما): تسلّم قيادة الحرس الثوري في مارس/آذار الماضي، وبرز وفق وكالة أسوشيتد برس “لاعبا رئيسيا” في صياغة موقف طهران، ونقطة اتصال أساسية للمفاوضين الدوليين.
كان أول قائد لفيلق القدس، حيث أدى دورا محوريا في بناء شبكة حلفاء طهران الإقليميين.
ويقول الخبير في شؤون الحرس الثوري كينيث كاتزمان لصحيفة نيويورك تايمز إن وحيدي الذي كان وزيرا للدفاع والداخلية ينطلق من عقلية “الثورة المستمرة والمقاومة غير المتناهية”.
وينسجم هذا التوصيف مع قراءة أسوشيتد برس للإستراتيجية الإيرانية الحالية القائمة على خنق مضيق هرمز، والتمسك برفض المطالب الأمريكية بتسليم مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، مراهنة على إحجام الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن الدخول في حرب شاملة.

محمد باقر قاليباف (64 عاما): رئيس البرلمان وقائد القوات الجوية ومدير الشرطة السابق.
يُنظر إليه في عدد من التحليلات الغربية بوصفه شخصية “براغماتية” تمثل حلقة وصل بين النخبتين السياسية والعسكرية، وحاول سابقا تقديم صورة منفتحة لجذب الطبقة الوسطى.
قاد وفدا، في أبريل/نيسان الماضي، للتفاوض مع وفد أمريكي برئاسة نائب الرئيس جيه دي فانس، وانتهت المحادثات من دون اتفاق.

محمد باقر ذو القدر (72 عاما): عُيّن أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي بدلا من علي لاريجاني الذي قُتل خلال الحرب الحالية.
وتتمثل مهمته الحالية في التنسيق لضمان عمل الأذرع السياسية والعسكرية والقضائية للدولة بشكل متناسق.

غلام حسين محسني إجئي (69 عاما): رئيس السلطة القضائية ووزير الاستخبارات الأسبق، ويُعَد في القراءات الغربية من الشخصيات المحورية في الحفاظ على تماسك مؤسسات الدولة الداخلية في ظل الأزمات.

حسين طائب (63 عاما): رئيس استخبارات الحرس الثوري السابق وقائد “الباسيج” الأسبق.
وبحسب نيويورك تايمز، فإنه يستمد نفوذه المستمر من علاقته الوثيقة بالمرشد الجديد مجتبى خامنئي، إذ خدما معا في “كتيبة حبيب” العسكرية المرموقة إبان الحرب مع العراق.

محمد علي جعفري (68 عاما): القائد الأسبق للحرس الثوري، والمسؤول عن تطوير “الإستراتيجية الفسيفسائية” اللامركزية التي تتيح للقوات مواصلة القتال تكتيكيا رغم تصفية القيادات المركزية.

هندسة البقاء
لا يبدو أن هذا التحول نحو القيادة الجماعية جاء وليد اللحظة أو نتاجا لفراغ مفاجئ، فبحسب ما نقله المحلل الإيراني سعيد ليلاز لصحيفة فايننشال تايمز، كان المرشد الراحل علي خامنئي قد “وضع خططا سابقة لتوزيع مراكز اتخاذ القرار إن تعرضت القيادة لهجوم”، وهو ما يفسر الهامش الواسع الذي يتحرك فيه القادة العسكريون اليوم لامتصاص صدمة الاغتيالات التي طالت الهرم القيادي.
المصدر: الجزيرة