يعكس الواقع الميداني في جنوب لبنان صورة مغايرة تماما، حيث تحول المشهد إلى مواجهة مفتوحة تتسم بـ “الاجتياح الجوي” الإسرائيلي الممنهج من جهة، وحرب استنزاف دقيقة يقودها حزب الله بالمسيّرات من جهة أخرى.
وفي ظل واقع لم يعد فيه لـ”وقف إطلاق النار” أثر، تتصاعد العمليات العسكرية لتتجاوز حدود “المنطقة العازلة” التقليدية، واضعة الطرفين في دائرة مفرغة من التصعيد النوعي.
إستراتيجية إسرائيلية
وفي هذا الإطار، يرى الخبير العسكري العميد حسن جوني أن جيش الاحتلال الإسرائيلي طوّر إستراتيجيته من محاولة إقامة منطقة عازلة بعمق 10 كيلومترات إلى ما وصفه بـ “الاجتياح الجوي”.
وتتركز هذه الإستراتيجية على الضغط الناري الكثيف، وإنذارات الإخلاء القسري، والتدمير الممنهج للقرى وصولا إلى نهر الزهراني (يبعد عن الحدود مسافة تتراوح تقريبا بين 30 و40 كيلومترا).
ووفق تحليل جوني للجزيرة، فإن هذه الإستراتيجية “لتعويض العجز عن الاستقرار البري وتجنب الاستنزاف في نقاط المواجهة المباشرة”، لا سيما في مناطق مثل “دير سريان” و”وادي الراج”.

المسيّرات والاستنزاف
في المقابل، نجح حزب الله في فرض معادلة استنزاف، مستفيدا من سلاح المسيّرات (لا سيما طائرات إف بي في) الذي بات “المعضلة” الأبرز للاحتلال.
ووفقا للمعطيات الميدانية، أطلق الحزب نحو 160 طائرة مسيّرة منذ بدء الحديث عن وقف إطلاق النار، استهدفت مواقع عسكرية نوعية، شملت مرابض مدفعية ومهبطا للطائرات في “شلومي”، وفق جيش الاحتلال.
وأفقد هذا الضغط المستمر التموضع الإسرائيلي استقراره، مما دفع تل أبيب للبحث عن حلول تقنية عاجلة، تمثلت في طلب ذخائر ورصاص “متشظٍ” من الولايات المتحدة لتوزيعه على الجنود لمواجهة خطر المسيرات.
وقال الجيش الإسرائيلي في بيان صباح اليوم الأحد، إنه هاجم نحو 40 بنية تحتية تابعة لحزب الله وقتل 10 من أفراده خلال الساعات الـ24 الماضية، كما أعلن اعتراض صواريخ و”هدف جوي مشبوه” فوق منطقة عمل قواته في الجنوب.

سقوط أوهام “الهدوء”
وجاءت تصريحات رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير لتحسم الجدل بإعلانه الصريح بأنه “ليس هناك وقف إطلاق نار في جنوب لبنان”.
ويتقاطع هذا الاعتراف مع إحصائيات الميدان التي تشير إلى استهداف الاحتلال لنحو 500 هدف في الجنوب، في وقت يصر فيه حزب الله على تثبيت قواعد اشتباك تربط استهداف العمق اللبناني بضرب شمال إسرائيل.
وفي سياق الرد الميداني، أعلن حزب الله تنفيذ 3 عمليات عسكرية اليوم الأحد، استهدف في إحداها بمسيّرة انقضاضية جرافة عسكرية من نوع “دي 9” في بلدة دير سريان بقضاء مرجعيون، مؤكدا تحقيق إصابة مباشرة.
ويخلص العميد جوني في تحليله إلى أن إسرائيل، ورغم كثافة غاراتها، قد تكون “فقدت اليقين” بإمكانية تأمين استقرار قواتها داخل ما يعرف بالمنطقة الصفراء.
وأعرب عن اقتناعه بأن حزب الله يسعى لفرض واقع ميداني مفاده أن الوجود العسكري داخل الحدود سيبقى عرضة للاستهداف الدائم، مما يضع المنطقة أمام حالة اشتباك مستمرة تتجاوز الأهداف المعلنة للعملية العسكرية.
تأتي هذه التطورات الميدانية في وقت يستعد فيه لبنان وإسرائيل لعقد جولة محادثات في واشنطن يومي 14 و15 مايو/أيار الجاري، وقد أسفر العدوان الذي بدأ في مارس/آذار الماضي حتى الآن عن نحو 2800 قتيل ونزوح أكثر من 1.6 مليون لبناني.
المصدر: الجزيرة