رمضان اليمن.. هوية عابرة للصراعات وتقاليد تجمع ما فرقته الحرب

رغم الظروف القاسية وقتامة المشهد السياسي والأزمات المتلاحقة التي خلفتها الحرب في اليمن لأكثر من عقد، يواصل اليمنيون إحياء تقاليدهم وعاداتهم الرمضانية بإصرار غير مسبوق.

ووسط أزمة إنسانية واقتصادية وانقسام خارطة السيطرة الميدانية بين القوات الحكومية والأخرى التابعة لجماعة أنصار الله “الحوثيين”، يحافظ اليمنيون على عاداتهم الرمضانية ويعتبرونها جزءا من هويتهم وطابع الشهر الفضيل وخصوصيته.

وتتعدد الطقوس الرمضانية في اليمن من منطقة لأخرى، لكنها في المجمل تتمحور حول تعزيز معاني التكافل الاجتماعي والعبادة والترفيه وإدخال السرور على مختلف شرائح المجتمع وخاصة الأطفال.

ترحيب واسع

تتزين الأحياء الشوارع قبيل حلول رمضان، ومع إعلان ثبوت رؤية الهلال، تبدأ حكايات متعددة في المناطق اليمنية، حيث يشعل بعض الأهالي النيران في قمم الجبال وأسطح المنازل، مع إطلاق الألعاب النارية والرصاص إيذانا بدخول الشهر، فيما تشهد مناطق أخرى مسيرات راجلة في الأحياء يشارك فيها الرجال والأطفال، يحملون الطبول والفوانيس ويرددون أهازيج الترحيب “رحبوا يا صائمين شهر رب العالمين عاده الله علينا وعليكم أجمعين”.

وتشتهر عادتا “الكيف طاري” و”الفافوت” في مدن حضرموت وتعد من الطقوس الرمضانية التي تأخذ طابعا احتفاليا أقرب إلى المهرجانات، حيث يرتدي الأطفال الملابس الجديدة في الأيام الأولى من الشهر ترحيبا بقدوم رمضان، وتتخلل الفعاليات فقرات فنية متنوعة، فيما توزع على الأطفال الحلويات والمكسرات، في أجواء تعكس البهجة وروح المشاركة المجتمعية.

_فعالية الفافوت) تقليد رمضاني للأطفال في محافظة حضرموت اليمنية
فعالية الفافوت تقليد رمضاني للأطفال في محافظة حضرموت اليمنية (الجزيرة)

ومنذ اليوم الأول وكل يوم من رمضان تبدو الحياة صباحا أكثر هدوء في أغلب المناطق، لكن إيقاعها يشتد رويدا رويدا مع ساعات الظهيرة، حيث تشهد الأسواق ازدحاما متزايدا مع إقبال الناس على شراء احتياجات الإفطار، قبل أن تبلغ الحركة ذروتها قبيل المغرب، لتعود الأجواء إلى السكينة مع لحظة الأذان واجتماع العائلات حول موائدها، قبل أن تعاود الحركة مجددا مع صلاة العشاء وحتى قبيل السحور.

تكحيل العيون

تحضر هذه العادة الرمضانية في باحة المسجد الكبير بالعاصمة صنعاء، حيث يقوم المسنون بتكحيل عيون المصلين بـ”الإثمد” بعد صلاتي العصر والعشاء لاعتقادهم بفوائده للبصر وإحياء لسنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

مراد العريفي - الجزيرة نت-كحل الإثمد علاج وجمال-الجامع الكبير-صنعاء - عيون مكحلة للرجال.. طقوس رمضانية يتمسك بها اليمنيون
تكحيل العيون طقس رمضاني يتمسك به اليمنيون (الجزيرة)

إفطارات جماعية

من أبرز العادات الرمضانية على امتداد مناطق البلاد، ففي حين دأبت الكثير من العائلات على إقامة موائد إفطارها داخل المساجد، تُنظم أخرى في الحارات والشوارع والميادين العامة بدعم من الأهالي ورجال الأعمال والجمعيات.

إعلان

ولا تقتصر هذه الإفطارات على سكان الأحياء فحسب، بل تمتد لخدمة المسافرين وعابري السبيل والعمال القادمين من مناطق أخرى، في مشهد يعكس روح التكافل والتضامن الاجتماعي التي يتميز بها المجتمع اليمني خلال الشهر الفضيل.

A volunteer distributes free food to break fast during the Muslim holy Islamic month of Ramadan at the Grand Mosque, in Sanaa, Yemen, Monday, Feb. 23, 2026. (AP Photo/Osamah Abdulrahman)
متطوع يوزع التمر للإفطار خلال شهر رمضان في أحد مساجد اليمن (أسوشيتد برس)

 

أطباق متنوعة

لا تغيب على موائد اليمنيين في رمضان أكلات وأطعمة متعددة تختلف من منطقة إلى أخرى، بدءا من الشوربة والشفوت والعصيد والهريسة والسمبوسة والسلتة والكبسة والزربيان وصانونة اللحم والسمك، إضافة إلى أطباق الحلا مثل الفتة وبنت الصحن والرواني والكنافة واللبنية والجيلي وغيرها.

بيد أن تدني القدرة الشرائية لقطاع واسع من المواطنين بات يحول دون حصول كثير من الأسر على العديد من هذه الأطباق باستمرار، نظرا لارتفاع تكلفة مكوناتها في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

خبز اللحوح اليمني يتربع على عرش المائدة الرمضانية
خبز اللحوح اليمني يتربع على عرش المائدة الرمضانية (الجزيرة)

تزاور وفعاليات تراثية

وتتميز ليالي رمضان في اليمن بعادة التزاور بين الأقارب والأصدقاء إذ تعد المجالس المسائية فرصة لتبادل الأحاديث والخوض في مناقشة قضايا المجتمع والبلاد وجديد الأخبار مع تناول المشروبات والعصائر والمكسرات.

وفي بعض المناطق اليمنية، خصوصا في حضرموت، تبدو عادة الزيارات أكثر تنظيما في تقليد يطلق عليه “الختومات والتشاهير”، وهي عادة تكون في الليالي الوترية حيث هناك يوم محدد لكل منطقة وحي متعارف عليه بين جميع الناس يدعو الأهالي أقاربهم من المناطق الأخرى للإفطار وتناول وجبة العشاء.

وتصاحب هذه الطقوس الاجتماعية فعاليات تراثية ورقصات شعبية تضفي أجواء من المتعة والترفيه خصوصا على الأطفال الذين يجوبون شوارع الحي حاملين أوعيتهم مستهدفين المنازل التي شهدت زواجا خلال العام الجاري أو مولودا جديدا أو مسافرا وصل من غربته، حيث يطالبون بالهدايا والحلويات ويرددون أهازيج “هاتوا ختامة الجديدة ولا كسرنا حديدة.. هاتوا من فوق السطوح.. هاتوه وإلا بنروح”.

فعالية ترفيهية للأطفال مصاحبة لعادات الختومات والتشاهير الرمضانية في اليمن (الجزيرة)
فعالية ترفيهية للأطفال مصاحبة لعادات الختومات والتشاهير الرمضانية في اليمن (الجزيرة)

تعلم وعبادة وأنشطة

يغتنم اليمنيون رمضان في تنظيم حلق تعلم القرآن الكريم والدروس الدينية، إلى جانب المواظبة على الصلوات والطاعات المختلفة في الشهر الكريم ورجاء الظفر بالأجر العظيم.

وتتفرد بعض المناطق والمدن بتفاوت مواعيد إقامة الصلوات، وخصوصا الظهر والتراويح، والقيام لإفساح المجال أمام السكان لأدائها في جماعة وعدم تفويتها.

وتتنافس المساجد على استقدام الأئمة والمقرئين المهرة، خصوصا في صلاة التراويح، حيث تؤدي بعضها 23 ركعة، فيما تكتفي أخرى بـ11 ركعة مع الوتر وتختم معظمها القرآن في أواخر رمضان.

كما تشهد المناطق والمدن خلال شهر رمضان أنشطة متعددة من الألعاب الشعبية والدوريات الرياضية والمسابقات القرآنية والثقافية، إضافة إلى السهرات الفنية.

عادة المسحراتي

لا يزال موروث المسحراتي حاضرا بقوة في بعض المدن اليمنية، ويقاوم البقاء رغم اختفائه في بعضها منذ سنوات طويلة مع التحولات الصناعية والرقمية.

وتحضر هذه المهنة في عدد من المدن، أبرزها مدينة شبام التاريخية في محافظة حضرموت شرقي البلاد، إذ تتوارث عائلة “آل خراز” هذا التقليد منذ أربعة قرون متواصلة.

عائلة آل “خراز” في مدينة شبام التاريخية باليمن تحافظ على عادة المسحراتي منذ أربعة قرون متواصلة (الجزيرة)

ويحل رمضان الثاني عشر على اليمنيين منذ اندلاع الحرب، في وقت تشهد فيه البلاد حالة من “اللاحرب” و”اللاسلم” منذ انتهاء الهدنة الأممية في أكتوبر/تشرين الأول 2022، فيما يحدو الأمل المواطنين بإنهاء الحرب وارتداداتها القاسية التي أنهكتهم.

إعلان

 

المصدر: الجزيرة