رمضان في الإمارات.. من “حق الليلة” إلى صوت المدفع

يهل شهر رمضان على الإمارات حاملا معه نسماته الروحانية، لتعم أجواء من السكينة والفرح الإمارات السبع، من أبوظبي إلى رأس الخيمة، ففي شهر الصيام والقيام والتآلف والتواصل، يمتزج عبق الماضي بأصالة الحاضر في لوحة بديعة تعكس الهوية الإماراتية الأصيلة.

“حق الليلة” استقبال حافل من نصف شعبان

قبل حلول الشهر الكريم بأيام، وتحديدا في منتصف شهر شعبان، تبدأ مظاهر الفرح بالظهور عبر الاحتفال بما يسمى “حق الليلة”، وهي عادة إماراتية عريقة توارثتها الأجيال، حيث يخرج الأطفال في أبهى حللهم، مرتدين الملابس التقليدية الزاهية.

اقرأ أيضا

list of 4 items

  • list 1 of 4“مائدة المدينة المنورة” ترياق للإنسانية المنهكة
  • list 2 of 4“أيام الله” يستعرض فقه الدعاء من قلب غزة الأبية
  • list 3 of 4تراويح العراق.. خارطة روحانية من مآذن بغداد إلى قلاع أربيل
  • list 4 of 4من “موائد الرحمن” إلى شاشات “جيل زد”.. هكذا تغير وجه رمضان في مصر

end of list

يتجول الأطفال في الأحياء حاملين أكياسا مطرزة بالتطريز الشعبي، ليجمعوا المكسرات والحلويات من الجيران الذين ينتظرونهم بلهفة، ويرددون الأهازيج والأغاني التراثية ابتهاجا بقرب حلول الشهر المبارك. وهي عادة تربى الأطفال على حب العطاء والتواصل المجتمعي، وتغرس فيهم انتظار الشهر الفضيل منذ نعومة أظفارهم.

موائد الإفطار واللقاءات اليومية

مع أول يوم في رمضان، تتحول البيوت الإماراتية إلى واحات من الألفة والمحبة، حيث تلتئم العائلة الكبيرة في بيت الجد أو كبير العائلة لتناول أول وجبة إفطار، مؤكدة على مكانة الأسرة التي تمثل نواة المجتمع الإماراتي.

وهذا العام، يتزامن رمضان مع ما يعرف بـ “عام المجتمع” في الإمارات، ليكتسي هذا البعد الاجتماعي أهمية كبرى، حيث تصبح التجمعات العائلية اليومية تجسيدا حيا لصلة الرحم والتكاتف بين الأجيال .

Arabs seated around campfire and enjoying casual conversation
سهرة رمضانية حول نار المخيم (غيتي)

لا تقتصر العزائم على الإفطار الأول فحسب، بل يتناوب أفراد العائلة على استضافة بعضهم البعض على مدار الشهر، وتحرص النساء على تحضير أشهى الأطباق التقليدية التي تميز المائدة الرمضانية، مثل “الهريس” و “الثريد” و”اللقيمات” التي تزين السفرة وتجمع الأحبة حولها.

إعلان

كما أن لوجبة السحور نكهتها الخاصة، حيث تجتمع العائلة مجددا في ساعات الليل المتأخرة قبل أذان الفجر، في جو يسوده الدفء والسكينة .

المدفع.. نبض الشهر

ما إن يحين موعد المغرب، حتى يعود المشهد الأكثر إثارة للصغار والكبار على حد سواء: مدفع الإفطار، أو “مدفع رمضان”.

على الرغم من التطور التكنولوجي الهائل، لا تزال الإمارات تحافظ على هذه العادة التاريخية التي يعود تاريخها إلى القرن التاسع عشر، والتي اشتهرت في عهد الشيخ الراحل زايد بن سلطان آل نهيان.

ويسمع دوي المدفع في عدة مناطق بالدولة، معلنا حلول موعد الإفطار، ليضفي بذلك بهجة خاصة على الأجواء الرمضانية، ويجمع العائلات على مائدة واحدة مع أولى لحظات الغروب .

خيام الرحمن

وشهر رمضان في الإمارات هو شهر العطاء بامتياز، حيث تبرز روح التكافل الاجتماعي في أبهى صورها، فتنتشر “خيام الرحمن” في مختلف أنحاء الدولة، والتي تقيمها هيئات خيرية مثل “الهلال الأحمر الإماراتي” ومؤسسة خليفة بن زايد آل نهيان للأعمال الإنسانية.

تقدم الموائد وجبات إفطار مجانية للصائمين من مختلف الجنسيات، في مشهد يعكس قيم التسامح والمساواة التي يتميز بها المجتمع الإماراتي .

ولا يقتصر العطاء على المؤسسات فحسب، بل يمتد ليشمل الأفراد والعائلات، فمن المعتاد أن تعد الأسر كميات كبيرة من الطعام خصيصا لمشاركتها مع الجيران والمحتاجين، خاصة طبق “الهريس” الذي غالبا ما يتم إعداده بكميات وفيرة وتوزيعه على الآخرين.

كما تشهد المساجد والمراكز التجارية توزيعا يوميا لوجبات الإفطار والتمر والماء، في مشهد يعكس روح العطاء التي تميز هذا الشهر الفضيل .

ليالي روحانية ومجالس عامرة

وبعد أداء صلاة العشاء والتراويح، والتي تمتلئ فيها المساجد بالمصلين، تنتعش ليالي رمضان في الإمارات بالمجالس الرمضانية، والتي يجتمع فيها الرجال بعد الإفطار لتبادل الأحاديث الودية، في حين تجتمع النساء في مجلس آخر للحديث والسمر.

وتعد المجالس متنفسا اجتماعيا يعزز العلاقات بين الأهل والجيران، ويستمر حتى ساعات متأخرة من الليل، ومع اقتراب العشر الأواخر من رمضان، يزداد الإقبال على المساجد والاعتكاف، ابتغاء ليلة القدر .

احترام المشاعر

وتحرص الإمارات على أن يعيش الجميع، مسلمين وغير مسلمين، أجواء رمضان الروحانية، ومع ذلك، فهناك بعض الإرشادات التي تعبر عن احترام مشاعر الصائمين، منها تجنب تناول الطعام أو الشراب أو التدخين في الأماكن العامة خلال ساعات الصيام احتراماً للصائمين. وأيضا، الحرص على ارتداء ملابس محتشمة تغطي الأكتاف والركبتين في الأماكن العامة، تقديرا لقدسية الشهر.

ويظل شهر رمضان في الإمارات أكثر من مجرد شهر للصيام، فهو احتفالية سنوية بالقيم الإنسانية النبيلة، كما يجسد التراث العريق ويعزز الروابط الأسرية، ويرسخ قيم العطاء والتسامح.

 

المصدر: الجزيرة