رهاب الغزو.. هل تتلاعب أوروبا بمصير المهاجرين؟

في مشهد غير معتاد، شهدت بلفاست -عاصمة أيرلندا الشمالية- أعمال شغب واسعة يقول محللون إنها تعكس تصاعد فوبيا “غزو” المهاجرين في أوروبا لأهداف سياسية، في حين يرى آخرون أنها تمثل طريقة للاعتراض على فشل الحكومات في التعامل مع قضية الهجرة.

فقد عاشت بلفاست ليلتين من الشغب الواسع اعتدى خلالها ملثمون على بيوت وممتلكات مهاجرين بعدما انتشر مقطع فيديو يظهر سودانيا (طالب لجوء) يعتلي شخصا آخر، ليل الاثنين الماضي، في أحد الشوارع وينهال عليه طعنا.

وأعاد المشهد سنوات من العنف الطائفي التي عاشتها بلفاست سابقا، مما دفع آلافا للمشاركة في مسيرة مناهضة للعنصرية، رفعوا خلالها شعارات تقول إن الكراهية هي التهديد الوحيد، وإن بلفاست ترفض العنصرية. بينما لم تُنظَّم مسيرة أخرى مناهضة للمهاجرين.

وتعليقا على ما جرى، قال وزير شؤون أيرلندا الشمالية هيلاري بن إن أعمال الشغب أشعرت البعض بالخوف بعدما اعتدى ملثمون على أشخاص وهاجموا منازلهم بسبب لون بشرتهم.

صورة من فيديو بعنوان: ما ردود الفعل في بلفاست بعد حادثة الطعن التي قام بها لاجئ؟.. قراءة تحليلية في ما وراء الخبر
جانب من أحداث العنف التي شهدتها بلفاست بعد حادثة الطعن (الجزيرة)

عقاب جماعي

ولا يمكن القول إن ما جرى كان مجرد ردة فعل عادية لأنه كان بمثابة “عقاب جماعي، لأنه ما كان ليحدث لو اعتدى أيرلندي على أيرلندي”، كما يقول أستاذ العلاقات الدولية بجامعة جنيف الدكتور حسني عبيدي، الذي قال إن ما عاشته بلفاست يعتبر نتيجة لعملية التضليل التي تقوم بها بعض الأحزاب اليمينية ضد المهاجرين.

وخلال مشاركته في برنامج “ما وراء الخبر”، قال عبيدي إن نسبة المهاجرين في أيرلندا الشمالية تتراوح بين 3.6 إلى 6% من المهاجرين المتواجدين في المملكة المتحدة عموما والذين تقدرهم البيانات الرسمية بـ16 إلى 18% من السكان، أي إنها نسبة قليلة جدا لا يمكن تحميلها مسؤولية فشل الحكومة في تحقيق المستوى الاقتصادي والأمني الذي يطمح له المواطنون.

إعلان

صحيح أن أحزابا أخرى لا تستثمر في قضية المهاجرين سياسيا، لكن الحكومات نفسها ترفض تفنيد الرواية المناهضة للهجرة لأسباب انتخابية، وفق عبيدي، الذي قال إن أيرلندا الشمالية تحديدا عدّلت قوانين الهجرة مرتين خلال فترة قصيرة مما يعني أنها “ليست متساهلة مع المهاجرين”.

والدليل على ذلك، برأي المتحدث، أن أحداثا مماثلة وقعت عام 2015 ولم تتخذ الحكومة موقفا لمنع تكراره، مما يعني أنها لم تتعلم الدرس واكتفت بالصمت على رواية تحميل المهاجرين المسؤولية عن كل ما يعيشه المواطن من أزمات.

غضب وليست عنصرية

لكن هذا لا ينفي وجود أسباب لما جرى، حسب الكاتبة الصحفية البريطانية آن مارك إلفوي، التي تقول إن أحداث العنف لم تستهدف المهاجرين كمهاجرين بقدر ما كانت تعبيرا عن الغضب من فشل الحكومة في وضع إجراءات صحيحية لاستقبال المهاجرين.

فالمنطقة التي شهدت هذه الأعمال تعتبر من أفقر مناطق أيرلندا، سبق لها أن عاشت عنفا طائفيا بين الكاثوليك والبروتستانت “ومن ثم كان متوقعا أن تشهد ردة الفعل هذه عندما تقع جريمة بشعة بهذا الشكل على يد طالب لجوء”، برأي ألفوي.

فهذه المنطقة تحتضن أعداد كبيرة من المهاجرين ومن الطبيعي -برأي المتحدثة- أن “يُنظر لمثل هذه الحوادث على أنها واحدة من تداعيات تزايد المهاجرين، وعندما تفشل الحكومة في التعامل مع هذه المشاكل فإن المواطنين يشرعون بالاعتراض بطريقتهم”

فمن قاموا بالاعتداء على المهاجرين غاضبون وليسوا متعصبين ومن ثم لا يمكن القول إن ما جرى “هو مجرد استغلال سياسي لحادثة عادية، وإنما هو دليل على رفض الشعب لطريقة تعامل الحكومة مع هذه القضية”، كما تقول إلفوي.

تظاهرة نظمها اليمين المتطرف في بريطانيا ضد المهاجرين (الأناضول)

فوبيا الغزو

وقد يبدو حديث الكاتبة البريطانية وجيها في بعض جوانبه لكنه لا ينفي حقيقة وقوع 6 آلاف هجوم في أوروبا خلال الفترة الأخيرة ضد المهاجرين وخاصة المسلمين منهم.

كما لا يعكس حديث إلفوي الواقع بشكل دقيق، لأنه من غير المنطقي أن يعاقب المهاجرون كلهم على جريمة ارتكبها أحدهم، برأي الباحث الإيطالي المتخصص في شؤون الهجرة لويغي أتشيلي، الذي قال إن ما جرى “يعكس تصاعد فوبيا الغزو في أوروبا”.

والمؤسف -كما يقول أتشيلي- أن هذه الفوبيا التي تغذي أعمال العنف ضد المهاجرين “تقوم على أسباب غير واقعية ومفادها أن المهاجرين وتحديدا المسلمين سيجتاحون أوروبا يوما ما، على عكس الواقع”.

مظاهرة في بريطانيا ضد العنصرية والاسلاموفوبيا محمد أمين – لندن بلسان غير عربي ، وبشعارات وهتافات وموسيقى ، عبر عشرات الآلآف من المتظاهرين عن رفضهم ل ـ"الإسلاموفوبيا والعنصرية ضد المهاجرين، واحتشد المتظاهرون أمس السبت في شارع "اكسفورد سيركوس" وسط لندن، تلبية لدعوة تحالف " أوقفوا الحرب" ومجموعة" قفوا ضد العنصرية " من أجل التنديد بتنامي ظاهرة العداء للمسلمين ، وكذلك تنديدا بالتوجه اليمني والسياسيات العنصرية حسب تعبيرهم التي يدعو لها حزب الاستقلال البريطاني ضد المهاجرين ، وبعض الجماعات القومية التي تناصب المسلمين العداء.
مظاهرة في بريطانيا ضد العنصرية والإسلاموفوبيا (الجزيرة)

فالأرقام تدمر هذه الفرضية، حسب أتشيلي، الذي قال إن غالبية المستحقين للهجرة “لا يريدون الوصول إلى أوروبا ويواصلون البقاء في بلادهم أو في دول مجاورة، مضيفا “وإذا كان مرتكب حادثة الطعن في بلفاست سودانيا فلنأخذ السودان نموذجا”.

فمن أصل حوالي 14 مليون سوداني فروا بسبب الحروب خلال العقد المنصرم، يقول أتشيلي “إن 8 ملايين نزحوا داخليا فيما نزح 5 ملايين آخرين إلى الدول المجاورة مصر وتشاد وجنوب السودان، مع ملاحظة أن البلدين الأخيرين من بين الأفقر في العالم”.

لذلك، لا يمكن القول إن أوروبا تستقبل العدد الأكبر من المهاجرين، برأي الباحث الإيطالي، بل إنها تساهم في تفاقم أزمتهم من خلال القوانين التي تواصل تشديدها لمنع وصولهم إلى أراضيها.

صورة من فيديو بعنوان: ما ردود الفعل في بلفاست بعد حادثة الطعن التي قام بها لاجئ؟.. قراءة تحليلية في ما وراء الخبر
الآلاف شاركوا في مظاهرة مناهضة للكراهية والعنصرية بعد أجداث بلفاست (الجزيرة)

فعندما تضع أوروبا قيودا متزايدة على حق الهجرة واللجوء وهما حقان إنسانيان فإنها، توفر برأي أتشيلي “مزيدا من الفرص للاتجار بهؤلاء البشر عبر مافيا الهجرة غير النظامية، لأن الناس لن تتوقف عن محاولات البحث عن الأمان”.

إعلان

وإلى جانب ذلك “يوفر هذا السلوك الأوروبي فرصا أكبر لاجتذاب المهاجرين من جانب الجماعات الإرهابية التي تقول الحكومات الأوروبية إنها تحاربها”، بحسب الخبير في شؤون الهجرة.

والخلاصة برأي المتحدث، أن التواجد العربي والإسلامي “ضئيل جدا في أوروبا ومع ذلك يتم تحميله مسؤولية فوبيا الغزو، ومواجهتهم بقوانين لن تنجح في الحد من وصولهم بقدر ما ستخدم الجماعات الإجرامية التي تتاجر بهم”.

 

المصدر: الجزيرة