زلزال داخل إدارة ترمب.. استقالة جو كينت تكشف خلافات حادة حول الحرب على إيران

في تطور لافت داخل الولايات المتحدة، أعلن مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، جو كينت، استقالته من منصبه احتجاجا على الحرب الجارية ضد إيران، في خطوة وُصفت بأنها غير مسبوقة داخل الإدارة الأمريكية الحالية، وكشفت عن خلافات عميقة بشأن مبررات الانخراط العسكري ودور الحلفاء في توجيه القرار الأمريكي.

وقال كينت، في نص استقالته، “لا يمكنني تأييد حرب إيران التي لم تشكل تهديدا وشيكا”، مضيفا “واضح أننا بدأنا الحرب تحت ضغط إسرائيلي واللوبي النافذ لها”، في تصريحات أثارت تفاعلا واسعا داخل الأوساط السياسية والإعلامية.

وفي هذا السياق، قال مراسل الجزيرة من واشنطن فادي منصور، إن هذه الاستقالة تمثل زلزالا سياسيا بكل معنى الكلمة داخل إدارة الرئيس دونالد ترمب، وكذلك داخل تحالفه المعروف بحركة ماغا اليمينية.

وأضاف منصور أن جو كينت عُيّن في هذا المنصب الحساس في فبراير/شباط 2025 بقرار من الرئيس ترمب، ويُعد من أبرز المسؤولين في منظومة الاستخبارات، حيث يتولى تنسيق المعلومات المتعلقة بالتهديدات الإرهابية داخل الولايات المتحدة وخارجها، بالتعاون مع مختلف الأجهزة الأمنية والاستخباراتية.

وأوضح أن كينت يعمل أيضا كمساعد لمديرة الاستخبارات القومية تولسي غابارد، ما يمنحه اطلاعا واسعا على أدق التقديرات الأمنية والاستخباراتية.

خلفية عسكرية ونفوذ داخل الإدارة

وأشار مراسل الجزيرة إلى أن المسؤول المستقيل يُعد من الشخصيات المقربة من ترمب، ويتمتع بسجل عسكري بارز، إذ شارك في 11 مهمة قتالية بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، قبل أن ينضم إلى قوات النخبة التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية.

وفي رسالته التي نشرها عبر منصة “إكس”، أكد كينت أنه لا يستطيع “بضمير حي” دعم الحرب على إيران، معتبرا أنها جاءت نتيجة “ضغوط إسرائيلية وحملة تضليل” هدفت إلى إقناع الإدارة الأمريكية بوجود تهديد إيراني وشيك.

إعلان

وقال كينت، في رسالته، إن مسؤولين إسرائيليين بارزين، إلى جانب شخصيات مؤثرة في الإعلام الأمريكي، “شنوا حملة تضليل منذ وقت مبكر من عمر الإدارة” لدفع الرئيس نحو تبني خيار المواجهة مع إيران، على أساس أنها تشكل خطرا مباشرا.

وأضاف أنه يرفض “إرسال أبناء الولايات المتحدة للموت في سبيل شخص آخر”، مستحضرا تجربة شخصية مؤلمة، إذ أشار إلى أن زوجته، التي كانت تخدم في القوات الأمريكية، قُتلت في تفجير انتحاري في مدينة منبج السورية عام 2019، معتبرا أنها سقطت في حرب “جُرّت إليها الولايات المتحدة”.

وبحسب مراسل الجزيرة، فإن أهمية هذه الاستقالة تكمن في عدة أبعاد رئيسية، أبرزها أنها تمثل أول خروج لمسؤول بهذا المستوى من داخل الإدارة احتجاجا على الحرب، كما أنها تدحض الرواية الرسمية التي تؤكد أن إيران كانت تمثل تهديدا وشيكا.

كما تعمّق هذه الخطوة الجدل حول دور إسرائيل في دفع الولايات المتحدة نحو الحرب، وتكشف في الوقت ذاته عن انقسام متزايد داخل حركة “أمريكا أولاً”، بين تيار يدعم التدخلات العسكرية الخارجية، وآخر يرفض الانخراط في “حروب لا نهائية”.

وأشار المراسل إلى أن كينت كان قد دعم سابقا عمليات عسكرية محدودة في عهد ترمب، من بينها عملية اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني، لكنه يميز بين تلك العمليات والحرب الحالية التي يرى أنها تفتقر إلى مبرر واضح.

مفاجأة قوية

ومن جانبه، قال الكاتب والمحلل السياسي محمد المنشاوي إن الاستقالة “جاءت مفاجأة قوية لإدارة الرئيس ترمب”، مشيرا إلى أن جو كينت لا يُعد سياسيا تقليديا، بل شخصية ذات خلفية أمنية وعسكرية، إذ خدم في وكالة الاستخبارات الأمريكية وشارك في الحربين في أفغانستان والعراق، ويتمتع بسجل وطني لا يُشكك فيه داخل الولايات المتحدة.

وأضاف المنشاوي للجزيرة مباشر، أن المسؤول المستقيل برر قراره، وفق ما نشره عبر منصة “إكس” وبيانه الرسمي، بالقول إن “ضميره لا يتقبل أن تستمر هذه الحرب التي تم الدفع إليها عن طريق إسرائيل واللوبي القوي لها في الولايات المتحدة”، مضيفا أن هذه التصريحات تعكس ما وصفه بـ”المسكوت عنه” داخل دوائر القرار الأمريكية.

وأشار المنشاوي إلى أن كينت أكد أن الولايات المتحدة “ليس لها مصلحة مباشرة في المشاركة في الهجوم مع إسرائيل على إيران وتدمير مقدراتها”، معتبرا أن هذه الحرب تخدم بالأساس المصالح الإسرائيلية، ولا تعكس أولويات واشنطن الإستراتيجية.

وقال إن هذه الرؤية تتقاطع مع مواقف عدد من الساسة الأمريكيين، خاصة في الحزب الديمقراطي، وكذلك مع اتجاهات الرأي العام، حيث قال إن “أكثر من 60% من الأمريكيين، بعد دخول الحرب أسبوعها الثالث، ما زالوا غير مقتنعين بمنطق الرئيس ويرفضون استمرار الحرب أو حتى بدءها”، مشيرا إلى أن مبررات الإدارة الأمريكية حول وجود تهديد إيراني وشيك “ادعاءات غير موثقة ولا تمس الحقيقة بصلة”.

وفي سياق متصل، لفت المنشاوي إلى أن استقالة كينت وتصريحاته تضمنت “إلقاء اللوم على إسرائيل بالاسم”، في سابقة نادرة لمسؤول بهذا المستوى داخل الإدارة الأمريكية، مؤكدا أن هذه المواقف تعيد إلى الأذهان مبررات الحرب على العراق عام 2003.

إعلان

وأوضح أن تلك المرحلة شهدت، بحسب تعبيره، “ادعاءات كاذبة حول امتلاك العراق أسلحة دمار شامل”، مستشهدا بما قدمه وزير الخارجية الأمريكي الأسبق كولن باول أمام مجلس الأمن، معتبرا أن “العقل السياسي الأمريكي يدرك اليوم أن تلك المبررات لم تكن دقيقة”.

ضغوط اللوبي الإسرائيلي

وأكد المنشاوي أن اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة لا يزال يتمتع بنفوذ واسع، رغم ما وصفه بتراجع نسبي منذ الحرب على غزة، مشيرا إلى أنه “لا توجد منافسة حقيقية له من قِبَل الجهات العربية أو الإسلامية”.

وأضاف أن هذا النفوذ، إلى جانب الحسابات الإستراتيجية، دفع واشنطن إلى الانخراط في الحرب، موضحا أن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أقرّ أمام مجلس الشيوخ بأن الولايات المتحدة دخلت الحرب بعد قرار إسرائيلي بمهاجمة إيران، وأنه “لم يكن بالإمكان ترك إسرائيل وحدها”.

وأشار إلى أن كلفة الحرب حتى الآن تجاوزت 15 مليار دولار، وأسفرت عن مقتل 13 جنديا أمريكيا، ما يزيد من الضغوط الداخلية على الإدارة.

وفي ما يتعلق بتأثير الاستقالة على مسار الحرب، قال المنشاوي إن الرئيس دونالد ترمب “لا يتمتع بصبر إستراتيجي”، موضحا أنه راهن في البداية على انهيار سريع للنظام الإيراني، بل وتحدث عن إمكانية فرض مرشد جديد.

واختتم المنشاوي بالقول إن استقالة كينت تمثل “هزة كبيرة داخل الإدارة الأمريكية”، خاصة أنها صادرة عن مسؤول رفيع اختاره الرئيس نفسه وصادق عليه مجلس الشيوخ، وليست عن معارض سياسي تقليدي.

وأوضح أن هذه الخطوة قد تفتح الباب أمام “معارضة علنية من داخل معسكر ترمب نفسه”، لا سيما بين أنصاره الذين دعموا وعوده بعدم خوض حروب جديدة في الشرق الأوسط، معتبرا أن الاستقالة “سترفع الغطاء عن كثير من المواقف غير المعلنة داخل الإدارة الأمريكية”.

 

المصدر: الجزيرة