لم يكن فجر الخامس والعشرين من يونيو/حزيران الجاري عاديا بالنسبة لفنزويلا، فقد استيقظ سكانها في ساعات الفجر الأولى على وقع هزات مفزعة لزلزالين قويين، بلغت قوتهما 7.2 و7.5 درجات على مقياس ريختر. خلال لحظات، تحوّل المشهد في ظلمات الليل من السكون إلى فوضى الاستغاثات التي تعالت من تحت الركام عقب انهيار مبان في مناطق عدة شملت العاصمة كاراكاس.
وأعلنت السلطات الفنزويلية مقتل 235 شخصا على الأقل إثر الزلزالين، فيما أُصيب نحو 4300 أخرين حتى اللحظة. وهذه الحصيلة تُعد مبدئية ومن المرجح أن ترتفع خلال الساعات القادمة.
من جهتها، بادرت الولايات المتحدة بالإعلان عن حشد المساعدات بشكل عاجل لإنقاذ المنكوبين من تحت الأنقاض في فنزويلا، التي عانت تاريخيا من وطأة العقوبات الخانقة المفروضة عليها من قبل واشنطن وجهات دولية أخرى.
وكتب الرئيس دونالد ترمب على منصته “تروث سوشيال” إن “الولايات المتحدة الأمريكية مستعدة، وراغبة، وقادرة على المساعدة! لقد أصدرت تعليماتي لجميع وكالات حكومتنا بالاستعداد للتحرك بسرعة. سنكون هناك من أجل أصدقائنا الجدد والعظماء”.
وفتحت هذه الكارثة الطبيعية باب النقاش مجددا حول تأثير العقوبات المفروضة على بعض الدول عندما يتعلق الأمر بعمليات الإغاثة في حالات الطوارئ، إذ يرى خبراء أن العقوبات قد تعرقل مساعي الإنقاذ وتحد من نطاق المبادرات الإنسانية.
ونرصد لكم فيما يلي أبرز ما نعرفه عن العقوبات المفروضة على فنزويلا ومدى تأثيرها على قدرة السلطات في إنقاذ السكان.

ما هي العقوبات المفروضة على فنزويلا؟
تعاني فنزويلا من خناق العقوبات الأمريكية منذ عام 2005، التي تستهدف أفرادا وجماعات محددة، بالإضافة إلى العقوبات الأوروبية والبريطانية المفروضة عليها منذ عام 2017، بزعم ممارسة السلطات في كاراكاس “القمع السياسي” والتراجع عن الديمقراطية في عهد الرئيس المعتقل نيكولاس مادورو.
ووفقا للاتحاد الأوروبي، فإن تدابيرها العقابية على فنزويلا تشمل:
- حظر الأسلحة والمعدات المستخدمة في القمع الداخلي.
- فرض حظر السفر.
- تجميد الأصول على الأفراد المدرجين في قائمة العقوبات.
كما أدت العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة وكندا والاتحاد الأوروبي على قطاعي النفط والمال في فنزويلا إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية في البلاد. وتشير بيانات الأمم المتحدة لعام 2024 إلى أن حوالي 8 من كل 10 فنزويليين يعيشون تحت خط الفقر، بينما يعاني كثيرون من نقص في الاحتياجات الغذائية والأدوية الأساسية.
في المقابل، رفعت الولايات المتحدة العقوبات عن الرئيسة الفنزويلية بالوكالة ديلسي رودريغيز، بعدما اعتقلت واشنطن مادورو وزوجته مطلع العام الحالي، في حين أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية أنها ستصدر تراخيص جديدة للسماح بالمعاملات مع بنوك وأفراد معينين في فنزويلا.
واعتبرت رودريغيز أن هذه الخطوة ليست كافية لمساعدة فنزويلا على الخروج من أزمتها الاقتصادية المستمرة، فدفعت باتجاه مزيد من التخفيف. وكتبت آنذاك عبر وسائل التواصل الاجتماعي: “نجدد التأكيد على ضرورة المضي قدما نحو فنزويلا خالية من العقوبات، بما يوفر اليقين القانوني والمؤسسي للمستثمرين الوافدين إلى بلادنا، في بيئة تضمن لهم الاستثمارات المستدامة ورؤية مستقبلية تطلعية”.
كيف تؤثر العقوبات على المساعدات؟
لعل أول معضلة قد تواجه المساعي الدولية لمنح المساعدات الإنسانية العاجلة في أوقات الكوارث هي القيود الاقتصادية المفروضة على قنوات إرسال الأموال، فقد حذر مركز البحوث الاقتصادية والسياسية (سي إي بي آر) من أن المانحين الدوليين -بمن في ذلك الحكومات الأجنبية والمنظمات الإنسانية- سيصطدمون أمام عقبات وعرة عند محاولة إرسال الأموال والمساعدات إلى السلطات المعنية في كاراكاس.
وقال مدير السياسة الدولية لمركز الأبحاث أليكس ماين في بيان: “لقد رأينا في حالات سابقة كيف قيدت العقوبات الأمريكية جهود الإغاثة من الزلازل وعرقلتها”، مضيفا أنه من الضروري “أن تتمتع الحكومة الفنزويلية بالحرية لتلقي وتوزيع مساعدات الإغاثة من الزلازل، وإرسال الدعم الإنساني إلى من يحتاجون إليه. العقوبات الأمريكية وغيرها من العقوبات الحالية تهدد بعرقلة الاستجابة الشاملة للزلازل”.
وفي هذا الصدد، ترى سارة شيفلينغ، نائبة مدير معهد “هوملوغ” الفنلندي، أن المساعدات لن تصل إلى المتضررين والمحتاجين في الوقت المناسب بسبب العقوبات، التي قد تحد بشكل خطير من تدفق المساعدات الإنسانية.
وأوضحت للجزيرة الإنجليزية أن “العقوبات المالية يمكن أن تجعل من الصعب على المنظمات غير الحكومية إرسال الأموال إلى الدولة المتضررة لدفع أجور الموظفين أو الموردين. ويمكن أن تكون هناك أيضا أعباء إدارية إضافية تبطئ العمليات وتجعل من الصعب استيراد البضائع وإدخال الموظفين إلى البلاد”.
علاوة على ذلك، تخشى وكالات الإغاثة الإنسانية من الوقوع في انتهاك غير مقصود لهذه القيود، ما قد يفضي إلى إبطاء عمليات التسليم أو حتى إيقافها بشكل تام.
على الجانب الآخر، قد تتحول العقوبات إلى أداة بيد الجهات المانحة لاستغلال الأوضاع الإنسانية الحرجة للدول المعنية بهدف كسب مزيد من النفوذ عليها، وهو ما تطرقت إليه شيفلينغ عند الحديث في هذا الشأن: “من ناحية أخرى، قد تستثمر الولايات المتحدة هذه الكارثة لتعزيز حضورها ونفوذها في فنزويلا”.

ما دور واشنطن بشأن المساعدات المقدمة لفنزويلا حاليا؟
كتب جيريمي لوين، مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية، في منشور على منصة “إكس” أن واشنطن تقوم حاليا بإرسال فرق بحث وإنقاذ، إضافة إلى الإمدادات الطبية والإنسانية في أعقاب “الكارثة الطبيعية المأساوية”، بالتنسيق مع الحكومة الفنزويلية المؤقتة.
بيد أن شيفلينغ حذرت من مساع الولايات المتحدة لاستغلال الكوارث الطبيعية لتعزيز نفوذها في فنزويلا مقابل تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة للحكومة. وأردفت: “يبقى التمويل الحكومي محل شك على الدوام، إذ يطرح التساؤل ذاته حول ما إذا كانت الأموال تصرف لتمرير أجندة سياسية معينة”.
وعقب العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا واعتقال مادورو، تعهد ترمب “بإدارة” فنزويلا وحذّر من احتمال شن حملة عسكرية ثانية إذا لم تمتثل رودريغيز لمطالبه.
في المقابل، استجابت رودريغيز إلى حد كبير لطموحات ترمب من خلال تحرير الاقتصاد الفنزويلي وفتحه أمام المزيد من الاستثمارات الأجنبية. فهل تمهد الكوارث الطبيعية الطريق الأنسب أمام مزيد من الاستثمارات والنفوذ الأمريكي المباشر على الاقتصاد الفنزويلي لتلبية الاحتياجات الإنسانية العاجلة؟
المصدر: الجزيرة