ساحته “الهندي” و”الهادئ”.. سباق التسلح يستعر بين القوى الكبرى

في مشهد جديد يعكس تزايد سباق التسلح في المحيطين الهندي والهادئ، واصلت كوريا الشمالية اختبار صواريخها النووية لتعزيز حضورها العسكري، وذلك على وقع توترات جيوسياسية متصاعدة.

وبحضور زعيمها كيم جونغ أون، أجرت بيونغ يانغ تجارب على منظومة تسليح خاصة بالمدمرة “كانغ كون” التي تزن 5 آلاف طن، شملت إطلاق صواريخ كروز واستخدام وسائل للحرب الإلكترونية.

اقرأ أيضا

list of 2 items

  • list 1 of 2ما الإستراتيجية التي تعتمدها أوكرانيا لاستنزاف روسيا؟
  • list 2 of 2بعد رحلة نزوح شاقة.. عائلة غزاوية تأوي إلى مقبرة بمواصي خان يونس

end of list

وسبق أن تعهد الزعيم الكوري الشمالي بتزويد قواته البحرية بأسلحة نووية وتطوير سفن حربية جديدة تزن 10 آلاف طن، في خطوة تعكس رغبة بيونغ يانغ في توسيع قدراتها الدفاعية البحرية، حسب ما قاله عمرو النجار في تقريره على الجزيرة.

وبينما لا تزال الكوريتان في حالة حرب رسمية منذ أكثر من 7 عقود، تتسارع وتيرة التقارب الأمني والعسكري بين كوريا الجنوبية واليابان وتوسيع شراكتهما الدفاعية.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون (في الوسط) وهو يؤدي التحية للمدمرة الجديدة متعددة المهام “تشوي هيون” (Choe Hyon) عقب مراسم دخولها الخدمة في ميناء نامبو يوم 23 يونيو/حزيران 2026 (الفرنسية)

تعاون هندي ياباني

أما الهند واليابان فأعلنتا التزامهما بتعزيز مفهوم المحيطين الهندي والهادئ الحرين والمفتوحين واتفقتا على توسيع التعاون الدفاعي والأمني بما يشمل خططا لإجراء مناورات مشتركة بين قوات الدفاع الذاتية اليابانية والبحرية الهندية.

ففي مؤتمر صحفي أجرته خلال زيارتها لنيودلهي، قالت رئيسة وزراء اليابان ساناي ياكايتشي، إن توسيع التعاون في المجال البحري يعد مهما للأمن والسلام الإقليمي.

مناورات صينية روسية

ولم تكن روسيا والصين بعيدتين عما يجري في المنطقة من سباق للردع، إذ بدأت القوات البحرية والجوية الروسية والصينية اليوم الاثنين مناورات مشتركة في المياه والمجال الجوي المحاذي لمدينة تشينغداو الصينية بالمحيط الهادئ.

وتأتي هذه المناورات في إطار الشراكة العسكرية المتنامية بين بكين وموسكو، وتعزيز التنسيق العسكري والأمني لمواجهة ما تصفانه بالتحديات الأمنية المتزايدة. وتكشف هذه التجارب والمناورات والتقارب العسكري تحول المحيطين الهادئ والهندي إلى ساحة للتنافس الإستراتيجي بين القوى.

إعلان

ففي سبتمبر/أيلول 2025، كشفت الصين عن الصاروخ الباليستي “جولانغ-3” (موجة المحيط-3)، المصمم للإطلاق من الغواصات النووية، والذي يمنحها قدرة على تنفيذ ضربات خفية من أعماق البحار. ويضيف هذا الصاروخ عنصر المفاجأة إلى إستراتيجية الصين النووية ويعزز مناعة الردع، ويضمن لبكين قدرة على الرد إذا تعرضت لهجوم مفاجئ.

كما كشفت الصين – خلال عرض عسكري وُصف بأنه الأكبر في تاريخ البلاد الحديث- عن ترسانة متقدمة من الصواريخ فرط الصوتية المضادة للسفن ومنها الصاروخ الجديد “ينغ جي-15” (ضربة النسر-15) لأول مرة. وعرضت فئات “ينغ جي” الأخرى التي سبق اختبارها ضد نماذج لهياكل حاملات طائرات أمريكية.

الصين كشفت مؤخرا عن ترسانة جديدة من الصواريخ التي تعزز عقيدتها النووية (وكالة الأنباء الأوروبية- أرشيف)

 

تحول جذري مقلق

ويمثل هذا السباق جزءا من التحول الجذري والمقلق الذي شهده العام الجاري في العلاقات الدولية التي دخلت مرحلة جديدة من انعدام الاستقرار الإستراتيجي، مع تراجع الشفافية الدولية، وانهيار أطر مراقبة التسلح التاريخية مثل معاهدة “ستارت الجديدة”.

فقد كشف تقرير أعده معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري)، أن أكثر من ألفي رأس حربي في حالة تأهب تشغيل قصوى، معظمها لروسيا وأمريكا، وبدرجة أقل فرنسا وبريطانيا، مع احتمال نشر مؤقت من الصين والهند.

فبعد أن كان تفكيك الأسلحة النووية أسرع وتيرة من نشر أخرى جديدة منذ نهاية  الحرب الباردة، أصبح نشر الأسلحة لا تفكيكها هو الأكثر احتمالا وسرعة خلال السنوات المقبلة.

فسماء المحيط الهادئ وممراته البحرية لم تعد فضاء محايدا كما كانت بعدما تحولت إلى مسرح لاستعراض قوة متكرر من القوى الصاعدة أو التي تحاول الحفاظ على تفوقها العسكري التقليدي.

فبينما تتكثف التحركات العسكرية حول تايوان وتتوسع التحالفات الأمريكية اليابانية، تبني بكين وموسكو مسرح ردع مشتركا فوق البحار ذاتها التي شغلتها البحرية الأمريكية لعقود.

استعداد لصراع محتمل

فالمناورات الروسية الصينية التي انطلقت اليوم قرب اليابان وتايوان ليست حدثا عابرا ولا روتينيا وإنما حلقة جديدة من حلقات التحول العميق في ميزان القوى البحرية بين بكين وواشنطن، وخطوة متقدمة في بناء منظومة ردع مشتركة، تحمل رسائل مباشرة لليابان وحلفائها، وأخرى غير مباشرة للولايات المتحدة حول توازن القوى في غرب المحيط الهادئ.

فقد بلغت الدوريات الجوية الإستراتيجية المشتركة بين الصين وروسيا هذا العام طلعتها الـ11 منذ عام 2019، حسب صحيفة غلوبال تايمز الصينية، التي قالت إن هذه الدوريات جرت في مسار يمتد فوق بحر اليابان وبحر الصين الشرقي وغرب المحيط الهادئ.

في الوقت نفسه، سارعت كل من اليابان وكوريا الجنوبية إلى تحريك مقاتلاتهما ردا على هذه الدوريات، فيما أكدت طوكيو أنها تعقبت قاذفات إتش-6 (H-6) الصينية وتي يو-95 (Tu-95) الروسية والمقاتلات المرافقة لها، والتي عبر بعضها ممر “مياكو” المنفذ الحيوي إلى غرب المحيط الهادئ من بحر الصين الشرقي.

وفي سياق أبعد، كشف تقرير على موقع آسيا تايمز عن بعد إستراتيجي قد يكون الأهم في معادلة الردع، وهو ما يُسمى “فجوة الإصلاح” في البحرية الأمريكية بعدما حذرت دراسة من أن القدرة على إصلاح مدمرات “آرلي بيرك” المتضررة في مسرح المحيطين الهندي والهادئ أقل بكثير مما تتطلبه حرب كبرى مع الصين.

إعلان

ونقل آسيا تايمز عن تقرير لموقع “ذا وور زون” ، أن شريحة استخباراتية مسربة من البحرية الأمريكية كشفت امتلاك الصين قدرة بناء سفن تفوق قدرة الولايات المتحدة بـ 232 ضعفا، في وقت لا تمتلك فيه واشنطن سوى 8 أحواض عسكرية كبيرة.

لذلك، يبدو التكرار المنسق للمناورات بين الصين وروسيا محاولة لبناء نمط أعلى من التواصل يهدف لتحضير الخصوم ذهنيا على قبول مستوى أعلى من المخاطرة حول الجبهات الأمامية، بل وتمثل تدريبا على تكامل القوى في صراع محتمل، كما يقول آسيا تايمز.

كما تكشف أزمة إصلاح الأسطول الأمريكي مدى صعوبة إعادة السفن المتضررة إلى الخدمة في سيناريو حرب طويلة، ما يضفي على المناورات الصينية الروسية بعدا ردعيا إضافيا مبنيا على تفوق بنيوي في القدرة على تحمل الخسائر وإعادة توليد القوة.

وبالتزامن، تعيد هذه التحولات تذكير الولايات المتحدة وحلفائها بأن ميزان الردع في غرب المحيط الهادئ لا يُعاد تشكيله عبر عدد الصواريخ والطائرات، وإنما عبر من يملك القدرة التصنيعية والتنظيمية لإبقاء أسطوله في البحر والسماء أطول مدة ممكنة.

 

المصدر: الجزيرة