خلص تحقيق لصحيفة “واشنطن بوست” إلى أن 90% من ترشيحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لشغل مناصب دبلوماسية ذهبت إلى مؤيدين ومانحين وموالين له بدلا من دبلوماسيين محترفين، حتى مع افتقار عشرات السفارات إلى سفراء.
ففي مصر، على سبيل المثال، كان يشغل منصب سفير الولايات المتحدة لدى القاهرة دبلوماسي محترف منذ عقود، لكن في يونيو/حزيران الماضي، اقترحت إدارة ترمب تغييرا، إذ رشحت نيك أوبرهايدن (48 عاما)، وهو مانح سياسي ومحام قدّم تمثيلا قانونيا للذين هاجموا مبنى الكابيتول الأمريكي في السادس من يناير/كانون الثاني 2021، وليست لديه أي خبرة دبلوماسية رسمية.
وُلد أوبرهايدن في ألمانيا، وليست له أي صلة عامة بمصر، ومع ذلك، دافع مكتبه القانوني عن عملاء موالين للإدارة، وتبرع بنحو 1.3 مليون دولار للجان سياسية دعمت إعادة انتخاب الرئيس ترمب، وفقا لتحليل أجرته صحيفة “واشنطن بوست” لترشيحات السفراء وبيانات تمويل الحملات الانتخابية.
ويُظهر هذا الترشيح كيف يعتمد ترمب -أكثر من أي رئيس في التاريخ الحديث- على المانحين الأثرياء والموالين السياسيين لملء مناصب السفراء في السفارات الأمريكية حول العالم.
تحول
ويأتي ذلك في وقت أشرف فيه الرئيس الجمهوري على تغييرات واسعة النطاق في وزارة الخارجية، مما يُشير إلى تحول عن الأعراف السياسية التي وجهت السياسة الخارجية الأمريكية لعقود، بحسب مراقبين ودبلوماسيين سابقين.
لم يُجب أوبرهايدن عن طلب للتعليق، وحتى أول أمس الأربعاء، لم تنشر وزارة الخارجية الأمريكية شهادة كفاءة له، إذ تُقدم هذه الوثائق إلى الكونغرس لتوضيح مدى ملاءمة الفرد للمنصب الذي رُشِّح له.
وفي حديث لمجلة “دي” العام الماضي، قال أوبرهايدن المحامي المقيم في دالاس -الذي غالبا ما يكون موكلوه متورطين في تحقيقات فدرالية- إنه “يرغب بشدة في العمل دبلوماسيا وإحداث فرق في مفاوضات السلام”.
أقام أوبرهايدن علاقات وثيقة في الأوساط السياسية الجمهورية، إذ إن مايك بومبيو، وزير الخارجية في ولاية ترمب الأولى، مُدرج بوصفه محاميا منتسبا على موقع شركة أوبرهايدن، وتُظهر صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي تفاعله مع الرئيس وعائلته ومسؤولين كبار آخرين في الإدارة.
وعند سؤال المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي عن توجه ترمب نحو المانحين السياسيين لشغل وظائف يشغلها عادة دبلوماسيون محترفون، أشادت بفريق الرئيس للسياسة الخارجية، وأكدت -في بيان مكتوب- أن جميع سفرائه يتمتعون بمؤهلات استثنائية، وقد لعبوا دورا مهما في تعزيز أجندة “أمريكا أولا”، ولم تُجب كيلي عن أسئلة محددة حول أوبرهايدن أو غيره من المانحين المرشحين لمناصب السفراء.

زعزعة
ويقول مراقبون إن ترمب، منذ ولايته الأولى، انتهج نهجا مُزعزعا في إدارة المصالح الأمريكية العالمية، ونظر إلى بعض الدبلوماسيين المحترفين بوصفهم جزءا من “دولة عميقة” معادية تسعى لعرقلة أهدافه في السياسة الخارجية.
واعتمد ترمب بشكل كبير على أصدقائه وأفراد عائلته، مثل قطب العقارات ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر، للترويج لبرنامجه خلال ولايته الثانية.
تجاهل القانون
باختياره المانحين والموالين لشغل مناصب السفراء، يتجاهل ترمب قانونا صدر عام 1980 ينص على أن الأشخاص ذوي الخبرة الدبلوماسية فقط هم من يجب أن يشغلوا هذه المناصب، وأنه لا يجوز استغلال هذه التعيينات لتكون محسوبية سياسية.
لكن يُنظر إلى القانون على أنه استشاري فقط نظرا لحق الرئيس الدستوري في التعيينات السياسية، كما يقول رايان سكوفيل، الأستاذ بجامعة ماركيت والمتخصص في دراسة ترشيحات السفراء.
وفي حين كافأ رؤساء من كلا الحزبين بعض المانحين لحملاتهم الانتخابية بمناصب دبلوماسية، وغالبا ما خصصوا لهم مناصب مرموقة في أوروبا الغربية أو منطقة الكاريبي، فقد عين ترمب عددا أكبر بكثير من المرشحين السياسيين في مناصب يشغلها تقليديا دبلوماسيون محترفون.
كما تركت إدارته أكثر من 100 بعثة دبلوماسية دون تعيين رئيس لها، بما في ذلك مناصب رئيسية في روسيا وألمانيا والمملكة العربية السعودية. يشكل مرشحو ترمب الذين ينتظرون مصادقة مجلس الشيوخ ما يقارب ثلث الشواغر، وفقا لبيانات جمعية الخدمة الخارجية الأمريكية غير الحزبية.
روابط مالية
يقول رئيس الجمعية جون دينكلمان، وهو دبلوماسي سابق خدم في إدارات جمهورية وديمقراطية، إنه على الرغم من الأداء الجيد لعديد من المعينين سياسيا، فإن الموظفين الحكوميين ذوي الخبرة الدبلوماسية يُفضل عليهم مرشحون تربطهم علاقات سياسية أو مالية بالرئيس.
ومن بين 102 مرشح قدمتهم الإدارة لشغل مناصب السفراء حتى أول أمس الأربعاء، 90% منهم مرشحون سياسيون، وفقا لتحليل صحيفة “واشنطن بوست” لبيانات جمعية الخدمة الخارجية الأمريكية. ويمثل هذا خروجا كبيرا عن المألوف في الآونة الأخيرة، إذ شهدت كل إدارة منذ الرئيس جيرالد فورد شغل دبلوماسيين محترفين أكثر من نصف مناصب السفراء.
وفي عهد الرئيس جو بايدن، شكل الدبلوماسيون المحترفون 60% من المرشحين لمنصب السفير في هذه المرحلة من رئاسته. من بين نحو 90 سفيرا يشغلون مناصبهم حاليا، أقل من الثلث -25 سفيرا- هم دبلوماسيون محترفون، معظمهم من دبلوماسيي إدارة بايدن، وفقا للبيانات.
وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية، تومي بيغوت، أن إدارة ترمب “تسير بخطى ثابتة” نحو تأكيد تعيين عدد أكبر من المرشحين السياسيين في أول عامين من ولايتها مقارنة بإدارة بايدن في الفترة نفسها.
قائمة المتبرعين
وإذا تمّت الموافقة على تعيين أوبرهايدن في منصب سفير مصر، سينضم إلى قائمة المتبرعين الآخرين الذين أُرسلوا إلى سفارة لطالما قادها دبلوماسيون محترفون.
وفي الفلبين، على سبيل المثال، يشغل منصب السفير الأمريكي لي ليبتون، صاحب مطعم “بينيز أون ذا بيتش” في بالم بيتش، بفلوريدا.
وأظهر تحليل أجرته صحيفة “واشنطن بوست” لبيانات تمويل الحملات الانتخابية أن ليبتون، صديق ترمب وعضو ناديه في مارالاغو، تبرع بنحو 10 آلاف دولار للجان سياسية داعمة لترمب قبل انتخابات عام 2024.
أما بيرني نافارو، سفير الولايات المتحدة لدى بيرو، فهو مدير تنفيذي في شركة استثمار عقاري من فلوريدا، وصديق لوزير الخارجية ماركو روبيو وداعم له منذ فترة طويلة.
كما تبرّع نافارو بعشرات الآلاف من الدولارات لقضايا جمهورية أخرى خلال الدورة الانتخابية الأخيرة، بمليون دولار للجنة تنصيب ترمب بعد إعادة انتخابه، وفقا لسجلات قدّمها نافارو للكونغرس.
ولم تستضف مانيلا وليما سفراء أمريكيين معينين سياسيا منذ عقود. وكان آخرهم في مصر ريتشارد إتش نولتي، وهو أكاديمي متخصص في شؤون الشرق الأوسط رشحه الرئيس ليندون جونسون، لكنه لم يخدم سوى أسابيع قليلة قبل أن تُنهي حرب عام 1967 ولايته.
تجاهل الكفاءات
وفي حين يُلزم القانون وزارة الخارجية الأمريكية بنشر شهادات الكفاءة لمرشحيها، يرى المراقبون أنها أصبحت “شبه عديمة الجدوى” في عهد إدارة ترمب الثانية، لأن هذه الوثائق “غالبا ما تفتقر إلى معلومات عن خبرة المرشح ذات الصلة، وتركز بدلا من ذلك على نجاحه في مجال الأعمال”، حسب ما صرح به كيدريك باين، المدير الأول للأخلاقيات في مركز الحملات القانونية.
وردا على استفسارات حول شهادات الكفاءة، قالت وزارة الخارجية إنها “تتواصل مع مجلس الشيوخ بشأن المتطلبات اللازمة للنظر في الترشيحات”.
ويقول مؤيدو التعيينات السياسية إن الدول المضيفة تُفضّلهم في بعض الحالات. وقد عين ترمب حلفاء موثوقين مثل توم باراك، وسيرجيو غور في مناصب رئيسية في تركيا والهند على التوالي، حيث اكتسب كلاهما سمعة طيبة في التأثير الكبير في واشنطن.
وبينما صرّحت الإدارة الأمريكية بأن الخبرة العملية لمرشحيها تُعدّ نقطة قوة، وأن جميع السفراء يتلقون تدريبا قبل تولي مناصبهم، يرى بعض الدبلوماسيين المحترفين أن هذا لا يُضاهي عقودا من الخبرة والمعرفة العميقة بلغة الدولة ومجتمعها.
ويقول دينكلمان “عندما يندلع انقلاب أو يقع زلزال في الثانية صباحا، فإن هذه الخبرة تُشكل الفرق بين استجابة أمريكية منسقة واستجابة مرتجلة”.
سوء سلوك
وفي السنوات الأخيرة، تعرض عدد من المتبرعين الذين أصبحوا سفراء لانتقادات من مكتب المفتش العام بوزارة الخارجية، الذي حقق في مزاعم سوء سلوك تتراوح بين الإدلاء بتصريحات غير لائقة وإنفاق غير رشيد، وصولا إلى الإضرار بالعلاقات مع الدولة المضيفة.
واتهمت السيناتورة جين شاهين -من نيو هامبشاير وهي من أبرز الديمقراطيين في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ- الإدارة الأمريكية بالانسحاب من الساحة الدولية بترك مناصب السفراء شاغرة.
وقالت -في بيان لها- إن “لدى الصين سفراء في كل دولة تقريبا تربطها بها علاقات دبلوماسية، مما يُعزز مصالحها على حساب مصالح أمريكا”.
وقال مسؤول رفيع في وزارة الخارجية -رفض ذكر اسمه- إن “الإدارة تعتزم تعديل القواعد المنظمة للتعيينات في المناصب العليا، بما يسمح بترقية أسرع للموظفين المؤهلين، وإن كانوا أقل خبرة فهذا التغيير وغيره سيؤدي إلى زيادة عدد السفراء المحترفين”.
تسريح
وفي عهد روبيو، سرحت وزارة الخارجية مئات الموظفين المحترفين وألغت مكاتب بأكملها. ويشغل الآن مناصب إدارية رئيسية في مقر الوزارة بواشنطن معينون سياسيون يفتقرون إلى أي خبرة سابقة في السياسة الخارجية، وبعضهم لا يزال في العشرينيات من عمره.
لكن النهج المختلف المتبع في تعيين السفراء الأمريكيين قد يكون أبرز مثال علني على كيفية تغيير إدارة ترمب لوجه الدبلوماسية الأمريكية.
ووفقا لتحليل صحيفة “واشنطن بوست”، تبرع نحو ثلث المرشحين غير المحترفين الذين رشحهم ترمب للجان موالية له منذ عام 2023.
ويشبه هذا الوضع ما حدث في إدارتي بايدن وترمب الأولى، لكن المتبرعين المرشحين لمناصب السفراء قدموا الآن أموالا أكثر بكثير، نحو 35 مليون دولار إجمالا، أو أكثر من ضعف مجموع التبرعات التي قُدمت لبايدن وترمب سابقا.
وأظهر التحليل ما يلي:
- تبرع أكثر من 12 معينا بما لا يقل عن مليون دولار منذ عام 2023 للجان موالية لترمب، مقارنة بواحد فقط خلال رئاسة بايدن وآخر خلال ولاية ترمب الأولى.
- تبرع رجل الأعمال وارن ستيفنز، من ولاية أركنساس، الذي تم تعيينه سفيرا للولايات المتحدة لدى بريطانيا العام الماضي، وحده بأكثر من 9 ملايين دولار للجان الداعمة لترمب خلال تلك الفترة.
- من بين المتبرعين البارزين الآخرين الذين تم تعيينهم في دول لطالما شغلها دبلوماسيون محترفون، سيدة الأعمال ميليسا أرغيروس، التي تبرعت بأكثر من مليوني دولار للجان مؤيدة لترمب، وتشغل أرغيروس حاليا منصب سفيرة الولايات المتحدة في لاتفيا، وهي أول معينة سياسية هناك منذ إدارة جورج دبليو بوش.
حالة نادرة
وصف المتحدث باسم وزارة الخارجية تومي بيغوت أي تلميح إلى أن ترمب منح مناصب السفراء بناء على تبرعات سياسية بأنه “رواية مبتذلة ومكررة”، وقال “على عكس سياسيي الماضي، فهو لا يُشترى من أحد”.
وتُعد الولايات المتحدة حالة نادرة بين الدول المتقدمة في اختيار المانحين بانتظام لشغل مناصب دبلوماسية، على الرغم من أن قانون الخدمة الخارجية لعام 1980 صُمم للحدّ من هذه الممارسة.
وأضاف سكوفيل، أستاذ بجامعة ماركيت، أن الدور المفرط لتمويل الحملات الانتخابية في الولايات المتحدة يجعل من غير المرجح أن يعترض الكونغرس على هذه المسألة. وقال: “في بعض هذه الحالات على الأقل، يُقدّم الأفراد أنفسهم الذين يتبرعون للرئيس تبرعات لأعضاء مجلس الشيوخ”.
المصدر: الجزيرة