سفينة إيرانية تدمر زورقا أمريكيا خلال محاولة الاستيلاء عليها.. ما حقيقة الفيديو المتداول؟

منذ أشهر، تفرض القوات الأمريكية حصارا بحريا على إيران، شمل اعتراض عشرات السفن الإيرانية، وإجبار بعضها على تغيير مساراتها، في حين صعدت قوات من مشاة البحرية الأمريكية (المارينز) إلى عدد منها، ضمن عمليات تقول واشنطن إنها تستهدف تعطيل شبكات الدعم اللوجستي والتهريب المرتبطة بإيران.

وفي خضم تزايد الأنباء عن هذه الاعتراضات، تداولت حسابات على منصات التواصل الاجتماعي مقطعا مصورا زعمت أنه يوثق طاقم ناقلة نفط إيرانية وهو يتصدى لمحاولة أمريكية للاستيلاء على السفينة، بعد إطلاق النار على زورق استطلاع أمريكي وإصابته، قبل أن ينفجر على مقربة منها.

اقرأ أيضا

list of 2 items

  • list 1 of 2كرة هائلة من اللهب.. ما حقيقة انفجار كبير بالبصرة عقب غارات أمريكية سعودية؟
  • list 2 of 2خروق في بدن بارجة حربية أمريكية.. هل أصابتها صواريخ إيرانية؟

end of list

ويظهر في المقطع أفراد من الطاقم يحملون بنادق قنص، ويطلقون النار باتجاه زورق سريع يقترب من السفينة، قبل أن يصيبه انفجار يحول دون وصوله إليها.

كيف انتشر الفيديو؟

أظهر تتبع مسار انتشار الفيديو أن أقدم نسخة أمكن الوصول إليها نُشرت عبر حساب على منصة إكس، يحمل اسم “صادق المحمداوي”، وهو حساب يعرّف صاحبه بأنه من العراق. ونُشر المقطع من خلاله مرفقا بادعاءات تزعم أنه يوثق أفراد طاقم ناقلة نفط إيرانية وهم يدمرون زورق استطلاع أمريكيا حاول الاقتراب من السفينة والاستيلاء عليها.

وبمراجعة نشاط الحساب خلال الفترة الأخيرة، تبين أنه ركز بصورة لافتة على نشر محتوى يتعلق بالحرب والتصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، لا سيما المواد المرتبطة بإيران والولايات المتحدة وإسرائيل.

كما أظهر الرصد أن الحساب سبق أن نشر عددا من المقاطع والادعاءات التي ثبت لاحقا أنها مضللة أو غير مدعومة بأدلة موثوقة، وهو ما يعزز ضرورة التعامل بحذر مع المحتوى الذي ينشره.

ولم يتوقف انتشار الفيديو عند هذا الحساب، إذ أظهر تحليل مسار تداوله على منصة “إكس” أنه انتقل بسرعة إلى مجموعة من الحسابات التي تتبنى خطابا مؤيدا لإيران، والتي أعادت نشره بالادعاء ذاته دون تقديم أي دليل يثبت صحة الواقعة أو مصدر المقطع.

 

ومن أبرز هذه الحسابات (Iran Mil Updates) وهو حساب حديث الإنشاء يركز بصورة شبه كاملة على نشر أخبار وادعاءات تتعلق بالقدرات العسكرية الإيرانية والعمليات المنسوبة إلى طهران، إضافة إلى حسابات أخرى مثل (tvir_X وFajrmaarifa) و(LindaHerna76135) التي أسهمت في إعادة تداول الفيديو وتوسيع نطاق انتشاره بين المستخدمين.

ويشير هذا النمط من الانتشار إلى أن المقطع لم ينتشر بداية عبر وسائل إعلام أو مصادر رسمية، وإنما عبر شبكة من الحسابات المتقاربة في خطابها ومضمون منشوراتها، قبل أن يحصد تفاعلا أوسع على منصات التواصل الاجتماعي.

ماذا كشف التحليل؟

أجرت وحدة المصادر المفتوحة بشبكة الجزيرة بحثا عن الفيديو من خلال البحث العكسي واستخراج لقطات رئيسية وفحصها، ومراجعة الخصائص البصرية للسفينة والزورق الظاهرين في المشهد، ومقارنة نتائج البحث مع بيانات الحوادث البحرية وسجلات الملاحة المتاحة، فضلا عن مراجعة نمط العمليات البحرية الأمريكية الموثقة في حالات مماثلة.

إعلان

وأظهر الفحص الأولي أن السفينة الظاهرة في الفيديو لا تتطابق مع مواصفات ناقلات النفط كما ادعت المنشورات المتداولة، إذ إن هيكلها الخارجي وشكل سطحها وترتيب الحمولة الظاهرة على متنها تؤكد أنها سفينة حاويات وليست ناقلة مخصصة لنقل النفط الخام والمشتقات البترولية.

كما كشف التحليل أن الزورق الذي يقترب من السفينة لا تظهر على متنه أي مؤشرات تدل على وجود طاقم بشري، إذ لا يمكن رصد أفراد أو تجهيزات خاصة بزوارق الاقتحام المستخدمة عادة في عمليات الاعتراض البحري.

وترجّح هذه المؤشرات أن الزورق الظاهر في المقطع زورق مسيّر غير مأهول، وليس زورق استطلاع أو اعتراض تابعا للقوات الأمريكية كما زعمت الادعاءات المتداولة.

وللتحقق من مدى توافق المشهد مع أساليب الاعتراض التي تعتمدها القوات الأمريكية، راجع فريق التحقق مقاطع مصورة وتقارير رسمية سبق أن نشرتها القيادة الأمريكية لعمليات السيطرة على السفن في المنطقة.

وتُظهر هذه التسجيلات أن القوات الأمريكية تعتمد في مثل هذه العمليات على مروحيات عسكرية لإنزال أفراد التفتيش، إلى جانب زوارق اقتحام سريعة مأهولة تنقل أفراد مشاة البحرية (المارينز) إلى السفن المستهدفة، ولا تستخدم زوارق مسيّرة من النوع الظاهر في الفيديو لتنفيذ عمليات الصعود والسيطرة.

وبناء على هذه المقارنة، لا يتوافق المشهد المتداول مع التكتيكات والإجراءات المعلنة التي تستخدمها القوات الأمريكية في عمليات الاعتراض البحري، كما لا يقدم الفيديو أي مؤشرات بصرية تدعم الادعاء بأنه يوثق محاولة أمريكية للاستيلاء على سفينة إيرانية.

ما الحقيقة؟

قاد البحث العكسي عن الفيديو -إلى جانب تتبع أقدم النسخ المتداولة منه على منصات التواصل الاجتماعي- إلى نتيجة مغايرة تماما للرواية المرفقة بالمقطع، فقد تبين أن الفيديو قديم، وأنه منشور قبل أكثر من عام من التصعيد البحري الحالي، وهو ما ينفي ادعاء أنه يوثق مواجهة حديثة بين طاقم ناقلة إيرانية والقوات الأمريكية.

وأظهرت نتائج البحث أن أقدم نسخة أمكن الوصول إليها نُشرت في 29 يوليو/تموز 2024، وتضمنت مقطعا أطول من النسخة المتداولة حاليا، وهو ما يؤكد أن الفيديو أُعيد استخدامه خارج سياقه الأصلي مع إرفاقه بادعاءات مضللة تربطه بالأحداث الجارية.

ولم يقتصر التحقق على تحديد تاريخ نشر الفيديو، بل امتد إلى تتبع السياق الذي ارتبط به عند ظهوره لأول مرة، إذ قادت نتائج البحث إلى عدد من المنشورات التي ربطت المقطع بحادثة استهدفت سفينة تجارية في البحر الأحمر، وليس بعملية اعتراض أمريكية لسفينة إيرانية في الخليج العربي أو مضيق هرمز.

وللتأكد من هذه الرواية، راجع فريق التحقق التقارير الصادرة عن هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (UKMTO) بشأن الحوادث البحرية المسجلة خلال الفترة ذاتها. وأظهرت المراجعة أن الهيئة أصدرت -في 20 يوليو/تموز 2024- تنبيها أمنيا، أفادت فيه بتعرض سفينة تجارية لهجوم على بُعد 64 ميلا بحريا شمال غرب مدينة المخا اليمنية.

ووفقا للتقرير، فإن طاقم السفينة أبلغ عن اقتراب زورق مسيّر غير مأهول منها، قبل أن ينفجر على مقربة من السفينة، من دون أن يتمكن من الاصطدام بها. وتتطابق هذه التفاصيل بصورة كبيرة مع ما يظهر في الفيديو، سواء من حيث طبيعة الزورق، أو طريقة اقترابه، أو لحظة الانفجار بالقرب من السفينة.

إعلان

وتشير هذه الأدلة مجتمعة إلى أن الفيديو لا يوثق إحباط طاقم ناقلة نفط إيرانية محاولة أمريكية للاستيلاء عليها، وإنما يعيد إحياء مشهد قديم يعود إلى يوليو/تموز 2024، ويُرجَّح أنه يوثق حادثة مرتبطة بهجوم بزورق مسيّر استهدف سفينة تجارية في البحر الأحمر، قبل إعادة نشره خارج سياقه الحقيقي مع ادعاءات مضللة تربطه بالتصعيد البحري الحالي بين الولايات المتحدة وإيران.

وتشير بيانات الملاحة إلى أن السفينة بومبا (PUMBA) هي سفينة حاويات بُنيت عام 2008 وترفع علم ليبيريا، وكانت قد غادرت ميناء جدة السعودي في 18 يوليو/تموز 2024 متجهة إلى ميناء كلانغ في ماليزيا، حيث كان من المقرر وصولها في 28 يوليو/تموز 2024.

كما تبين أن السفينة غادرت ميناء جدة قبل يومين من تعرضها للهجوم، وهو ما يتوافق مع التقارير الملاحية الصادرة حينئذ بشأن الحادث.

 

المصدر: الجزيرة