لم تكن عدسة الكاميرا في غزة مجرد أداة لتوثيق الأحداث، بل تحولت إلى سلاح إستراتيجي يوازي في تأثيره قذائف الياسين وبنادق القنص، وقد أثبتت كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، قدرة فائقة على إدارة حرب نفسية وإعلامية معقدة عبر جهاز الإعلام العسكري الذي رافق المقاتلين في أعتى محاور الاشتباك.
وجاء المقطع المرئي الأخير الذي بثته الكتائب لنعي الشهيد صلاح الدين أشرف جودة، أحد عناصر الإعلام العسكري في لواء شمال غزة، ليكشف تفاصيل دقيقة عن طبيعة هذه المهام المحفوفة بالمخاطر، حيث شكلت الصورة خط دفاع هجومي يضرب الرواية الإسرائيلية.
اقرأ أيضا
list of 2 items
end of list
وتظهر المشاهد التي وثقها الشهيد جودة، المولود عام 2003 والذي ارتقى في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، حجم التعقيد العملياتي في تكتيكات القسام، ففي أحد المشاهد، يستلقي جودة أرضا موجها عدسته نحو آلية إسرائيلية، بينما يستهدفها مقاتل آخر بقذيفة مضادة للدروع، ولم ينته المشهد هنا، بل وثق لحظة تقدم مقاتل للالتحام المباشر وزرع عبوة العمل الفدائي على الآلية، وسط هتاف جودة له قائلا: “أطبق عليهم”.
هذا التوثيق المزدوج، يعكس تحليلا واقعيا لمدى انضباط العمل العسكري، حيث كان التصوير جزءا لا يتجزأ من خطة الهجوم نفسها، ويثبت هذا الأداء أن الكتائب تتبنى عقيدة قتالية تعتبر الصورة دليلا قاطعا لإحباط أي محاولة إسرائيلية للتكتم على الخسائر، متجاوزة كافة منظومات الرقابة والتشويش المعقدة على مدار عامين من الحرب.
ولم تقتصر مهام الإعلام العسكري على توثيق التحام الدروع، بل شملت العمليات التكتيكية الدقيقة، فقد رافق جودة القائد الميداني الشهيد أحمد سويلم، الذي نفذ عملية قنص ناجحة لأحد الجنود الإسرائيليين شمالي القطاع باستخدام بندقية “الغول” المحلية، ليعقب جودة على العملية قائلا إن “الويل ينتظرهم من صنيع رجال الشمال”، متوعدا بإعادة الكرة حينها.
وتبرز أهمية هذا الدور الإعلامي في تنوعه، حيث ظهر جودة أيضا مشاركا في تصوير عمليات تسليم الأسرى الإسرائيليين في مدينة غزة، وهو ما يثبت قدرة منظومة القيادة والسيطرة الإعلامية على الانتقال بسلاسة تامة من توثيق المعارك داخل الأنفاق وبين الركام، إلى نقل الرسائل السياسية والإنسانية، كما يرى مراقبون.
وعلق مدونون أن خلف هذه المشاهد الاستثنائية، تقف تضحيات جسيمة يقدمها عناصر الإعلام العسكري الذين يغامرون بحياتهم لضمان وصول الصورة، وقد عكس المقطع الجانب الإنساني المؤثر حين ظهر جودة مودعا والده الشهيد القائد الميداني أشرف جودة، معاهدا إياه على استكمال المشوار، قبل أن يلحق به وبشقيقه الشهيد ياسر، ليضرب مثلا لعائلة انخرطت بكاملها في صفوف المقاومة.
وقد تفاعل رواد المنصات مع هذه التضحيات، حيث أشار الناشط تامر قديح إلى أن المشاهد التي تصل إلى الجمهور هي نتاج مخاطرة شبان بأرواحهم، وكتب قائلا ” المشاهد التي وصلت إليكم خلال الحرب، والتي توثق كمائن المقاومين، هي من توثيق الإعلام العسكري؛ الذين غامروا بحياتهم من أجل توثيق تلك اللحظات. ومن بينهم الشهيد صلاح جودة في لواء الشمال، والذي ودع والده أشرف القائد الميداني وشقيقه ياسر المقاتل المقاوم، وفي النهاية لحق بهما صلاح. عائلة كلّها مقاتلون مقاومون وقادة ميدانيون”.
بينما نقل الناشط أحمد حمدان تفاصيل حوار ممازح بين جودة والقناص سويلم، حيث أخبره أن رصاصته لا تخيب تماما كما لا يخطئ حذاء والدته هدفه نحوهم، ليعكس هذا الموقف روحا معنوية عالية وثباتا منقطع النظير وسط دمار الحرب.
وتُعد “أقمار الطوفان” سلسلة من الإصدارات المرئية التي تنتجها وتبثها “كتائب القسام”، الجناح العسكري لحركة حماس، وتهدف هذه السلسلة إلى توثيق مسيرة وتضحيات قادتها الميدانيين ومقاتليها الذين ارتقوا خلال معركة “طوفان الأقصى” والمواجهات العسكرية في قطاع غزة منذ أواخر عام 2023.
المصدر: الجزيرة