بينما ينشغل العالم بمراقبة حركة السفن في مضيق هرمز، بعد الإعلان عن فتحه رسميا أمس الجمعة وإعادة إغلاقه اليوم السبت، تجري معركة من نوع آخر قوامها المصطلحات وصناعة الرواية، إذ دخلت الولايات المتحدة وإيران في صراع لغوي يستثمر فيه كل طرف هلامية المصطلحات لإظهار الانتصار لجمهوره.
فبينما يرى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في فتح مضيق هرمز خضوعا لإرادته ونزعا لسلاح إيران الاقتصادي، تراه طهران تكريسا لسيادتها، إذ فرضت بروتوكول المسارات المنسقة الذي يحول المضيق عمليا من ممر دولي إلى ممر إيراني الإدارة، محققة بذلك اعترافا ضمنيا بقدرتها على التحكم في شريان الطاقة العالمي.
هذا التباين بين الرواية الإيرانية والرواية الأمريكية امتد ليشمل تفاصيل أخرى من التفاوض، فترمب يسوّق التنازلات النووية الإيرانية على أنها تخلص من “غبار” لا قيمة له تحت ضغط القوة، بينما تصورها إيران باعتبارها مقايضة إستراتيجية ذكية تسعى عبرها لاستعادة مليارات الدولارات المجمدة دون تقديم تنازلات جوهرية لم تكن مطروحة سابقا.

المسار المنسق
أعلن المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء في إيران إعادة إغلاق مضيق هرمز وعودة الوضع إلى حالته السابقة، مؤكدا أن هذا الممر المائي الإستراتيجي سيبقى تحت الإدارة المباشرة للقوات المسلحة الإيرانية وخاضعا لرقابة مشددة.
وأوضح المتحدث أن طهران كانت قد أبدت “حسن نية” في وقت سابق بناء على المفاوضات الجارية، حيث وافقت بموجب تلك التفاهمات على عبور عدد محدود من ناقلات النفط والسفن التجارية عبر المضيق بصورة مُدارة، غير أن الجانب الأمريكي استمر في ممارساته التي وصفها بـ”القرصنة والسطو البحري” تحت ذريعة الحصار.
وكان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قد فاجأ العالم، أمس الجمعة، بتغريدة على منصة إكس أعلن فيها أن مضيق هرمز أصبح مفتوحا كليا أمام جميع السفن التجارية طوال الفترة المتبقية من وقف إطلاق النار، وذلك تماشيا مع وقف إطلاق النار في لبنان.
لكن عراقجي شدد في منشوره على أن مرور السفن عبر المضيق سيكون عبر “المسار المنسق” الذي أعلنته سابقا منظمة الموانئ والملاحة البحرية الإيرانية.
وذكر مسؤول إيراني كبير لوكالة رويترز أن جميع السفن التجارية، باستثناء السفن الحربية، يمكنها الإبحار عبر المضيق مع ضرورة التنسيق مع الحرس الثوري، وأن العبور سيقتصر على الممرات التي تعتبرها إيران آمنة.
والمسار المنسق الذي أعلنته طهران يلتف بمحاذاة جزيرة لارك شمالا وجنوبا قرب السواحل الإيرانية، وهو طريق بديل كانت قد وضعته القوات البحرية التابعة للحرس الثوري للملاحة عبر مضيق هرمز بهدف ما سمته “العبور الآمن للسفن” وتفاديا للألغام، وذلك وفق إرشادات وخرائط نشرتها وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية.
وبعد منشور عراقجي بدقائق، أعلن ترمب بصيغة انتصار إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة العبور بشكل كامل، وقد كان المعبر مفتوحا أصلا ثم أغلقته إيران بعد بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها في 28 فبراير/شباط الماضي تنفيذا لتهديد قديم.
وفي تدوينة نشرها ترمب عبر حسابه على منصته تروث سوشال قال: تم فتح مضيق هرمز كليا، وهو جاهز للتجارة وحرية العبور.
وبينما وصف البيت الأبيض فتح المضيق بأنه “إعادة الانضباط” للملاحة الدولية، تناولته طهران في قنواتها الرسمية على أنه “فرض للإرادة السيادية”.
الغبار النووي
في قاموس ترمب، لا يُعد اليورانيوم المخصب تهديدا حقيقيا بقدر ما هو أداة للمساومة، ومن هنا أطلق مصطلحه “الغبار النووي” (Nuclear Dust)، فهذا الوصف هو إستراتيجية لغوية من ترمب تهدف إلى تحقير رصيد إيران النووي وتسويقه باعتباره نفايات بلا قيمة أو غبار تذروه الرياح.
ترمب يحاول أيضا تسويق الاتفاق مع إيران لجمهوره على أنه صفقة تخلص فيها العالم من مجرد “غبار” دون دفع ثمن سياسي حقيقي.
وشدد ترمب في تصريحاته على أن إيران وافقت على تسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب، وقال للصحفيين في البيت الأبيض “لقد وافقوا على تسليم الغبار النووي لنا”، مكررا استخدام هذا التعبير للإشارة إلى مخزون اليورانيوم المخصب الذي تقول الولايات المتحدة إنه يمكن استخدامه في تصنيع أسلحة نووية.
وبحسب تقرير لوكالة رويترز، اقترحت الولايات المتحدة تعليق جميع الأنشطة النووية الإيرانية مدة 20 عاما، في حين ذكرت مصادر أن طهران اقترحت تعليقا مدة تتراوح بين 3 و5 أعوام. وبعدها قال ترمب إن إيران عرضت عدم حيازة أسلحة نووية أكثر من 20 عاما.
الأموال المفرج عنها
في المقابل، يرى المفاوض الإيراني أن هذا “الغبار” هو الذي أجبر واشنطن على فتح الخزائن الموصدة، حيث نقل موقع أكسيوس عن مسؤولين أن واشنطن تبحث الإفراج عن 20 مليار دولار من أرصدة إيران المجمدة مقابل تسليمها مخزون اليورانيوم المخصب.
كما نفت إيران موافقتها على نقل اليورانيوم المخصب إلى الولايات المتحدة. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي للتلفزيون الرسمي “لن يتم نقل اليورانيوم المخصب الإيراني إلى أي مكان.. نقل اليورانيوم إلى الولايات المتحدة ليس خيارا مطروحا بالنسبة لنا”.
وهناك اعتقاد بأن إيران تمتلك أكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة نقاء تصل إلى 60%.
ويقول ترمب إن من الأسباب الرئيسية للحرب منع إيران من الحصول على سلاح نووي. وتشدد إيران على أن تخصيب اليورانيوم -وهي عملية يمكن أن تنتج الوقود لمحطات الطاقة أو تنتج الرؤوس النووية بحسب المدة- يقتصر على الاستخدامات المدنية السلمية.
تعويضات الحرب
أعلنت الحكومة الإيرانية، الثلاثاء الماضي، أن الخسائر الناجمة عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على البلاد تقدر بنحو 270 مليار دولار.
وقالت المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني -في حديث لوكالة ريا نوفستي الروسية- إن ملف التعويضات عن خسائر الحرب كان من أبرز القضايا التي طرحتها طهران في المباحثات التي جرت مع واشنطن في إسلام آباد، مشيرة إلى أن طهران تعتبر ملف التعويضات أولوية في أي مسار تفاوضي مرتبط بتداعيات الحرب.
وبينت مهاجراني أن التعويضات المرتقبة ستشمل مختلف الأضرار التي تكبدتها إيران، بما في ذلك المباني المدنية والشركات والمصانع، إلى جانب الخسائر البشرية.
في المقابل، أكد ترمب أن إيران لن تحصل على أي مبالغ مالية في إطار أي اتفاق محتمل، نافيا بشكل قاطع التقارير التي تحدثت عن مقترحات تقضي بمنح طهران تعويضات نقدية.
وقال أمس الجمعة عبر منصته تروث سوشال: “ستحصل الولايات المتحدة الأمريكية على كل (الغبار) النووي، الذي صنعته قاذفاتنا العظيمة من طراز بي 2 – لن تتبادل الأموال بأي شكل من الأشكال”.

نص اتفاق الهدنة
في الساعات الأولى من 8 أبريل/نيسان الجاري، أعلن ترمب عن وقف إطلاق النار مع إيران أسبوعين، مؤكدا أن شوطا كبيرا قد قُطع نحو التوصل لاتفاق نهائي بشأن سلام طويل الأمد مع إيران، وذلك بوساطة قادتها باكستان.
واقترحت إيران خطة من 10 نقاط لإنهاء الحرب، وصفها ترمب بأنها “قابلة للتنفيذ”.
ونفت واشنطن بعد ذلك أن تكون خطة وقف إطلاق النار المؤلفة من عشر نقاط التي نشرتها إيران هي نفسها مجموعة الشروط التي وافقت عليها الولايات المتحدة لوقف الحرب.
وجاء البيان الإيراني المنشور باللغة الفارسية، والموجه إلى الرأي العام الداخلي، بنبرة احتفالية حاولت تصوير الهدنة على أنها انتصار كبير لطهران، أرغمت فيه واشنطن على القبول بشروطها.
ثم صدرت نسخة أخرى من البيان باللغة الإنجليزية عن مجلس الأمن القومي الإيراني، موجهة للعالم والمجتمع الدولي، قدمت رواية أقل حدة.
وبحسب وكالة تسنيم الإيرانية، فقد تضمن المقترح الإيراني للهدنة تعهد الولايات المتحدة بعدم الاعتداء، واستمرار سيطرة إيران على مضيق هرمز، والقبول بالتخصيب النووي، ورفع جميع العقوبات، وإنهاء قرارات مجلس الأمن ومجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ودفع تعويضات لإيران، علاوة على انسحاب القوات الأمريكية من المنطقة، ووقف الحرب على جميع الجبهات بما في ذلك جبهة المقاومة في لبنان.
كما تضمنت النسخة الفارسية من المقترح صدور قرار من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يجعل أي اتفاق يتم التوصل إليه ملزما، إذ قال المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني إن اعتماد مثل هذا القرار سيجعل الاتفاقات “ملزمة بموجب القانون الدولي” وسيشكل “انتصارا دبلوماسيا مهما للأمة الإيرانية”.
لكن مسؤولا رفيعا في البيت الأبيض نفى أن الخطة التي نشرتها إيران هي مجموعة الشروط نفسها التي وافقت عليها الولايات المتحدة لوقف الحرب، وأكد أن “الوثيقة التي تتداولها وسائل الإعلام ليست إطار العمل الفعلي”.
ووصلت أزمة نص اتفاق الهدنة إلى الحد الذي شن بسببه ترمب هجوما حادا على شبكة “سي إن إن” وصحيفة نيويورك تايمز، واصفا ما نشرتاه من نقاط إيرانية حول اتفاق وقف إطلاق النار مع واشنطن، بأنه مزيف ولا أصل له.
وكانت الصحيفة والشبكة قد نشرتا الصيغة الإيرانية للنقاط العشر في المقترح الإيراني لوقف إطلاق النار.
وأثارت النسخ المتداولة للمقترح الإيراني جدلا موازيا داخل الإدارة الأمريكية، إذ كشف جيه دي فانس نائب ترمب وقائد فريقه المفاوض في إسلام آباد عن اطلاعه على 3 نسخ مختلفة من النقاط، مشددا على أن النسخة التي بُني عليها اتفاق وقف إطلاق النار هي تلك التي جاءت عبر قنوات الوساطة الباكستانية دون سواها.
ويتضح في هذا الصراع اللغوي أن كلا من الطرفين لا يبحث عن هزيمة الآخر بقدر ما يبحث عن لغة تتيح له الوقوف فوق منصة التتويج أمام شعبه، ليصبح الاتفاق في نهاية المطاف عبارة عن نص حمّال أوجه، يعلنه ترمب استسلاما من إيران، وتوقّعه إيران على أنه انتصار وفرض لإرادتها.
المصدر: الجزيرة