صناعة الجلود السودانية.. حرفة تحاول الصمود في وجه الحرب

داخل غرفة صغيرة في منزله بحي الكلاكلة جنوب الخرطوم، بدأ محمد فتح الرحمن إبراهيم بتحويل شغفه بالمنتجات الجلدية إلى مشروع يبحث من خلاله عن مصدر دخل بعيدا عن الوظيفة.

ورغم دراسته إدارة الأعمال، فإن محمد اختار أن يجرب طريقا مختلفا، فحوّل غرفته إلى ورشة صغيرة، وبدأ برفقة عدد من أصدقائه في تصنيع الحقائب والأحذية وغيرها من المنتجات الجلدية.

قصص مقترحة

list of 2 items

  • list 1 of 2الجيش السوداني يسيطر على أكبر معاقل “الدعم السريع” بشمال كردفان
  • list 2 of 2موجات نزوح بالآلاف من الفاشر إلى طويلة في شمال دارفور

end of list

لم تكن البداية سهلة، لكنه وجد نفسه في هذه الحرفة، ومع كل قطعة جديدة كان يكتشف أن ما بدأه هوايةً قد يتحول إلى مصدر رزق.

يقول في حديثه للجزيرة نت إن هدفه لم يكن تحقيق دخل فقط، وإنما ترغيب الناس في المنتجات المصنوعة محليا وتعريفهم بأهمية الصناعات الجلدية، وهي قناعة دفعته إلى الاستمرار في تطوير مشروعه.

مواصلة المسار

لكن الحرب أوقفت التجربة قبل أن تأخذ مسارها الطبيعي. اضطر محمد إلى مغادرة الخرطوم والنزوح إلى الولاية الشمالية، فتوقفت الورشة وتوقفت معها محاولته لبناء مشروعه.

ومع تحسن الأوضاع وعودته إلى الخرطوم، أعاد تشغيل ورشته الصغيرة التي أطلق عليها اسم “تشكيلة للمنتجات الجلدية”.

اليوم يحاول محمد أن يبدأ من جديد، مستفيدا من الخبرة التي اكتسبها ومن المهارات التي طورها خلال تجربته.

لكنه يقول إن توفير المواد الجلدية لم يعد بالسهولة نفسها، فاضطراب الأسواق وظروف الحرب جعلا الحصول على مستلزمات الإنتاج أكثر صعوبة، وهو ما ينعكس على قدرة المشروع الصغير على الاستمرار والتوسع.

أدوات الصناعة اليدوية للجلود في السودان
أدوات الصناعة اليدوية للجلود في السودان (الجزيرة)

أزمة قديمة

لم تكن الحرب هي بداية أزمة المدابغ السودانية، إذ كان القطاع يعاني قبلها من ضعف البنية التحتية وتراجع القدرة التشغيلية، وتوقفت نسبة كبيرة من المدابغ عن العمل.

ومع تعطل المدابغ واضطراب حركة التجارة والنقل، أصبح وصول الجلود المدبوغة ومستلزمات الإنتاج إلى الورش أكثر صعوبة وكلفة، في وقت يواجه فيه القطاع خسائر كبيرة بسبب تلف الجلود الخام أو عدم استغلالها.

توقف المصانع

في سوق أم درمان، يستعيد نادر مبارك محمد الحاج، الذي يعمل في تجارة الجلود للورش ومواقع التصنيع منذ 45 عاما، ملامح مهنة يقول إنها كانت مزدهرة قبل أن تتغير أحوالها مع توقف المصانع التي كانت تمد التجار بالجلود.

إعلان

وخلال جولات أجراها في عدد من مصانع الخرطوم، يقول إنه وجد بعض المنشآت وقد طالتها آثار الحرب، فيما تعرضت ماكينات ومواد كيميائية تدخل في عمليات الدباغة للسرقة، وهو ما يصفه بأنه مشهد مؤلم لما آلت إليه صناعة الجلود في البلاد.

ومع توقف المصانع المحلية، اضطر التجار والورش، بحسب نادر، إلى الاعتماد على الجلود المستوردة لمواصلة نشاطهم، وكانت مصر من أبرز مصادرها خلال فترة الحرب.

لكن هذا المسار تأثر لاحقا بقرارات تتعلق بحظر استيراد بعض السلع والمنتجات، لتظهر أمام العاملين في القطاع مفارقة أخرى: كيف يمكن توفير احتياجات السوق من الجلود في وقت توقفت فيه المصانع المحلية التي كانت تنتجها؟

ويقول نادر -في حديثه للجزيرة نت- إن استمرار العمل في المهنة أصبح مرتبطا بقدرة السوق على توفير الخامة، في ظل تراجع الإنتاج المحلي وصعوبة الحصول على البدائل المستوردة.

تحديات في توفير الجلود بعد توقف المصانع بسبب الخرب
تحديات في توفير الجلود بعد توقف المصانع بسبب الحرب (الجزيرة)

حرفة متوارثة

بدوره، يرى عبد الحليم عبد الوهاب العامل في مجال الصناعات الجلدية اليدوية أن المنتجات الجلدية المحلية لا تمثل نشاطا اقتصاديا فحسب، وإنما جزء من التراث السوداني ومصدر يمكن أن يسهم في تحريك الاقتصاد.

ويقول إن هذا ما دفعه إلى تطوير عمله من فترة إلى أخرى، ومن ذلك تطوير صناعة الأحذية التقليدية المعروفة بالمركوب، التي تصنع من جلد الأصلة، قبل إدخال جلود الأبقار في صناعتها مؤخرا.

وفي محله بسوق أم درمان، يصنع عبد الوهاب الحقائب والأحذية ومنتجات جلدية أخرى، محاولا الحفاظ على حرفة توارثها السودانيون وتطويرها بما يلائم احتياجات السوق.

ولا يقتصر طموحه على السوق المحلية، إذ يقول إنه حاول تصدير عدد من منتجاته إلى الخارج، غير أن توفير الجلود ظل من أبرز التحديات التي تواجهه، شأنه شأن كثير من العاملين في هذا المجال.

وبينما يحاول تطوير منتجاته والحفاظ على قدرتها على المنافسة، يقول عبد الوهاب إن الهدف الأهم بالنسبة له ولغيره من أصحاب الحرف الجلدية هو ألا تندثر الصناعة المحلية، وأن تستمر الحرف التقليدية إلى جانب المنتجات الحديثة، رغم الصعوبات التي فرضتها الحرب على القطاع.

سوق أمدرمان شارع الجلود
سوق أم درمان شارع الجلود (الجزيرة)

الجلود.. ثروات مهدرة

ويشير مسؤول بوزارة الثروة الحيوانية -طلب عدم ذكر اسمه لكونه غير مخول بالحديث لوسائل الإعلام- إلى أن السودان ينتج نحو 22 مليون قطعة جلد سنويا، في حين لا تتجاوز الكميات المصدرة فعليا نحو 7 ملايين قطعة.

ويقول المسؤول -في حديثه للجزيرة نت- إن جزءا من هذا المورد يهدر بسبب تهريب الجلود بطرق غير مشروعة، إلى جانب كميات أخرى يتم التخلص منها لعدم توفر المدابغ القادرة على استيعابها ومعالجتها، بما يحرم البلاد من الاستفادة من قيمة اقتصادية يمكن أن توفرها صناعة الجلود.

ويرى الخبير في الصناعات الجلدية مصطفى عبد الرحمن أن المشكلة الأساسية في قطاع الجلود السوداني لا ترتبط بنقص المورد، بقدر ما ترتبط بضعف القدرة على تحويله إلى منتجات ذات قيمة مضافة.

جلود مدبوغة بطريقة تقليدية_
جلود مدبوغة بطريقة تقليدية (الجزيرة)

الإنتاج مقابل الصادر

ويقول -في حديثه للجزيرة نت- إن حجم الإنتاج مقابل الصادر يكشف عن فجوة كبيرة بين حجم المورد المتاح وقدرة القطاع على الاستفادة منه.

إعلان

ويضيف عبد الرحمن أن الحرب عمّقت هذه الفجوة بعدما ألحقت أضرارا بعدد من المصانع والمدابغ أعاقت حركة نقل الجلود وتوفير مستلزمات الدباغة.

ويرى أن إعادة بناء الصناعة الجلدية لا تتطلب فقط إعادة تشغيل المدابغ، وإنما استعادة سلسلة الإنتاج كاملة، بدءا من جمع الجلود وحفظها، مرورا بالدباغة والتصنيع، وصولا إلى التسويق والتصدير، بما يسمح بتحويل الجلود من مورد خام معرض للهدر إلى منتجات مصنعة توفر دخلا وفرص عمل.

 

المصدر: الجزيرة