في ظل التوسع المستمر في إنشاء “مزارع الرياح”، قد يحدث أن تتسبب بعض هذه المزارع، دون قصد، فيما يُطلق عليه “سرقة الرياح” من مزارع أخرى، الأمر الذي قد يُثير المخاوف حيال قدرة بعض الدول على تحقيق هدف صافي انبعاثات كربونية صفرية.
ومع ازدياد انتشار مزارع الرياح البحرية، أي تلك المساحات البحرية المخصصة لوضع محطات توليد الطاقة بالرياح، في شتى أرجاء العالم، في إطار السعي لتحقيق أهداف الحياد الكربوني، بدأت تبرز على السطح ظاهرة تثير القلق وتحظى باهتمام كبير، إذ قد تؤدي ظروف معينة إلى “سرقة” بعض المزارع الرياح التي تستفيد منها مزارع أخرى.
ويقول بيتر باس، وهو باحث علمي في شركة “ويفل” الهولندية المتخصصة في مجال الطاقة المتجددة والتنبؤ بالأرصاد الجوية: “مزارع الرياح تُولّد الطاقة عن طريق تيارات الهواء، وهذه العملية تؤدي بطبيعتها إلى تراجع سرعة الرياح”.
وتشير دراسات إلى أنه في حالة إنشاء مزرعة في اتجاه الرياح قبل مزرعة رياح أخرى، فإنها قد تُضعف إنتاج الطاقة بالنسبة للمزرعة التي تقع في اتجاه الرياح بنحو 10 في المئة أو أكثر.
جدير بالذكر أن هناك بالفعل عدداً من النزاعات القائمة بين شركات قطاع مزارع الرياح بشأن ما يُشتبه بأنه “سرقة للرياح”، الأمر الذي يُثير مخاوف الدول التي تعوّل على توسيع مشاريع الرياح البحرية لتحقيق أهدافها المناخية الصفرية.
وبحسب محاكاة أجراها بيتر باس بالتعاون مع باحثين من جامعة “دلفت” للتكنولوجيا والمعهد الملكي الهولندي للأرصاد الجوية، من المتوقع أن يزداد تأثير الذيل الهوائي على إنتاج الطاقة البحرية في بحر الشمال خلال العقود المقبلة، وذلك نتيجة تزايد الاكتظاظ بمزارع الرياح في هذه المنطقة التي تشهد طفرة في التوسع البحري.
ويؤكد باس أن كلما كانت مزرعة الرياح أكبر وأكثر كثافة، كان تأثير الذيل الهوائي أقوى.
وأُطلق مشروع بحثي جديد في المملكة المتحدة الشهر الماضي، يهدف إلى تقديم صورة أوضح عن تأثير الذيل الهوائي، وذلك بغية مساعدة الحكومات والشركات المطوّرة في تحسين استراتيجياتها وتفادي النزاعات المستقبلية.
ويقول: “شهدنا تأثيرات الذيل الهوائي لعدة سنوات، وكنا على علم بحدوثها. وتكمن المشكلة في أنه من أجل الوصول إلى الحياد الكربوني، نحن بحاجة إلى نشر قدر معين من طاقة الرياح البحرية. وبالتالي، في عام 2030، نحتاج إلى ثلاثة أضعاف القدرة الحالية، الأمر الذي يعني أنه في غضون أقل من خمس سنوات، يجب علينا نشر آلاف التوربينات الإضافية”.
ويضيف: “بعض هذه التوربينات ستعمل على مقربة شديدة من توربينات قائمة بالفعل، مما يجعل الوضع يزداد ازدحاماً على نحو تدريجي، وبالتالي بدأت تأثيرات الذيل الهوائي تُظهر أثراً بالغاً في الوقت الراهن”.
وتعهدت الحكومة البريطانية بأنه بحلول عام 2030، ستتمكن المملكة المتحدة من توليد الطاقة الكافية من المصادر المتجددة، مثل الرياح، لتلبية احتياجاتها من الكهرباء.
وتسلط خطة حكومية بريطانية، صدرت العام الجاري، الضوء على ضرورة فهم تأثيرات الذيل الهوائي بشكل أفضل في هذا السياق، ووصفتها بقضية ناشئة تخلق حالة من الغموض بالنسبة لمزارع الرياح البحرية.
ويقول أورو إن هناك حالياً عدداً من النزاعات في المملكة المتحدة بين الشركات المطوّرة لمزارع الرياح البحرية بشأن تأثيرات الذيل الهوائي المحتملة، ويرى أن هذه النزاعات تُعزى جزئياً إلى الغموض بشأن التأثير الدقيق لهذه التيارات الهوائية.
ويوضح أورو: “عندما توجد مزرعتان للرياح، يكون من السهل جداً تقييم التفاعل بين مزرعة الرياح (أ) ومزرعة الرياح (ب)، والعكس أيضاً، لكن ماذا لو كان هناك ست مزارع رياح؟ كيف ستتفاعل هذه المزارع مع بعضها البعض؟ هذا ما لا نعرفه، ولكن من المؤكد أنه سيحدث مع التوسع المستمر في بناء مزارع الرياح”.
ويقول: “القضية الأخرى هي أن التوربينات أصبحت أكبر حجماً بشكل ملحوظ”، فالتوربينات أصبحت أطول، وأصبحت شفراتها أطول لزيادة قدرتها على توليد المزيد من الطاقة من الرياح. كما أن التوربينات الحديثة تحتوي على شفرات يصل طولها إلى ما يزيد على 100 متر، وهو ما يعادل طول ملعب لكرة القدم.
وكان فينسرواس قد أشرف على دراسة لتأثيرات الذيل الهوائي والفجوات أثناء قيامه بأبحاث الدكتوراه في جامعة بيرغن في النرويج، وركزت الدراسة على تحليل كيفية تأثير ذيل هوائي من مزرعة رياح مخطط لها في النرويج على مزرعة رياح موجودة في الدنمارك بشكل سلبي.
ويحذر فينسرواس من أن عدم معالجة مشكلة إدارة تأثيرات الذيل الهوائي قد يؤدي إلى نزاعات قانونية وسياسية، مما يؤدي إلى صعوبة جذب الاستثمارات في طاقة الرياح.
ويقول: “من المرجح أن يكون بحر الشمال، وخاصة بحر البلطيق، في أوروبا على الأقل، مركزاً لإنشاء مزارع رياح بحرية على نطاق أوسع. لذا فإن قضية تأثيرات الذيل الهوائي من المرجح جداً أن تؤثر على انتقال الطاقة في بحر الشمال، وفي أماكن أخرى”.
ويضيف: “تكاليف بناء مزارع الرياح البحرية هائلة”، وذلك بسبب ضخامة هذه المزارع وأيضاً الأعمال المعقدة المرتبطة بها، مثل نشر السفن الخاصة، ولتبرير الاستثمار في هذا المجال وتحقيق الربح “من الضروري للغاية للشركات المطوّرة أن تكون قادرة على التنبؤ بأن المزرعة ستنتج كمية معينة من الكهرباء لمدة 25 أو 30 عاماً”، وهو العمر الافتراضي النموذجي لمزارع الرياح.
ويلفت فينسرواس إلى أن حتى التراجع البسيط وغير المتوقع في تلك الطاقة المنتجة قد يخل بحسابات الاستثمار ويجعل المزرعة غير قابلة للتطبيق من الناحية المالية.
ويحذر من أنه إذا حاولت الشركات المشغّلة أو الدول تجنب تأثيرات الذيل الهوائي عبر تأمين أفضل المواقع لأنفسها، فقد ينشأ خطر آخر، إذ قد تتسبب تأثيرات الذيل الهوائي في ما يعرف بـ “ظاهرة السباق نحو البحر”، أي تسريع الدول وتيرة تطوير مزارع الرياح بغية الاستفادة من أفضل موارد الرياح المتاحة حتى الآن، وقد يؤدي هذا التسريع في عملية التطوير إلى زيادة خطر إغفال جوانب أخرى هامة في تخطيط مزارع الرياح، مثل حماية البيئة البحرية.
ويرى أورو، من جامعة مانشستر، أيضاً أن هناك خطراً متزايداً من حدوث مشاكل عبر الحدود، مشيراً إلى أن “جميع الخلافات المطروحة حتى الآن في المملكة المتحدة هي بين مزارع الرياح البريطانية، ولكن ماذا لو حدث في المستقبل نزاع بين مزرعة رياح بريطانية ومزرعة رياح هولندية أو بلجيكية أو فرنسية؟ لذلك، كلما استطاعنا التنبؤ بهذه الحالة مسبقاً، وإعداد الأرضية لذلك، كان الأمر أفضل. وهذا يقلل من عدم اليقين ويحقق أكثر فائدة للصناعة”.
ويوصي فينسرواس الدول الأوروبية بمعالجة مشكلة سرقة الرياح من خلال التعاون والتشاور مع بعضها البعض عند تخطيط مزارع الرياح، فضلا عن وضع قوانين واضحة تساعد في إدارة الرياح كموارد مشتركة.
ويضيف أنه لحل هذه المسائل المعقدة، من المفيد أن تتمتع الدول الأوروبية المعنية بعلاقات سياسية جيدة فيما بينها.
ويقول: “علينا أن نلجأ إلى خفض الكربون في قطاعات الطاقة، ويجب أن يتم ذلك بسرعة كبيرة، هذا هو الطموح الذي يسعى إليه الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بسياسات الرياح البحرية”.
ويضيف: “لذلك، لا شك في أن كل هذا يحدث بسرعة شديدة. لكن لا يجب أن يمنعنا ذلك من إيجاد حلول جيدة لأن الأمور تحدث بسرعة”، فلا توجد مصلحة لأحد في الصراع على الرياح، بل “يوجد دافع للتعاون من أجل التوصل إلى حلول عادلة بين الدول، على الرغم من أن التوسع في إنتاج طاقة الرياح يمضي قدماً بسرعة كبيرة”.
وليس الاتحاد الأوروبي وحده الذي يسابق الزمن لفهم تأثيرات الذيل الهوائي بشكل أفضل، فعلى سبيل المثال، تسعى الصين إلى توسيع مزارع الرياح البحرية لديها بسرعة، وقد لفت الباحثون الانتباه إلى التأثير المتزايد للذيل الهوائي على مزارع الرياح البحرية الصينية.