“عبيد أفارقة مكبّلون”.. ما حقيقة فيديو أشعل تحريضا ضد المسلمين؟

تحوّل مقطع فيديو قصير يُظهر رجالا مكبّلي الأيدي يسيرون على طريق موحل تحت حراسة عناصر أمنية، إلى مادة واسعة الانتشار على منصتي “إكس” و”فيسبوك”، بعدما أُرفق بادعاءات تزعم أنه يوثق استعباد مسلمين عرب لأفارقة سود في إحدى الدول الأفريقية.

وسرعان ما خرج الفيديو من سياقه إلى خطاب أوسع اتهم الإعلام والتيارات اليسارية والمتظاهرين المؤيدين لفلسطين والأمم المتحدة والبابا بالصمت، مقابل تضخيم رواية تقدم المسلمين والعرب بوصفهم طرفا جماعيا في جريمة مزعومة.

وتتبعت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة مسار انتشار الفيديو، ورصدت كيف أعادت حسابات مؤثرة نشره بصيغ متقاربة، قبل أن يتحول من مشهد مجهول السياق إلى رواية واسعة الانتشار. كما فحصت الادعاءات المرافقة له، واختبرت صحتها عبر البحث العكسي عن الفيديو والعودة إلى المصادر المحلية التي نشرت المشاهد لأول مرة.

بداية الانتشار

بدأ انتشار الادعاء عبر رواية موحدة تكررت في عشرات المنشورات على منصة “إكس”، حيث يبرز حساب “معجبو كارولاين ليفيت” كأحد أقدم الحسابات التي نشرت الفيديو ضمن رواية “العبودية الحديثة” في 23 يونيو/حزيران 2026، مستخدما صياغة تقول: “هذا هو الاستعباد الحديث: المسلمون يستعبدون أفارقة سودا مسيحيين”، مرفقا بطلب لـ”الصلاة من أجل مسيحيي أفريقيا”.

وحقق المنشور انتشارا واسعا، إذ تجاوزت مشاهداته 922 ألف مشاهدة، رغم أن الحساب يعرّف نفسه بوصفه حسابا ساخرا أو ناقدا، وليس مصدرا إخباريا ميدانيا.

اقرأ أيضا

list of 2 items

  • list 1 of 2“قهوتنا لا تشبه عصير الإبادة الجماعية”.. مقهى في نيويورك يشعل غضب اللوبي الإسرائيلي
  • list 2 of 2“إسبانيا مسيحية لا مسلمة”.. سجدة لامين جمال تشعل حملة يمينية

end of list

وفي اليوم نفسه، ظهرت صياغات مشابهة لدى حسابات أصغر، من بينها “رادار الغباء”، قبل أن يُعاد نشر الرواية في 24 يونيو/حزيران عبر حساب “فيرينتس كيليمن المستكشف العالمي”، ثم عبر حسابات أخرى تبنت العبارة نفسها تقريبا، مثل “بيشنوي أوغارساين”.

لكن نقطة التحول الأبرز جاءت في 25 يونيو/حزيران، عندما نشر حساب “الدكتور معلوف” – المعروف بنشره روايات يمينية متطرفة تجاه المسلمين – المقطع بصياغة أكثر قابلية للتداول، جاء فيها: “لماذا لا يهتم أحد؟ في أفريقيا، يستعبد المسلمون العرب الأفارقة السود المسيحيين”، حيث حققت التغريدة نحو 2.8 مليون مشاهدة، لتصبح النسخة الأكثر انتشارا لاحقا على “إكس” و”فيسبوك”.

كيف انتقلت الرواية؟

بعد منشور حساب “الدكتور معلوف”، تحولت الصياغة إلى قالب جاهز أعادت حسابات متعددة نسخه أو تعديله. فقد نشرت حسابات مثل “شبكة أخبار الرقيب” ، و”بازما إسلام”، و”تقرير روزانا” ، و”بيو فونغ”، و”بريسكا” الصياغة نفسها تقريبا، مع الإبقاء على العناصر الأساسية: “أفارقة سود مسيحيون”، “مسلمون عرب”، “صمت الإعلام”، “صمت الأمم المتحدة والبابا”.

كما برز حساب “فرسان الهيكل الدولية” ضمن موجة إعادة التدوير، مع خطاب تعبوي مشابه حول “صمت العالم” و”استهداف المسيحيين في أفريقيا”.

وفي المقابل، أعادت حسابات أخرى توظيف المقطع داخل سياقات سياسية مختلفة، فقد قدمه حساب “جاست جين” كدليل في السجال الأمريكي حول العبودية والهوية، بينما أدخله حساب “تشاكرابورتي” في خطاب يميني هندي أوسع يربط بين الحاضر وسرديات تاريخية عن المسلمين في الهند.

ماذا يقول التحقق؟

أظهر البحث العكسي لوحدة المصادر المفتوحة على لقطات الفيديو أن المقطع ليس حديثا ولا مرتبطا بالسردية المتداولة، حيث نشر الحساب الرسمي لمنصة “كيفو مورنينغ بوست” المقطع في 14 مايو/أيار 2026، مشيرا إلى اعتقال نحو 100 مدني من جنوب كيفو في منطقة كوندا التابعة لإقليم إيرومو في مقاطعة إيتوري بجمهورية الكونغو الديمقراطية.

كما نشرت صفحة “مويس بافوا” المقطع بالتفاصيل نفسها، دون أي إشارة إلى “استعباد” أو بُعد ديني للواقعة، بل باعتبارها عملية اعتقال مرتبطة بسياق أمني محلي.

وأورد موقع “راديو أوكابي” المحلي، أن أكثر من 100 شخص اعتُقلوا في 13 مايو/أيار 2026 في قرية كوندا، على خلفية وصولهم إلى المنطقة للعمل في الزراعة والتنقيب عن الذهب، مع نقلهم للتحقيق من قِبل السلطات المحلية.

إعلان

وبذلك، لا يقدم الفيديو أي دليل على الادعاء المتداول، إذ لا يوثق سوق عبيد ولا عملية اختطاف ذات بعد ديني، بل يظهر واقعة اعتقال جماعي في سياق أمني معقّد داخل شرق الكونغو الديمقراطية.

وتكشف طريقة تداول المقطع عن نمط متكرر في حملات التضليل البصري، حيث يُنتزع مشهد صادم من سياقه، ثم تُلصق به رواية جاهزة تستثمر عناصر الهوية والدين والعرق.

وجرى تحويل مشهد اعتقال في الكونغو إلى سردية تتحدث عن “استعباد إسلامي للمسيحيين”، قبل أن يُعاد توظيفه داخل فضاءات سياسية ودينية متعددة، من السجال الغربي حول الهوية، إلى الخطاب الهندوسي المعادي للمسلمين، وصولا إلى النقاشات المرتبطة بالقضية الفلسطينية.

ماذا تكشف خريطة التفاعل؟

تشير خريطة التفاعل التي أعدتها وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة إلى أن الرواية لم تنتشر بشكل عشوائي، بل عبر شبكة حسابات أعادت تدوير الادعاء نفسه بصيغ متقاربة.

وتضم العينة 348 حسابا و326 علاقة تفاعل، وظهرت داخلها كتل واضحة ساهمت في إعادة إنتاج الرواية من جديد، أبرزها حسابات “معجبو كارولاين ليفيت”، و”الدكتور معلوف”، و”فرسان الهيكل الدولية”، و”جاست جين”.

حسابات رئيسية في حملة التضليل على منصات التواصل (الجزيرة)
حسابات رئيسية في حملة التضليل على منصات التواصل (الجزيرة)

ولعبت هذه الحسابات أدوارا متفاوتة بين الترويج المبكر، والتضخيم الجماهيري، وإعادة التوظيف السياسي، ما ساهم في تحويل المقطع من مادة بصرية محدودة إلى سردية رقمية واسعة الانتشار.

 

المصدر: الجزيرة