الجزائر – لم تعد المدونة الروائية الجزائرية التي تحتفل بمئويتها الأولى؛ إذا استثنينا جذورها التاريخية التي تعود إلى رواية “الحمار الذهبي” للوكيوس أبوليوس، في الربع الأخير من القرن الميلادي الثاني، تقوم فقط على الأقلام المكرسة، بل أيضا على أقلام شبابية، تتفاوت جماليا، لكنها تسعى إلى إثبات ذاتها.
ويعد المعرض الدولي للكتاب الذي ينعقد، في الجزائر العاصمة، نهاية أكتوبر/تشرين الأول، وبداية نوفمبر/تشرين الثاني، منصة سنوية، لظهور أقلام روائية جديدة، تفوقت على سابقيها، في طرق تسويق رواياتها، عن طريق منصات التواصل الاجتماعي، حتى إن بعضها يُتهم بالتركيز على التسويق الإعلامي، أكثر من التركيز، على التعميق الجمالي.
قصص مقترحة
list of 2 items
end of list
وبعثت محافظة معرض الكتاب، خلال دورة 2024، جائزة “كتابي الأول”، تشجيعا لهذه الشريحة من الكتّاب التي تحظى أيضا بجائزة رئاسية سنوية، تشمل الرواية والشعر والنص المسرحي.
من الأقلام التي ستدخل الدورة الـ29، من معرض الجزائر الدولي للكتاب، هشام بن شريف (1990) الذي عرف بإخراجه لكليبات الفنانين، وتصميمه للومضات الإشهارية، بروح شبابية مبتكرة، إذ صدرت روايته الأولى “عذراء المحطة”، مطلع سبتمبر/أيلول الجاري، عن “دار نقطة” للنشر في الجزائر.
نساء معلّقات
رغم أن الكاتب ولد في الفترة نفسها التي اندلعت فيها “سنوات الجمر”، بتعبير المخرج السينمائي محمد الأخضر حمينة، في الجزائر، فإنه اختار تلك الحقبة ليبدأ منها مسار الرواية، في أقصى الشرق الجزائري، حيث مُنعت الشابة “غالية”، من طرف شقيقها “حسين”، من مواصلة دراستها الجامعية، في الجزائر العاصمة، حيث باتت ذاتا معطلة، في بلدة نائية.
ووصل المعلم الشاب “مروان”، بتكليف رسمي، لإعادة فتح مدرسة البلدة التي أغلقت أبوابها؛ بسبب رفض الجماعات المسلحة للتعليم الحكومي، فاصطدم بخوف السكان، من إرسال أبنائهم، خاصة البنات؛ لكن التحاق غالية بمسعاه، جعله يمضي فيه بحماس أكبر، إلى أن أحرق أحدهم المدرسة، بينما كان بعض الأطفال داخلها.
اتفق مروان وغالية، على الفرار إلى العاصمة، عن طريق القطار الذي يعبر البلدة، لكن مروان لم يأت، في الموعد المتفق عليه، فظلت غالية تذهب يوميا، إلى المحطة لانتظاره، على مدار ثلاثين عاما، من غير أن تفقد الأمل في ذلك، أو تتأثر بنظرة محيطها إليها، على أنها مجنونة.
وتبدأ عقدة الرواية، من وصول الفتاة “ياسمين” من العاصمة، إلى محطة البلدة، باحثة عن رجل بالملامح والوظيفة نفسها والاسم ذاته لمروان، فتستضيفها غالية طمعا منها، في أن تكون وسيلتها للوصول إلى رجلها المفقود.
أزمنة متداخلة
من أكثر ما يثير دهشة القارئ، بعد أن ينهي رواية “عذراء المحطة”؛ أنه لم يفقد “خيط الفهم”، رغم أن الرواية قامت على أزمنة متداخلة، أبرزها زمن غالية ومروان، قبل ثلاثين عاما، وزمن ياسمين ومروان، بعده بالمدة نفسها؛ مع ما يميز كل زمن من أحداث ونفسيات وذهنيات وتجارب إنسانية، وفق بناء اعتمد كثيرا، على تقنية الاسترجاع (فلاش باك) التي يظهر أن الكاتب استدعاها، ليملأ بعض الفراغات السردية.
من ذلك عثور ياسمين على مروان؛ واكتشاف غالية أن من أحرق المدرسة هو أخوها حسين، حتى يفرق بينها، وبين الرجل الغريب الذي جاء “ليفسدها”؛ كما اكتشفت أيضا أنه هو من قتله؛ ودفنه في المدرسة المحروقة، حيث حملتها حيرتها، بين حقيقة مروان المقتول، وحقيقة مروان الماثل أمامها، بالملامح نفسها التي اختفى عليها، قبل ثلاثة عقود، على أن تستسلم للموت، وحيدة في بيتها المعزول. وهي الليلة الوحيدة التي لم تذهب فيها، إلى المحطة لانتظاره. لقد ماتت عذراء.
تقنيات سينمائية
كتبت الفصول الأربعة للرواية؛ بلغة ورؤية سينمائيتين، حيث يمكن استبدال فعل “قرأ” بفعل “شاهد”، من غير أي تعسف، فكأن صاحبها كتبها خصيصا لتذهب إلى السينما.
أصلا بدأ التسويق للرواية، على مواقع التواصل الاجتماعي، من خلال فيديو عالي الجودة، على طريقة التسويق للأفلام السينمائية والمسلسلات الدرامية، تظهر فيه امرأتان هما نفساهما اللتان، على غلاف الرواية، فكأن الروائي؛ هنا، يقول لنا إنه لا ينبغي أن يكون التسويق لرواية بصرية، بطريقة كلاسيكية، تقوم على بلاغة المنشور اللغوي، فالكتابة منظومة متكاملة، تتجاوز النص، إلى طرق تسويقه أيضا.
سألت “الجزيرة نت” الكاتب هشام بن شريف، عن هذه الخلفية البصرية، في الكتابة والتسويق معا، فقال إنه من جيل لم يرسل ولم يتلق رسائل بريدية، حيث كانت أول رسالة أرسلها وتلقاها إلكترونية، “ومن الطبيعي أن يحفر هذا المعطى في وعيي ووجداني ومخيالي وقاموسي، بالموازاة مع جعلي أعتمد طرقا مختلفة في تسويق نصي، من غير إهمال الطرق القديمة”.
ويبدي محدث “الجزيرة نت” استغرابه، من عجز ربع قرن من التعاطي مع الوسائط الجديدة، في الفضاء العربي، عن خلق بنيات سردية جديدة منسجمة مع طبيعة هذه الوسائط. يسأل: “كم من رواية عربية، استلهمت تقنيات الوسائط الجديدة، فما نزال نقرأ حوارات مباشرة، في الجلسات الواقعية للشخوص، بمنطق “قال” و”رد عليه”، ولم نصل حتى إلى اعتماد دردشات فيسبوك وإنستغرام وواتساب”.
معركة المخيال
إن هناك موقفا نفسيا، يواصل محدثنا، لدى الكاتب العربي، من البنيات الجديدة؛ فهو يُقبل عليها كممارسة، لكنه يتفاداها ككتابة، لأن الكلمة مربوطة في مخياله ووجدانه بالمقدس، بينما ترتبط فيهما هذه الوسائط بالمدنس؛ بما جعل قطاعا واسعا من الروائيين العرب يتعاملون مع الرواية بصفتها حكاية؛ لا بصفتها معمارا وحوارية ثرية بين الفنون.
ويذهب هشام بن شريف، بعيدا في تساؤلاته: “لماذا ظل معظم شخوص الروايات العربية، إما من الذوات المهمشة أو من الذوات المثقفة أو من الذوات الكاتبة نفسها، حيث تهيمن السيرة الذاتية التي تستدعيها نزعة الاختباء لا نزعة الاعتراف، وقلما نعثر على شخوص ينتمون إلى العالم الافتراضي والإلكتروني، مثل الهاكرز والمؤثرين والشرطة الإلكترونية؟”.
يجيب: “إنها عوالم رغم أنها مؤهلة لخلق فضول الأجيال الجديدة، فإنها تظل مستبعدة، على مستوى المخيال العربي، لأنها مرتبطة بالحرية بصفتها سلوكا لا بصفتها مجرد خطابات، وهو ما يدل على أن السرد العربي بحاجة إلى بلاغة جديدة تقوم على الصورة لا على الجملة”.
هنا؛ سألته “الجزيرة نت” إن كان قد كتب الرواية، بنية أن تذهب إلى السينما أصلا، فقال إنه استعمل تقنيات سينمائية في الكتابة، استقطاباً لجيل جزائري يشاهد فيلما هوليووديا قبل أن ينام، ولو من باب القرصنة، إذ سأفقد حقي في الشكوى من عزوفه عن القراءة، إذا قدمت له أحداث روايتي بصيغة “اعلم رحمك الله”.
يختم: “إن الروائي ليس حكاواتيا. وإن الرواية نسيج بصري يجعل القارئ يشغّل حواس التفكير والمتعة لديه، فيكون شريكا في العملية الإبداعية. إنه مثلما بات يقاطع البرامج السياسية والإعلامية الجاهزة، فهو يقاطع أيضا الروايات النمطية؛ ويتنمر على أصحابها”.
المصدر: الجزيرة