عراقجي في بكين.. 6 أسئلة تشرح رهانات إيران على الصين لكسر الحصار

أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية أن وزير الخارجية عباس عراقجي يتوجه، اليوم الثلاثاء، إلى بكين في إطار مواصلة مشاوراته الدبلوماسية مع عدد من الدول، موضحة أنه سيبحث مع نظيره الصيني وانغ يي العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية والدولية.

وتأتي الزيارة في لحظة يتداخل فيها التصعيد العسكري مع الضغوط الاقتصادية، بينما تتجه أنظار طهران إلى بكين بوصفها شريكا قادرا على كسر جزء من العزلة، أو منع تحويل الحصار البحري إلى أداة لخنق الاقتصاد الإيراني. فزيارة عراقجي لا تبدو مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل محاولة لإعادة تثبيت موقع الصين في معادلة الصمود الإيراني، سياسيا واقتصاديا وأمنيا.

وبينما تراهن واشنطن على أن الضغط البحري والعقوبات الثانوية قد يدفعان طهران إلى التراجع، تسعى إيران إلى إقناع بكين بأن استمرار شراء النفط، ورفض الانخراط في التحالفات البحرية الغربية، واستخدام الثقل الصيني في مجلس الأمن، باتت عناصر حاسمة في منع اختلال ميزان الأزمة.

ومن هنا، لا تنفصل زيارة عراقجي عن سؤال أكبر: هل تستطيع الصين أن تمنح إيران طوق نجاة فعليا في مواجهة الحصار، أم ستكتفي بإدارة الأزمة من موقع الحذر والموازنة بين طهران وواشنطن؟

الرئيس الصيني شي جين بينغ برفقة نظيره الإيراني مسعود بزشكيان خلال لقاء في بكين في الثاني من سبتمبر/أيلول 2025 (رويترز)

هل تراهن إيران على الصين لتفادي اختناق الحصار البحري؟

قال الباحث السياسي الإيراني مهدي خراطيان إن زيارة عراقجي إلى بكين تأتي في لحظة بالغة الحساسية، معتبرا أن أي تأخير في تنظيم “حوارات إستراتيجية وشاملة” مع الصين قد يترك تداعيات طويلة الأمد على الأمن القومي الإيراني.

وأضاف خراطيان، في تدوينة على منصة إكس، أن الزيارة ينبغي أن تمهد لمحادثات واسعة مع بكين، في ظل احتمال تجدد التصعيد حول مضيق هرمز، وتزامن ذلك مع زيارات مرتقبة لكل من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الصين خلال الشهر الجاري.

إعلان

وأوضح أن واشنطن تراهن، بحسب تقديره، على “النزيف الداخلي” للاقتصاد الإيراني، وتسعى عبر مفاوضات استنزافية في إسلام آباد إلى شراء الوقت والاستعداد لمرحلة جديدة من التصعيد السياسي والعسكري ضد إيران.

وأشار إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية تعتقد أن إيران ستكون الطرف الأسرع إلى التراجع في معادلة ضغط متبادل بين اقتصاد عالمي قد يتأثر بإغلاق محتمل لمضيق هرمز، واقتصاد إيراني متضرر من الحصار البحري.

وأضاف أن طهران تحتاج، لإبطال هذا التكتيك، إلى تمويل صيني يقارب 20 مليار دولار لاستيراد السلع الأساسية والاحتياجات العاجلة، بما يشمل بعض الواردات من الصين وروسيا وصفائح الفولاذ من روسيا.

وتابع أن سداد هذا التمويل يمكن أن يتم عبر ترتيبات نفطية طويلة الأمد بين طهران وبكين، إضافة إلى مصادر دخل أخرى مثل توسيع تدفق السياح الصينيين إلى إيران، معتبرا أن تطور آليات الاتصال المالي والمصرفي بين موسكو وبكين يجعل هذا الخيار ممكنا.

وختم خراطيان بالقول إن زيارة عراقجي يجب أن تكون مقدمة لمفاوضات إستراتيجية ثنائية وثلاثية بين طهران وبكين وموسكو، لا تقتصر على التمويل أو الممرات، بل تمتد إلى التعاون الاستخباراتي، وترتيبات الأمن الجديدة في الخليج، وربما ملف الردع النووي الإيراني.

US reflagged tanker, Sea Isle City, sitting in repair port after being hit by Iranian missile. (Photo by Barry Iverson/Getty Images)
صواريخ باليستية إيرانية الصنع وحاملتا أقمار صناعية معروضتان في متحف حربي بطهران، 2 أبريل/نيسان 2026 (غيتي)

لماذا تكتسب زيارة عراقجي إلى بكين أهمية خاصة لطهران؟

وبينما يركز خراطيان على الحاجة المالية العاجلة، يقرأ الباحث الإيراني في الاقتصاد السياسي والأمن الدولي مرتضى شكوري زيارة عراقجي من زاوية أوسع، ترتبط بتثبيت الشراكة مع الصين سياسيا واقتصاديا وأمنيا.

وقال شكوري، في حديثه للجزيرة نت، إن عراقجي يحمل إلى نظيره الصيني وانغ يي وثائق خطة السلام الإيرانية ذات البنود الـ14، لتثبيتها بوصفها المسار الشرعي لإنهاء الأزمة، ومنع الصين من الانخراط في أي مسار داخل مجلس الأمن قد يمنح غطاء سياسيا أو قانونيا للتحركات الأمريكية ضد إيران.

وأضاف أن المحور الثاني للزيارة يتعلق بما وصفه بـ”الإرهاب الجيوقتصادي” الأمريكي، إذ تمارس واشنطن، حسب قوله، ضغوطا متزايدة على بكين لدفعها إلى وقف شراء النفط الإيراني والانضمام إلى التحالف البحري الغربي في الخليج.

واعتبر أن طلب وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت من الصين المشاركة في عمليات مرافقة السفن يشكل إنذارا جديا لطهران، لأنه يستهدف أحد أهم مرتكزات الردع الاقتصادي الإيراني. ويرى شكوري أن هدف طهران هو حماية الروابط النفطية والمالية مع الصين من الضغوط الأمريكية العابرة للحدود.

ما وزن الاقتصاد في حسابات زيارة عراقجي إلى الصين؟

قال شكوري إن الزيارة تمثل خطوة مكملة لما وصفه بـ”العقيدة الأوراسية” في السياسة الخارجية الإيرانية، موضحا أن تحرك عراقجي بين مسقط وإسلام آباد وموسكو وبكين يعكس محاولة إيرانية لبناء كتلة دعم إستراتيجية في مواجهة الضغوط الغربية.

وأضاف أن الصين تؤدي دور “المرساة الجيوقتصادية” لإيران؛ فبينما تبدو موسكو شريكا دفاعيا في أوقات الشدة، تمثل بكين ضامنا لاستمرار البنية الاقتصادية الإيرانية في مواجهة سياسة الضغط الأقصى الأمريكية.

إعلان

وأشار إلى أن الصين، عبر الشراكة الممتدة لـ25 عاما والآليات المالية الموازية، حافظت على استمرار صادرات الطاقة الإيرانية حتى في ظل التصعيد العسكري والضغوط البحرية، بما رسخ لدى طهران قناعة بأن استقرارها الاقتصادي بات أكثر ارتباطا بالشرق من ارتباطه بأي تفاهمات هشة مع الغرب.

وزير الخارجية الصيني ونظيره الإيراني يوقعان اتفاقية الشراكة الإستراتيجية السبت الماضي (صورة أرشيفية-الأوروبية)

ماذا تريد إيران من الصين في هذه المرحلة؟

قال شكوري إن طهران تتحرك وفق واقعية سياسية لا وفق تفاؤل دبلوماسي، وتدرك جيدا سقف القدرة الإستراتيجية الصينية.

وأضاف أن أول مطلب إيراني من بكين هو توفير مظلة دعم دبلوماسي داخل المؤسسات الدولية، وعلى رأسها مجلس الأمن، لمنع تمرير قرارات عقابية أو قرارات تمنح شرعية لأي تحرك عسكري غربي ضد إيران.

وأوضح أن طهران تعول على حق النقض الصيني لإفشال أي محاولة أمريكية لاستصدار قرارات تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، كما تسعى إلى جعل خطة السلام الإيرانية ذات البنود الـ14 الإطار المقبول دوليا لإنهاء الأزمة.

وأضاف أن التوقع الثاني يتمثل في رفض الصين الانضمام إلى التحالفات البحرية الغربية، ومواصلة شراء النفط الإيراني عبر قنوات خاصة، معتبرا أن امتناع بكين عن المشاركة في أساطيل المرافقة التي تقودها واشنطن يمثل خطا أحمر اقتصاديا وسياسيا لطهران.

كما تتوقع إيران، وفق شكوري، أن تبقى قنوات تبادل المعرفة التقنية والمعدات ذات الاستخدام المزدوج مفتوحة، لتعزيز قدراتها على الصمود والدفاع غير المتكافئ في مواجهة ما وصفه بـ”الحرب الهجينة الغربية”.

كيف تدير الصين موقفها من الحرب بين إيران وأمريكا؟

وعن قراءته للدور الصيني، قال شكوري إن بكين تتبع في الأزمة الحالية “إستراتيجية تحوط” دقيقة، تقوم على الموازنة بين المصالح وتجنب التدخل المكلف.

وأضاف أن الصين تواجه تناقضا بين حاجتها إلى أمن الطاقة وعلاقاتها الإستراتيجية مع إيران، فهي تستورد نسبة كبيرة من نفطها من غرب آسيا، ولذلك تخشى التداعيات الاقتصادية لإغلاق مضيق هرمز.

وأوضح أن الدور الصيني ظل محافظا؛ إذ تسعى بكين إلى احتواء الأزمة من دون الإضرار بعلاقاتها مع طهران أو تعريض مصالحها التجارية الواسعة مع دول الخليج للخطر.

وأضاف أن الصين تحافظ على مسافة محسوبة من جميع الأطراف، خلافا للولايات المتحدة التي قيدت نفسها بالتزامات أمنية مع إسرائيل وحلفائها الغربيين.

وقال شكوري إن هذه المسافة تمنح بكين فرصة تقديم نفسها وسيطا موثوقا ومحايدا، لكنها في الوقت ذاته تتيح لها استثمار الأزمة لاستنزاف القوة الأمريكية.

وأضاف أن الصين لا تسعى بالضرورة إلى انتصار طرف بعينه في الشرق الأوسط، بل إلى تحقيق مكسب نسبي في منافستها الكبرى مع واشنطن، عبر إغراق الموارد الأمريكية في المنطقة وصرف انتباهها عن منطقة المحيطين الهندي والهادي.

ما دلالة استباق عراقجي زيارة ترمب المحتملة إلى بكين؟

وفي شأن العلاقة بين زيارة عراقجي إلى بكين والزيارة المرتقبة لدونالد ترمب إلى الصين، قال شكوري إن التزامن الزمني بين الزيارتين ليس مصادفة، بل يعكس مواجهة ثلاثية على رقعة الشطرنج الدولية.

وأضاف أن واشنطن، بعد تعثر خيار الحصار العسكري -وفق رأيه- تحاول استخدام ورقة الصين للضغط على إيران، عبر التهديد بالتعريفات التجارية وتحريك التحالفات الأمنية الأمريكية في شرق آسيا.

وأوضح أن زيارة عراقجي تمثل، في المقابل، “استباقا إستراتيجيا” من جانب طهران، هدفه تثبيت الخطوط الحمراء الإيرانية قبل أي قمة أمريكية صينية، ومنع تحويل المصالح الإيرانية إلى مادة مساومة بين القوتين الكبريين.

وأضاف أن عراقجي يسعى إلى إقناع القيادة الصينية بأن جوهر الأزمة يكمن في تعنت واشنطن ومطالبها المفرطة، لا في مواقف طهران، وأن الاتفاقية الإستراتيجية الممتدة لـ25 عاما يجب أن تمنع الصين من تجاوز الخطوط الجيوسياسية الحمراء لإيران.

إعلان

وبذلك، تبدو زيارة عراقجي إلى بكين اختبارا لقدرة طهران على تحويل شراكتها مع الصين من إطار سياسي طويل الأمد إلى شبكة دعم عملية في لحظة حصار وضغط. غير أن ما تنتظره إيران من بكين لا يعني بالضرورة استعداد الصين لخوض مواجهة مفتوحة مع واشنطن، بقدر ما يعكس سعي طهران إلى انتزاع الحد الأقصى الممكن من الدعم الصيني، دبلوماسيا واقتصاديا، من دون دفع بكين إلى كلفة المواجهة المباشرة.

 

المصدر: الجزيرة