عصير البرتقال.. كيف صنعت الحروب طقس الإفطار الأكثر شهرة في العالم؟

يبدو كوب عصير البرتقال في إعلانات الإفطار مألوفا إلى درجة توحي بأنه كان دائما جزءا طبيعيا من الوجبة الصباحية؛ إلى جوار الحبوب والحليب والخبز المحمص. لكن وجوده على المائدة لم يكن نتيجة توصية طبية تقول إن الإنسان يحتاج إلى شرب البرتقال كل صباح، بل ثمرة التقاء فائض المحصول بالتسويق والابتكار الصناعي والحروب، قبل أن يتحول مشروب غني بفيتامين “سي ” إلى عادة يومية راسخة.

وتختصر بعض الروايات القصة بالقول إن عصير البرتقال رُوّج له بعد الكساد الكبير لإنقاذ المزارعين، غير أن البداية الفعلية سبقت أزمة الثلاثينيات بنحو عقدين. أما الكساد، فكان حلقة من حلقات القصة وليس نقطة انطلاقها الوحيدة.

قصص مقترحة

list of 2 items

  • list 1 of 2حيلة الطهاة المحترفين.. لماذا يُغطى السمك بالخردل؟
  • list 2 of 2حقيقة النكهة الملكية.. هل ما نتناوله فانيليا حقا؟

end of list

حين أصبح الحل: “اشرب برتقالة “

في بدايات القرن العشرين، كانت زراعة الحمضيات تتوسع في كاليفورنيا، بينما واجه المنتجون مشكلة مألوفة في الزراعة: محاصيل وفيرة لا يقابلها طلب كاف. وكان الأمريكي يتناول في المرة الواحدة جزءا من برتقالة أو ثمرة واحدة، وهي كمية لا تكفي لاستيعاب الإنتاج المتزايد.

عام 1916، أطلقت “تعاونية مزارعي الفاكهة في كاليفورنيا “، التي عُرفت لاحقا باسم “سانكيست “، حملة إعلانية بشعار “اشرب برتقالة “. وبحسب دراسة حالة منشورة في مستودع البحوث الاقتصادية الزراعية بجامعة مينيسوتا، كانت “سانكيست ” أول من روّج لعصير البرتقال بهذه الحملة، واضعة أساس صناعة العصير الحديثة.

المصدر: موقع ولاية فلوريدا الحكومي https://dos.fl.gov/historical/ عصير البرتقال.. كيف صنعت التجارة مشروب الإفطار "الصحي"؟
كان الأمريكي يتناول في المرة الواحدة جزءا من برتقالة، وهي كمية لا تكفي لاستيعاب الإنتاج المتزايد (متحف تاريخ فلوريدا)

ولم تكتف الحملة بتسويق الثمرة، بل اقترحت طريقة جديدة لاستهلاكها: عصر عدة برتقالات وشربها مع الإفطار. كما ساعد بيع أدوات العصر والترويج لفوائد البرتقال الصحية على تحويل العصير من مشروب غير شائع نسبيا إلى طقس صباحي.

كانت الفكرة التجارية شديدة الذكاء؛ فتناول البرتقال يحتاج إلى ثمرة واحدة، بينما قد يتطلب إعداد كوب من العصير 3 ثمرات أو أكثر. وهكذا لم تصنع الإعلانات طلبا على منتج قائم فحسب، بل صنعت سلوكا يستهلك محصولا أكبر.

إعلان

وساعد اكتشاف فيتامين “سي ” وتصاعد الاهتمام به خلال عشرينيات القرن الماضي، ثم وباء الإنفلونزا، على تعزيز صورة الحمضيات للوقاية الصحية. وفي الثلاثينيات، وسط تداعيات الكساد الكبير، أصبح دعم صناعة الحمضيات أكثر تنظيما.

وتأسست لجنة حمضيات فلوريدا عام 1935، ويؤكد التاريخ الرسمي لوزارة حمضيات فلوريدا أن الإعلان عن حمضيات الولاية كان أولوية للجهة منذ إنشائها.

كوب البرتقال الصباحي عادة صنعتها التجارة ورسختها الإعلانات
كوب البرتقال الصباحي عادة صنعتها التجارة ورسختها الإعلانات (بيكسلز)

الحرب تنقل العصير إلى مرحلة جديدة

على الرغم من نجاح الحملات، ظل انتشار العصير محدودا بعقبة عملية: العصير الطازج سريع التلف، أما الأنواع المعلبة والمركزة القديمة فلم تكن محببة المذاق. وخلال الحرب العالمية الثانية، بحثت الحكومة الأمريكية عن وسيلة توفر للجنود مصدرا ثابتا لفيتامين “سي ” يمكن حفظه ونقله لمسافات بعيدة.

ووفقا للمتحف الوطني للتاريخ الأمريكي التابع لمؤسسة سميثسونيان، طُوّر عصير البرتقال المركز المجمد بدعم من الحكومة الفدرالية وقطاع الحمضيات في فلوريدا، بهدف تحسين الغذاء المقدم إلى الجنود الأمريكيين.

وفي عام 1945، توصل باحثون إلى طريقة ناجحة لإنتاج مركز برتقال مجمد، عبر إعادة جزء من العصير الطازج إلى المركز قبل تجميده، ما حسّن مذاقه. وكان الجيش قد طلب كمية كبيرة منه، لكن الحرب انتهت قبل وصول المنتج إلى الجنود على نطاق واسع، بحسب إدارة المتنزهات الوطنية الأمريكية.

لم يذهب الابتكار سدى؛ إذ انتقل إلى السوق المدنية، وظهر المنتج تجاريا في النصف الثاني من الأربعينيات، ثم ارتبط لاحقا بعلامة “مينيت ميد “.

تزايد الاهتمام بفيتامين "سي " خلال عشرينيات القرن الماضي، ثم وباء الإنفلونزا، على تعزيز صورة الحمضيات
تزايد الاهتمام بفيتامين “سي ” خلال عشرينيات القرن الماضي، ثم وباء الإنفلونزا، على تعزيز صورة الحمضيات (شترستوك)

وتشير خدمة الإحصاءات الزراعية التابعة لوزارة الزراعة الأمريكية إلى أن فلوريدا ابتكرت العصير المركز المجمد عام 1945، ثم مُنحت براءة الاختراع للحكومة الأمريكية عام 1948، ما ساعد على جعل المنتج مجديا تجاريا.

وأتاح المركز تخزين العصير ونقله طوال العام بتكلفة أقل، في وقت كانت فيه الثلاجات المنزلية والأطعمة المعبأة تنتشر بوصفها رموزا للحياة الحديثة.

وبعد الحرب، وجد مزارعو فلوريدا في العصير وسيلة لاستيعاب فائض البرتقال، بينما قدمته الحملات الإعلانية للأسر باعتباره مصدرا مركزا للفيتامينات وجزءا ضروريا من “الإفطار المتوازن “.

ويفيد متحف تاريخ فلوريدا بأن الطلب على الفاكهة المصنعة ارتفع 120% بين عامي 1945 و1960. وبحلول الخمسينيات، ترسخت الثلاثية الشهيرة في المخيلة الأمريكية: حبوب الإفطار والحليب وعصير البرتقال.

المصدر: موقع ولاية فلوريدا الحكومي https://dos.fl.gov/historical/ عصير البرتقال.. كيف صنعت التجارة مشروب الإفطار "الصحي"؟
الطلب على الفاكهة المصنعة ارتفع 120% بين عامي 1945 و1960 (منحف تاريخ فلوريدا)

هل خدعتنا الإعلانات؟

لا تعني الخلفية التجارية أن عصير البرتقال عديم القيمة أو “غير صحي ” في ذاته. فالعصير الطبيعي 100% يحتوي على فيتامين “سي ” والفولات والبوتاسيوم ومركبات نباتية مفيدة. لكنه لا يساوي ثمرة البرتقال الكاملة، وهي النقطة التي غابت طويلا خلف صورته الصحية.

تحتوي الثمرة على ألياف، وتحتاج إلى المضغ، وتمنح شعورا أكبر بالشبع. أما العصر فيزيل معظم الألياف، ويتيح استهلاك سكر عدة ثمرات خلال دقائق ومن دون الإحساس نفسه بالامتلاء.

إعلان

ووفقا لكلية الطب بجامعة هارفارد، يحتوي كوب من عصير البرتقال على نحو 21 غراما من السكر و113 سعرة حرارية، مقابل نحو 12 غراما من السكر و65 سعرا في برتقالة متوسطة.

وقد تقترب كمية السكر في كوب كبير من العصير من الموجودة في بعض المشروبات الغازية، لكن مساواتهما تماما ليست دقيقة؛ فالعصير يقدم عناصر غذائية لا توفرها الصودا عادة. المشكلة الأساسية هي “الهالة الصحية ” التي قد تدفع الشخص إلى شربه يوميا وبكميات كبيرة، معتقدا أنه بديل مطابق للفاكهة أو أن الكمية لا تهم ما دام السكر طبيعيا.

ولا يعني وصف العبوة بأنها تحتوي على عصير “طبيعي 100% ” أن المشروب قليل السكر؛ بل يعني غالبا عدم إضافة سكر خارجي إليه، في حين يبقى السكر الطبيعي الموجود في الفاكهة مركزا في الكوب.

أما مشروبات البرتقال التي تحمل عبارات مثل “كوكتيل ” أو “شراب بنكهة البرتقال ” فقد تحتوي، إضافة إلى ذلك، على سكريات مضافة ونسبة محدودة من العصير.

الفاكهة أولا والعصير بكمية محدودة

تعكس النظرة الرسمية الحديثة تغير مكانة العصير؛ إذ تشجع الإرشادات الغذائية الأمريكية 2025–2030 على تناول الفاكهة في صورتها الكاملة، وتوصي باستهلاك العصير الطبيعي 100% في حصص محدودة أو تخفيفه بالماء.

وتزداد أهمية الاعتدال لدى الأطفال، وكذلك لدى من يعانون زيادة الوزن أو السكري أو مقاومة الإنسولين.

ولا توجد حاجة إلى حذف عصير البرتقال تماما من غذاء الشخص السليم؛ إذ يمكن تناول كمية صغيرة منه أحيانا، ويفضل مع وجبة تحتوي على البروتين والألياف، بدلا من شرب كوب كبير منفردا. لكن عند الاختيار بين الكوب والثمرة، تظل البرتقالة الكاملة أكثر إشباعا وأقل كثافة في السكر والسعرات.

وهكذا، فإن قصة عصير البرتقال ليست قصة “مؤامرة غذائية ” ولا انتصارا علميا خالصا، بل مثال على قدرة التجارة على تحويل فائدة حقيقية إلى عادة مبالغ فيها. فقد كان العصير وسيلة ناجحة لتصريف فائض المحصول، ثم منحته الحرب تقنية تحفظه، ومنحته الإعلانات مكانا دائما على مائدة الإفطار. أما العلم اليوم فيعيده إلى حجمه الطبيعي: مشروب يمكن الاستمتاع به باعتدال، لا ضرورة صباحية ولا بديلا كاملا عن الفاكهة.

 

المصدر: الجزيرة