على عتبة سبتمبر.. الحريديم يقلبون الطاولة على نتنياهو

“لم نعد نثق بنتنياهو. من الآن فصاعدا، لن نفعل إلا ما هو في مصلحة اليهودية الحريدية وعالم المعاهد الدينية، لم يعد مفهوم الكتلة اليمينية التي تضم الحريديم قائما بالنسبة لنا”.

بهذه الكلمات القاطعة الصادرة عن الحاخام دوف لاندو، الزعيم الروحي البارز لفصيل “ديغل هاتوراه” التابع لحزب يهودت هاتوراه، دخلت الأزمة بين الحريديم ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو مرحلة جديدة كليا، تختلف عن كل ما سبقها من مناورات سياسية.

كما أن عبارة “لا توجد ثقة” هي جملة حريدية أشد بكثير مما تبدو عليه للمشاهد العلماني، إذ لم تُقل لتنفيس الغضب، وخاصة أنها جاءت بعد أزمة ليست جديدة، لكنها تعمقت وتأزمت أخيرا إلى الحد الذي لم تعد تنفع معها المسكنات السياسية المعتادة.

أما الرواية خلف الكواليس، فيبدو أن هناك حقل ألغام حقيقيا ينفجر. فبعد أشهر طويلة من الوعود المؤجلة والمسودات التي بقيت حبرا على ورق، وصل الشارع الحريدي وقيادته إلى قناعة بأن إستراتيجية الاعتماد المطلق على نتنياهو قد وصلت إلى طريق مسدود.

في هذا التقرير، نسلط الضوء على الأبعاد الجديدة لهذه الأزمة المتجذرة: كيف تحولت من “خلاف تكتيكي” إلى “شرخ عميق” يهدد البنية الأساسية لمعسكر اليمين؟ وما الخيارات الضيقة المتبقية في خزانة الحريديم بعد أن تهاوت لغة الوعود؟

تصاعد السجال بين العلمانيين والحريديم بشأن قانون التقاسم بالعبء والتجنيد بظل الحرب على غزة.
تصاعد السجال بين العلمانيين والحريديم بشأن قانون التقاسم بالعبء والتجنيد خلال الحرب على غزة (الجزيرة)

حل الكنيست

ترجمة لهذا الغضب، أعلن حزب “يهودت هاتوراه” المتشدد المكون من 7 أعضاء أنه سيسعى إلى حل الكنيست والدعوة إلى انتخابات مبكرة، احتجاجا على فشل الائتلاف في تمرير قانون يكرس الإعفاء التاريخي لطلاب المدارس الدينية الحريدية من الخدمة العسكرية.

ولم يتوقف الأمر هنا، فبعد إعلان الحاخام لاندو، أشار الفصيل الثاني المشكّل للحزب -وهو حزب “أغودات يسرائيل” المكون من 3 أعضاء في الكنيست- إلى أنه سيدعم حل الكنيست إذا طُرح للتصويت، إذ نقلت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل”عن مصدر في الحزب قوله “لقد انتظرنا طويلا حتى نتفرق”.

إعلان

أمام هذا الشرخ المتسع، سارع العديد من أعضاء الكنيست المعارضين إلى تقديم مشروعات قوانين لحله، وسعى حزب “يش عتيد” إلى بدء الإجراءات فورا. ومع ذلك، ما زالت ملامح هذا التصويت غير واضحة، لكن المؤكد أنه يجب إجراء الانتخابات العامة في موعد أقصاه 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026.

وتُعَد ملامح هذا التصويت معقدة أيضا، فلحل البرلمان يجب عبور أربعة تصويتات في الجلسة العامة (تصويت تمهيدي وثلاث قراءات إضافية) بموافقة أغلبية بسيطة لا تقل عن 61 عضوا من أصل 120، وفي حال تسريع الإجراءات يمكن إجراء الانتخابات في وقت مبكر من أغسطس/آب.

وتكمن العقدة الحالية في “توقيت” المعركة الانتخابية، إذ ترغب الأحزاب الحريدية في إجراء الانتخابات مطلع سبتمبر/أيلول، في حين يحاول نتنياهو تجنب هذا الموعد بأي ثمن، خشية تزامنه مع الذكرى السنوية لهجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول والتبعات السياسية والأمنية الصعبة للحرب المستمرة منذ ذلك الحين.

علاوة على ذلك، فإن تمرير اقتراح حل الكنيست يتطلب دعما ليس فقط من المعارضة، بل أيضا من حزب “شاس” الحريدي (11 مقعدا) الذي يفضل المناورة، ولم يعلن موقفه الحاسم بعد، خصوصا أن حزب “يهودت هاتوراه” -الذي كان ركيزة ائتلاف 2022- بات يضع يدا داخل الحكومة ويدا خارجها في خضم هذا النزاع الطويل.

نحو 157 ألف من الحريديم يتهربون من الخدمة العسكرية النظامية وقوات الاحتياط
عشرات الآلاف من الحريديم يتهربون من الخدمة العسكرية النظامية وقوات الاحتياط (الجزيرة)

شيك بلا رصيد

تتجاوز الأزمة الحالية بكثير مجرد الخلاف الفني على بند هنا أو تعديل هناك في قانون التجنيد، بالنسبة للحريديم هذه إهانة تراكمية، خاصة بعد أن قدّموا لنتنياهو كل ما يحلم به أي رئيس حكومة، من حكومة يمينية خالصة إلى ائتلاف منضبط وصولا إلى دعمه بخصوص الميزانية ودعم مطلق في أزمة الثورة القانونية، وصمت على الحروب الطويلة.

في المقابل طلبوا شيئا واحدا، هو جوهر وجودهم السياسي، يتمثل في تنظيم الإعفاء لطلاب المدارس الدينية، لكنهم اكتشفوا أخيرا أن نتنياهو يريد منهم الاستمرار في حمايته، في حين يطلب سداد الدين بعد الانتخابات، مما يعني أن قانون الإعفاء من التجنيد الذي يبحث عنه الحريديم سيمرره، ولكن يبقى ذلك مرهونا بفوزه في الانتخابات المقبلة.

وعدَّ عضوا الكنيست آرييه درعي وموشيه غافني هذه العلاقة مع نتنياهو بمثابة “الائتمان الخطر”، مما يعني أن الحريديم منحوا نتنياهو شيكا مؤجلا على بياض، لكن هذا الشيك بلا رصيد وسينفجر في وجههم.

وهذه المرة، فإن الغضب الحريدي ليس مجرد مناورة ضغط، بل يهدف أيضا إلى شرح الوضع للجمهور في الداخل. كما أن تصريح الحاخام لاندو قرئ بأنه ذو ثقل سياسي كبير بالنسبة لحزب “ديغل هاتوراه”، حتى لو كان مغلفا بلغة حاخامية، بحسب الصحيفة.

كما تشير التصريحات إلى أن القواعد قد تغيرت، فنتنياهو لم يعد هو الخيار التلقائي المقدس، و”الكتلة” ليست كلمة سحرية تغطي على كل فشل، والولاء لا يمكن أن يستمر في المقابل للوعود فقط. من الآن فصاعدا، على الأقل على الورق، يطالبون بنتائج.

وتشير هذه التصريحات بوضوح إلى أن قواعد اللعبة القديمة قد تغيرت كليا، فنتنياهو لم يعد بالنسبة للحريديم ذلك “الخيار التلقائي المقدس” الذي لا يمكن المساس به، كما أن مفهوم “الكتلة اليمينية” توقف عن كونه مفعولا سحريا يُستخدم لتغطية الفشل أو لتبرير الخسائر أمام الشارع الحريدي.

معضلة سبتمبر

والمفارقة الساخرة أن الحريديم ينظرون إلى المعارضة بوصفها خطرا، فالحكومة البديلة -ليست حكومة نتنياهو- قد تمنحهم ميزانيات وشراكة لكنها من المؤكد لن تمنحهم ما وعد به نتنياهو ولم ينفذه، مما يعني أنه فشل في المجال الذي قد يكون فيه خصومه أسوأ بكثير بالنسبة لهم، بحسب صحيفة يديعوت أحرونوت.

إعلان

ومن هنا تحوّل سبتمبر/أيلول إلى الشهر الأصعب بالنسبة للمنظومة السياسية باعتباره شهر الانتخابات للكنيست الـ26، فهو يناسب الجميع، لأنه يمثل تقاطع مصالح يناسب الجميع تقريبا، فهو مبكر بما يكفي لامتصاص غضب الشارع والقول إن هذا الكنيست قد أنهى مدته بكرامة، ومتأخر بما يكفي لترتيب الأوراق السياسية المعقدة وبناء القوائم وإعداد الحملات وإجراء الانتخابات التمهيدية.

كما أنه يمنح رئيس الحكومة فرصة لمحاولة هندسة جولة سياسية أو أمنية جديدة يغلفها بوصفها “انتصارا تاريخيا” يدعم به موقفه الانتخابي، وإن كان الواقع يشير إلى أن كل هذه المناورات لم تعد قادرة على تحريك مقعد انتخابي واحد.

في هذه الأثناء وخلف الكواليس، تدار معركة على المسؤولية، ففي معسكر “الليكود” يجري الترتيب لتصوير الحريديم كمن بالغوا في مطالبهم وانفصلوا عن واقع الدولة المأزوم، في حين يستعد الحريديم لتقديم نتنياهو إلى جمهورهم بصورة المخادع الذي مارس المماطلة والتمطيط لسنوات.

وفي خضم هذا كله، يحاول حزب “شاس” التموضع في خانة “البالغ المسؤول” الذي يراقب حركة الرياح قبل أن يدعي أنه كان يقف هناك دائما، في حين يسعى حزب “ديغل هاتوراه” -متبنيا خط الحاخام لاندو الصارم- إلى استعادة هيبته وهالته المستقلة التي تبددت بسبب سنوات التبعية الأوتوماتيكية لنتنياهو، وفقا لصحيفة يديعوت أحرونوت.

ولا يمكن إغفال أن البيت الحريدي نفسه متصدع داخليا، فحزب يهودت هاتوراه يبدو اليوم “اتحادا مشحونا بالشكوك”، إذ يشتعل الصراع الصامت بين الليتوانيين والحسيديم، وبين الحاخامات والمسؤولين، لإعادة صياغة موازين القوى استعدادا للانتخابات.

فمن يقود الخط المتشدد يدعي أنه أنقذ الكرامة، ومن يميل إلى المساومة يدعي أنه أنقذ ميزانيات المعاهد، وكلاهما بالطبع يرفع شعار “العمل لوجه الله”، وفقا للصحيفة.

ويعيش حزب شاس وضعا دقيقا، فهو يكره المغامرات غير مأمونة العواقب، ويدرك ضعف نتنياهو، لكنه يعلم أيضا أن جمهوره ومؤسساته وشبكاته التعليمية تعتمد كليا على مفاصل السلطة والوزارات، لذا فضّل ركوب قطار حل الكنيست بشرط أن يقوده الائتلاف نفسه، لضمان التحكم في السرعة والمسار.

وعادت قضية تجنيد الحريديم إلى الواجهة بقوة بعد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عقب عملية طوفان الأقصى التي شنتها المقاومة الفلسطينية على مستوطنات غلاف غزة يوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

ووصل الجدل في هذه القضية إلى الحد الذي ظهر فيه بالمجتمع الإسرائيلي من يرى ذلك “مسألة حياة أو موت”، خاصة مع الأعداد الكبيرة للقتلى في صفوف جنود الاحتياط أثناء العدوان على غزة ولبنان، إذ طالبت أحزاب علمانية رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بأن يفرض التجنيد على الحريديم، وقالت إن ذلك يُعَد من باب “المسؤولية الوطنية والمشاركة في تحمّل أعباء الحرب”.

 

المصدر: الجزيرة