ربما سمعت أحدهم يقول، وغالباً بالإنجليزية: “أنا أو سي دي جداً” (أنا مصاب بالوسواس القهري)، بعدما عدّل لوحةً مائلة على الحائط مثلاً، أو ليُظهر مدى حرصه على التفاصيل أو التناظر أو ترتيب المنزل وتنظيمه.
قد يبدو الأمر للوهلة الأولى غير مؤذٍ، وربما طريفاً حتى. لكنّه ليس كذلك بالنسبة للأشخاص المصابين فعلاً باضطراب الوسواس القهري. فمن اختبر الألم الذي يسبّبه هذا الاضطراب، تبدو له هذه التصريحات أشبه بصفعةٍ مؤلمة.
الوسواس القهري ليس صفةً ولا سلوكاً غريباً. لا يُعدّ سِمةً شخصية تجعل شخصاً ما غريب الأطوار أو تعكس ميله إلى النظام والنظافة. إنّه اضطراب نفسي خطير يصيب ملايين الأشخاص حول العالم، غالباً بصمتٍ يرافقه ألمٌ نفسي كبير.
وفي عالمنا، لا يزال يُساء فهم اضطراب الوسواس القهري بشكلٍ واسع. فعلى الرغم من دخوله الثقافة الشعبية كتعبيرٍ مختزل عن الهوس بالنظافة أو الحاجة إلى السيطرة، إلا أنّ الواقع أكثر تعقيداً وإنهاكاً.
فهو حالة متطرّفة من القلق، تتجلّى في أفكار غير مرغوب فيها تلتصق بالذهن وتستهدف نقاطاً حسّاسة جداً لدى المصاب.
فالأم الجديدة تشعر بخوفٍ عميق على مولودها، وترغب في السيطرة على كل ما يحيط به لحمايته من أي أذى.
وقد تلجأ إلى تكرار عباراتٍ دينية أو جملٍ تطمئن بها نفسها، تؤكّد من خلالها أنها لن تُقدم على فعلٍ مؤذٍ. هذا هو السلوك القهري.
فإلى جانب الوساوس – أي الأفكار المجرّدة – يعاني معظم المصابين بالوسواس القهري من سلوكيات قهرية وطقوس محدّدة تهدف إلى “إسكات” العقل/ القلق ولو للحظات.
لكنها دائرة مفرغة، تُحوّل حياة المصاب إلى كابوسٍ حقيقي.
ما هو الوسواس القهري حقاً؟
يُدرج اضطراب الوسواس القهري اليوم ضمن فئة “اضطرابات الوسواس القهري وما يرتبط بها”، بحسب التصنيف الحديث في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5)، بعدما كان يُعدّ سابقاً من اضطرابات القلق.
ويقول الطبيب اللبناني والأستاذ المشارك في الطب النفسي وعلوم الأعصاب في جامعة روتشستر الأمريكية، بول جحا، في حديث إلى بي بي سي عربي، إن اضطراب الوسواس القهري يتألّف من عنصرين رئيسيين: الوساوس والأفعال القهرية. الوساوس قد تكون أفكاراً أو صوراً ذهنية، والأفعال القهرية تتجلّى في سلوكيات وطقوس عملية.
عادةً ما تكون الوساوس أفكاراً أو صوراً دخيلة (Intrusive)، غير إرادية، يصفها المرضى بأنها غريبة عنهم ولا تعبّر عن شخصيتهم أو قناعاتهم.
مثلاً، قد يشعر المريض برغبة في إيذاء شخصٍ يحبّه، أو تداهمه صورة ذهنية تُظهره وهو يُسيء إلى أحد، أو يتخيّل نفسه داخل الكنيسة أو المسجد وهو يجدّف على الله.
ويضيف جحا: “من أكثر الأشكال شيوعاً أيضاً: وسواس التحقّق، كإقفال باب السيارة أو إطفاء الغاز، حيث يشعر المريض بأنه مضطر للعودة مراراً للتأكد، برغم معرفته العقلانية بأنه سبق أن فعل ذلك”.
هذه الأفكار مزعجة جداً، وتولّد قلقاً شديداً، وتدفع المصاب إلى تكرار أفعال قهرية لا منطقية. فقد يتحقّق من الشيء نفسه عشرين مرة مثلاً. هذا النمط يولّد توتراً مزمناً ونوبات هلع، وقد يقود مع الوقت إلى الاكتئاب.
“وفي بعض الحالات التي نراها سريرياً، يصل الأمر إلى حدّ الشلل التام. مثلاً، مريض يدخل إلى الحمّام ليغتسل ويبقى فيه لساعات غير قادر على الخروج، أو يغسل يديه باستمرار دون توقّف. يصبح أسيراً للوسواس والطقوس المرتبطة به، وتسيطر هذه الدورة على حياته”، يوضح جحا.
-الخوف من الأمراض/ التلوّث.
-الخوف من إيذاء الآخرين (قتل أو اعتداء جنسي…).
-أفكار تجديفية وغالباً ما تظهر لدى الأشخاص الملتزمين دينياً.
متى يظهر الاضطراب وما هي أسبابه؟
يقول جحا إن الإحصاءات في الولايات المتحدة تشير إلى أن ما بين 1 إلى 2 بالمئة من السكان مصابون باضطراب الوسواس القهري، وأن الدراسات تُظهر تأثراً أعلى قليلاً لدى النساء مقارنةً بالرجال.
كما أن نحو 25 بالمئة من الحالات تبدأ في سنّ المراهقة المبكرة، وأحياناً حتى قبلها، في الطفولة.
ويُعدّ العامل الوراثي حاسماً، لا سيما في الحالات التي تظهر في وقتٍ مبكر. ويوضح جحا: “إذا كان أحد الأشقاء في العائلة مصاباً باضطراب الوسواس القهري، فإن احتمال إصابة أخٍ آخر يتضاعف. وإذا ظهر المرض في سنّ المراهقة، فإن خطر تكراره بين الأشقاء يزيد بعشرة أضعاف”.
ومع أن العامل الوراثي يُعدّ السبب الأبرز، إلا أن جينات هذا الاضطراب قد تبقى “نائمة” في الجسد، ولا تنشط إلا بعد التعرّض لضغطٍ نفسي شديد أو تغيّر جذري في حياة الشخص.”
طبيعة “متنافرة مع الذات”
من أكثر الجوانب التي يُساء فهمها في اضطراب الوسواس القهري هي طبيعته المتنافرة مع هوية المصاب. أي أن الأفكار أو الصور الوسواسية تكون متعارضة مع نظرة الشخص إلى ذاته أو مع قيمه الأساسية، ما يجعلها غريبة عنه، دخيلة، ومزعجة إلى حدٍ بالغ.
وهنا يشير جحا إلى ضرورة التمييز بين اضطراب الوسواس القهري (OCD) واضطراب الشخصية الوسواسية القهرية (OCPD)، بالرغم من تشابه الاسمين واحتواء كليهما على عنصر “الوسواس”.
أما في اضطراب الشخصية الوسواسية، فالأفكار تكون منسجمة مع الذات (Ego-syntonic)، أي أنها تتماشى مع قناعات الشخص، مثل حبّ الترتيب والدقة والسعي إلى الكمال. في هذه الحالة، لا يشعر الشخص بالانزعاج منها، بل بالرضا.
ويقول جحا إن وساوس الأذى أو الاعتداء على الآخرين غالباً ما تصيب أكثر الناس مسالمةً، ولذلك تكون مؤلمة جداً. فالشخص الذي يُكرّس حياته لتفادي الأذى، سيتألم بشدة من مجرّد تخيّل هذه الأفكار، لا سيما عندما تتعلّق بأشخاص مقرّبين إلى قلبه.
كذلك الأمر بالنسبة للوساوس الدينية، إذ غالباً ما تصيب المؤمنين وتسبب لهم ضيقاً بالغاً، لأنها تستهدف نقطة حسّاسة في منظومة معتقداتهم.
وهذا ينطبق خصوصاً على الحالات التي تشمل ما يعرف بـ”المواضيع المحرّمة” أو “التابوهات”، مثل أفكار مؤذية تجاه الأحبّة، أو صور جنسية غير لائقة، أو أفكار تجديفية تتعارض مع القيم الدينية.
وبعيداً عن تبنّي هذه الأفكار أو الاستمتاع بها، فإن المصابين بالوسواس القهري يشعرون في العادة برعبٍ شديد منها. وكلّما كانت الفكرة أكثر إزعاجاً، ازداد التصاقها بالذهن.
ولهذا السبب تحديداً، كثيراً ما يتجنّب المصابون الحديث عن هذه الوساوس، خوفاً من الحكم عليهم أو إساءة فهمهم أو حتى اعتبارهم خطراً على من حولهم.