عندما تُشعل هواتف الشباب الثورات: كيف يقود جيل زد الاحتجاجات في آسيا؟

كان زفاف ابنة أحد السياسيين في نيبال الشرارة الأولى التي أثارت استياء ناشط يدعى أديتيا، ففي مايو/أيار الماضي، وبينما كان الشاب البالغ من العمر 23 عاماً يتصفح وسائل التواصل الاجتماعي، صادفه منشور عن حفل زفاف فاخر تسبب في حدوث تكدس مروري خانق في مدينة بهاكتابور النيبالية.

وأثارت أنباء تحدثت عن إغلاق طريق رئيسي لساعات طويلة لاستقبال الضيوف من الشخصيات الهامة، كان من بينهم، وفقاً لتقارير، رئيس وزراء نيبال، غضب الناشط بشدة.

وعلى الرغم من عدم التحقق من تلك الادعاءات، ونفي السياسي لاحقاً أن تكون أسرته قد استغلت موارد الدولة بصورة غير مشروعة، فإن أديتيا كان قد اتخذ قراره بالفعل.

ورأى أن ما حدث هو “أمر غير مقبول على الإطلاق”.

جاء ذلك في سياق حمى التغيير التي أصابت أرجاء آسيا خلال الأشهر الماضية.

ونظم الإندونيسيون احتجاجات، وكذلك الفلبينيون، واحتشد عشرات الآلاف في العاصمة مانيلا يوم الأحد. وما يجمعهم جميعاً هو أنها احتجاجات يقودها “جيل زد”، الذي يشعر كثير من أفراده بالغضب تجاه ما يرونه من فساد مستشري في بلادهم.

واستلهم أديتيا حماسه من الاحتجاجات الإندونيسية، فضلاً عن الثورة الطلابية التي شهدتها بنغلاديش العام الماضي، وحركة “أراجالايا” الاحتجاجية التي أسفرت عن إسقاط رئيس سريلانكا في عام 2022، ويُشير إلى أن جميعها تدافع عن هدف واحد: “رفاهية وتقدم أمتنا”.

ويقول: “أدركنا، نحن جيل الطلاب والشباب، أنه لا شيء يعترض سبيلنا”.

استياء من “أبناء أصحاب النفوذ”

ويرى العديد من المحتجين أن “أبناء أصحاب النفوذ” يجسّدون صورة الفساد المتجذر في المجتمع.

ونفى بعض الأشخاص المستهدفين تلك الادعاءات، وقال ساوغات ثابا إن توصيف عائلته بأنها فاسدة “غير عادل”، بينما اختار آخرون التزام الصمت.

وخلف كل الأحداث يكمن الشعور بالاستياء نتيجة التفاوت الاجتماعي ودعم توافر الفرص.

ولا يزال الفقر قضية مزمنة في هذه الدول، التي تواجه كذلك محدودية الحراك داخل الطبقات الاجتماعية.

وأثبتت العديد من الدراسات أن الفساد يحد من النمو الاقتصادي ويعزز التفاوت الاجتماعي. وفي إندونيسيا، شكل الفساد عائقاً خطيراً أمام تنمية الدولة، وفقاً لما ذكره مكتب الأمم المتحدة المعني بمكافحة المخدرات والجريمة.

خرج شاب يدعى زكري أفدينيل سيريجار، طالب جامعي يبلغ من العمر 22 عاماً ويقيم في شمال سومطرة بإندونيسيا، في احتجاجات مطلع الشهر الجاري، معرباً عن غضبه من تلقي أعضاء البرلمان المحليين بدلات سكن ضخمة تصل إلى 60 مليون روبية (ما يعادل نحو 2,670 جنيه إسترليني) شهرياً، أي نحو عشرين ضعف متوسط الدخل.

وفي مسقط رأسه بمقاطعة رياو، يملك والداه مزرعة صغيرة للمطاط ويزاولان أعمال الزراعة على أراض مملوكة لآخرين، مما يدرّ عليهما دخلاً شهرياً يبلغ أربعة ملايين روبية (ما يعادل نحو 178 جنيه إسترليني).

ويعمل سيريجار كسائق دراجة نارية بالأجرة ليساعد في تغطية نفقات الدراسة ورسوم المعيشة.

ويضيف: “كل هذا في وقت يزداد ثراء المسؤولين وتتصاعد بدلاتهم”.

وفي نيبال، إحدى أفقر دول القارة الآسيوية، أعرب الشباب عن شعور مماثل بخيبة الأمل تجاه ما يعتبرونه نظاماً غير عادل.

فقبل عامين، في واقعة هزّت الأمة، لقي رائد أعمال شاب حتفه بعد أن أضرم النار في نفسه أمام البرلمان.

استخدام تيك توك والذكاء الاصطناعي في الاحتجاج

قبل أيام من انطلاق الاحتجاجات في نيبال، أعلنت الحكومة حظر معظم منصات التواصل الاجتماعي لعدم امتثالها لموعد التسجيل المحدد.

وزعمت الحكومة أن الهدف من تلك الخطوة هو التصدي للأخبار المزيفة وخطاب الكراهية، إلا أن العديد من الشباب في نيبال اعتبروا الإجراء بمثابة محاولة لإسكاتهم، وكان أديتيا من بينهم.

جلس هو وأربعة من أصدقائه في مكتبة بكاتماندو، معهم هواتفهم المحمولة وأجهزة الحاسوب، واستخدموا منصات الذكاء الاصطناعي مثل “تشان جي بي تي”، و”غروك”، و”ديب سيك”، و”فيد”، لإنتاج خمسين مقطع فيديو عبر وسائل التواصل الاجتماعي تتحدث عن “أبناء أصحاب النفوذ” وقضايا الفساد.

واستطاعوا، خلال الأيام القليلة التالية، نشر مقاطع فيديو، معظمها على منصة تيك توك التي لم تحظر الحكومة، مستخدمين حسابات متعددة وشبكات افتراضية خاصة لتجنب الرصد، وأطلقوا على مجموعتهم اسم “ثوار جيل زد”.

واختتم الفيديو بدعوة للعمل: “سأشارك، سأكافح الفساد والنخبوية السياسية. هل ستفعل أنت ذلك؟”

وخلال يوم واحد، حسبما أفاد أديتيا، سجل مقطع الفيديو 135 ألف مشاهدة، وانتشر بشكل واسع النطاق بفضل حسابات المؤثرين على الإنترنت الذين أعادوا نشره مع منشورات أخرى.

كما استطاعت مجموعات أخرى في نيبال وخارجها إنتاج مقاطع فيديو، ومشاركتها عبر منصة “ديسكورد”.

واستخدم آلاف المتظاهرين في نيبال هذه المنصة المخصصة للدردشة ضمن تطبيقات الألعاب لمناقشة الخطوات القادمة واقتراح مرشحين لشغل منصب زعيم مؤقت للبلاد.

ولا يعد استثمار الشباب في التكنولوجيا لدعم الحركات الجماهيرية ظاهرة جديدة، ففي السنوات الأولى من الألفية، ساهمت الرسائل النصية في تعزيز الثورة الثانية لقوة الشعب في الفلبين، بينما اعتمدت ثورات الربيع العربي وحركة “احتلوا وول ستريت” بعد عام 2010 منصة تويتر بشكل مكثف.

أما الاختلاف الآن يتمثل في مستوى التطور التقني، إذ أسهم الانتشار الواسع للهواتف المحمولة ووسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة والذكاء الاصطناعي في تسهيل التعبئة الجماهيرية.

ويعلّق ستيفن فيلدستين، خبير في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، قائلاً: “هذا هو ما نشأ عليه جيل زد، هكذا يتواصلون، وطريقة تنظيم هذا الجيل لنفسه تُعد تعبيراً طبيعياً عن ذلك”.

التضامن السياسي بين الدول

ساهمت التكنولوجيا أيضاً في تعزيز الشعور بالاتحاد والتضامن بين المحتجين في مختلف الدول.

 

المصدر: BBC