رفضت حكومة غرينلاند، الأربعاء، تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب التي قال فيها إن عمليات ضخمة لاستكشاف النفط والغاز والمعادن تستعد للانطلاق في الجزيرة الواقعة في القطب الشمالي.
وقال يورغن هاميكين هولم، نائب وزير التعدين في غرينلاند، إن هناك بالفعل أنشطة تقوم بها شركات أمريكية في الإقليم، لكنه شدد، في تصريحات لشبكة “سي إن إن”، على أن المنطقة “ما زالت بعيدة جدا عن عمليات استكشاف واسعة النطاق”.
قصص مقترحة
list of 2 items
end of list
وأضاف هاميكين هولم أن العديد من عمليات الاستكشاف الصغيرة تجري حاليا، غير أن تحويل هذه المشاريع إلى عمليات تشغيلية قد يستغرق سنوات. وتتوافق هذه التصريحات مع ما أشار إليه باحثون بشأن الصعوبات الفنية والتكاليف الباهظة المرتبطة باستخراج الموارد الطبيعية من غرينلاند.
وفي السياق ذاته، أكدت وزارة الخارجية الدانماركية أن أي رغبة أمريكية في استكشاف الموارد الطبيعية في غرينلاند يجب أن تخضع للتشريعات المعمول بها في الجزيرة، التي تتمتع بحكم ذاتي ضمن مملكة الدانمارك.
وأوضحت الوزارة أن الاتفاق الذي أُبرم بين الولايات المتحدة والدانمارك وغرينلاند في سبتمبر/أيلول الماضي لم يغيّر هذه القواعد، مشيرة إلى أنه لا يمنح المستثمرين الأمريكيين أي معاملة تفضيلية مقارنة بالمستثمرين من دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) الأخرى، أو دول الاتحاد الأوروبي، أو شركاء الحلف، فيما يتعلق بالوصول إلى الموارد الطبيعية في غرينلاند.

تحديات كبيرة
وتواجه عمليات استغلال الموارد الطبيعية في غرينلاند تحديات جغرافية ومناخية ولوجيستية كبيرة، إذ تقع العديد من مكامن هذه الموارد في مناطق نائية شمال الدائرة القطبية الشمالية، حيث تمتد طبقة جليدية قطبية يصل سمكها إلى ميل واحد، في حين تفتقر هذه المناطق إلى البنية التحتية اللازمة لدعم عمليات استخراج واسعة النطاق.
ويغطي الجليد نحو 80% من مساحة الجزيرة، مما يزيد من صعوبة الوصول إلى الموارد الطبيعية ونقلها واستغلالها تجاريا، ويجعل تطوير العديد من المشاريع عملية طويلة ومكلفة.
وكان ترمب قد كتب، في الساعات الأولى من صباح الأربعاء، على منصته تروث سوشيال، أن هناك خبراء يؤكدون أن كميات النفط المتاحة بسهولة في غرينلاند تفوق بكثير ما هو موجود في أراضٍ تكاد تكون في أي مكان آخر في العالم.
وتأتي هذه التصريحات في وقت يواصل فيه الرئيس الأمريكي التأكيد على الأهمية الإستراتيجية والاقتصادية لغرينلاند، التي تمتلك موارد معدنية محتملة وتتمتع بموقع جغرافي مهم في منطقة القطب الشمالي.
السيطرة على غرينلاند
ومنذ عودته إلى البيت الأبيض، هدد ترمب مرارا بالسيطرة على غرينلاند ومواردها الطبيعية، الأمر الذي أثار توترات مع حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين وشركائها في حلف شمال الأطلسي.
وفي وقت لاحق من يوم الأربعاء، قال ترمب إن وسائل الإعلام بالغت في تصوير طموحاته المتعلقة بغرينلاند، مؤكدا أنه لم يكن يفكر في الاستيلاء على الجزيرة القطبية بالقوة العسكرية.
وأوضح ترمب، خلال تجمع جماهيري في ولاية أريزونا، أن وسائل الإعلام التي وصفها بـ”المزيّفة” انتقدت بشدة الطريقة التي تحدث بها عن غرينلاند، مضيفا أن بعض التغطيات الإعلامية أوحت بأنه سيُرسل قوات عسكرية لمهاجمة الجزيرة.
وقال ترمب “كما تعلمون، تعرضنا للكثير من الانتقادات من وسائل الإعلام المزيّفة آنذاك. قالوا: يا لها من طريقة فظيعة للحديث عن غرينلاند! هذا أمر مروّع. تذكروا أنهم اعتقدوا أنني سأرسل قواتي العسكرية لمهاجمة غرينلاند. لم أكن أنوي ذلك، لكنني اشتكيت من الأمر بشدة أمام حلف الناتو، وبشدة كبيرة حقا”.
وكان ترمب قد ألمح على مدى سنوات إلى رغبته في ضم غرينلاند، التي تتمتع بالحكم الذاتي. وقبيل توليه منصبه لولايته الرئاسية الثانية في عام 2025، لم يستبعد الاستيلاء على الجزيرة بالقوة، مبررا ذلك بأهميتها الحيوية لأمن الولايات المتحدة.
غير أنه استبعد، في وقت سابق من عام 2026، اللجوء إلى العمل العسكري، وذلك خلال تصريحات أدلى بها في المنتدى الاقتصادي العالمي بمدينة دافوس السويسرية.
“أمن قومي”
وفي مساء الأربعاء، قال مسؤول في البيت الأبيض لشبكة “سي إن إن” إن أمن الطاقة هو أمن قومي، في إشارة إلى موقف الإدارة الأمريكية من أهمية الموارد ومصادر الطاقة بالنسبة إلى المصالح الإستراتيجية للولايات المتحدة.
وشدد المسؤول على الأهمية الإستراتيجية لغرينلاند، مضيفا أن ترمب سيعمل على تحويل هذا الإدراك إلى انتصار إستراتيجي للولايات المتحدة.
وفي منشوره على منصة تروث سوشيال يوم الأربعاء، ربط ترمب أهمية غرينلاند بأمن الولايات المتحدة، مشيرا إلى أن موقع الجزيرة يجعلها جزءا مهما من منظومة الدفاع الأمريكية.
وقال “أي هجوم مستقبلي على الولايات المتحدة لا بد أن يمر عبر غرينلاند، حيث ستعمل دفاعاتنا بصورة منتظمة على إسقاط الطائرات المسيّرة والصواريخ وأي شكل آخر من الأسلحة التي لم يُتصوّر وجودها بعد”.
وتعكس هذه التصريحات استمرار اهتمام الإدارة الأمريكية بالموقع الإستراتيجي لغرينلاند ومواردها الطبيعية، في ظل التنافس على النفوذ في منطقة القطب الشمالي، رغم الخلافات بشأن طبيعة الدور الأمريكي ومستوى الوصول إلى الموارد المتاحة في الجزيرة.

اتفاق ثلاثي
وكانت الولايات المتحدة والدانمارك وغرينلاند قد توصلت، الشهر الماضي، إلى اتفاق يهدف إلى المساعدة في تسوية التوترات التي نشأت عقب تهديدات ترمب بضم الجزيرة ذات الموقع الإستراتيجي.
وادّعى ترمب، عند الإعلان عن الاتفاق، أنه يمنح الولايات المتحدة سيطرة دائمة على أمن غرينلاند، إلا أن الاتفاق يبدأ بالإقرار بسيادة الدانمارك وبحق سكان غرينلاند في تقرير مصيرهم.
ويتضمن الاتفاق تعديلات محدودة على معاهدة عام 1951، التي تسمح للولايات المتحدة بنشر قوات عسكرية في غرينلاند ضمن إطار ترتيبات الدفاع التابعة لحلف شمال الأطلسي.
ولا يتضمن النص -المنشور على الموقع الإلكتروني للبيت الأبيض- إشارة صريحة إلى النفط أو الغاز، لكنه يشير إلى التعاون في مجال المعادن والتنمية الاقتصادية وتعزيز الأعمال التجارية، من دون تقديم تفاصيل إضافية بشأن طبيعة هذا التعاون أو نطاقه.
كما يمهد الاتفاق الطريق أمام إنشاء قواعد أمريكية إضافية في غرينلاند، ويتضمن ضمانات تتيح للجيش الأمريكي الوصول إلى الجزيرة إذا حصلت على الاستقلال عن الدانمارك.
ويأتي الاتفاق في محاولة لاحتواء التوترات المرتبطة بمطالب ترمب، مع الإبقاء على الترتيبات الدفاعية الأمريكية القائمة وتحديد إطار للتعاون بين الأطراف الثلاثة.
المصدر: الجزيرة